انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

شالم شبازي: الشاعر اليمني الذي بقي حيًا في الأساطير والأغاني

حميد عقبي
حميد عقبي

كاتب وناقد ومسرحي يمني

5 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
شالم شبازي: الشاعر اليمني الذي بقي حيًا في الأساطير والأغاني
مشاركة:

في دراسة بعنوان «الحاخام شالم شبازي: أعظم شاعر في اليمن»، نشرها الباحث والموسيقي البروفيسور ماكس شتيرن، من جامعة أريئيل، في مجلة «الدراسات الأدبية والفنية» في نوفمبر 2024، نتعرف إلى شخصية يمنية يهودية استثنائية، جمعت بين الشعر والتصوف والحكايات الشعبية والإنشاد الديني. فقد عاش شالم شبازي في القرن السابع عشر، ولكن ما تزال قصائده وأغانيه حاضرة في حياة اليهود اليمنيين حتى اليوم ووصلت بعضها للعالمية بفضل الفنانة عوفرا هزاع وأصوات نسائية ورجالية وأعمال فنية متعددة.
يلفت شتيرن إلى مفارقة غريبة، فحاخام الشبزي الذي يحظى بهذه المكانة الكبيرة بين يهود اليمن يكاد يكون مجهولًا في عالم الموسوعات وبوابات الشعر العالمية ولا نجد قصائده في المختارات الشعرية المعروفة.
تذكر بعض الروايات أنه نظم نحو خمسة عشر ألف قصيدة، ضاع معظمها، ولكن لم يبقَ من مؤلفاته، بحسب الدراسة، سوى كتاب «حِمدات هياميم».
ما يميز دراسة شتيرن أنه لم ينشغل كثيرًا بالتدقيق في التواريخ والأمكنة، الأكثر أهمية أنه التقط الجانب الحي والأسطوري من شخصية الشبزي. لم يقدمه كشاعر انتهت حياته وبقيت بعض نصوصه، وإنما كشخصية تتحرك في الذاكرة الشعبية، وتحضر في الحكايات والأعراس والصلوات والموائد. وهذا الاختيار يجعل من هذه الدراسة قريبة من عالم الحكاية، دون أن تفقد اهتمامها بالشعر والموسيقى.
وُلد الشبزي سنة 1619، بحسب التواريخ التي اعتمدتها الدراسة، في أسرة دينية عريقة. وكان أجداده من الحاخامات ورؤساء المحاكم الدينية. وتذكر إحدى الأساطير أن اسم أسرته «مشتا» يعود إلى اختفاء أحد أجداده داخل إناء كانت زوجته تستخدمه لإعداد خبز اللحوح. قد تبدو الحكاية غريبة، لكنها تكشف طبيعة العالم الشعبي الذي أحاط بالشبزي، ففي بلد كاليمن سنجد أن الكثير منن تفاصيل الحياة اليومية البسيطة قد تمتزج مع الخوارق وخاصة عند تتذكر شخصيات ذات تأثير روحي وأدبي.
تلقى الشبزي تعليمًا دينيًا شمل التوراة والتلمود والتفاسير والأحكام اليهودية، وتعلم أيضًا حرفة النسيج. وبعد وفاة والده وهو في الخامسة عشرة، اضطر إلى العمل لإعالة أمه. وتروي الدراسة أنه وصل إلى شبام، وعمل عند نساج اشترط عليه البقاء سنوات للتدريب، لكن الشبزي رفض وقال إنه سيعمل حتى تسقط الإبرة من يده.
وبعد عامين، سقطت الإبرة فجأة، فأعلن أن أمه ماتت وأن عليه العودة لدفنها. وتقدم الحكاية هذا الحدث بمثابة علامة على قدرته الخارقة على معرفة ما يجري بعيدًا عنه. ومن خلال هذه الرواية نلاحظ أن الحكايات لا تريد فقط تقديم أحداث من حياته، لكنهآ بنت صورة إنسان مختلف امتلك حساسية روحية تجاوزت المألوف.
وتتسع الأساطير مع قصص انتقاله الخارق إلى القدس والخليل وصفد وطبرية باستخدام الاسم الإلهي المقدس. كما تروي الدراسة مواجهته لأحد الملوك في مسابقة للقدرات السحرية. يُظهر الملك حديقة مليئة بالأشجار، فيطلق الشبزي الجراد ليلتهمها، ثم يظهر الملك قصرًا فيجعله الشبزي يختفي. وتتواصل المنافسة حتى يعترف الملك بقداسته ويطلق سراحه.
لم يقدم شتيرن هذه الحكايات كوقائع تاريخية مثبتة، وإنما استعان بها لفهم الصورة التي احتفظت بها الجماعة عن شاعرها. فالشبزي هنا لم يكن شاعر وصاحب قصائد وحسب، هناك جوانب ذات أهمية أكبر فلقد كان رجلاً يستطيع مواجهة السلطة والانتصار على الشر، وحماية جماعته بقوة روحية تتجاوز القوة المادية.
ويربط شتيرن هذه الصورة بالحاخام نحمان من برسلاف، أحد أبرز رموز الحسيدية في أوروبا الشرقية. ويجد بينهما تقاربًا في الجمع بين التصوف والشعر والحكاية والقيادة الروحية. وفي إحدى الأساطير يريد الملك الاحتفاظ بالشبزي داخل قصره، لكنه يرفض ويعود إلى عمله وحياة الناس. ويقرأ شتيرن هذه الحكاية ويحللها كتعبير عن الصراع بين العالم الإلهي المثالي والحياة الأرضية التي اختار الشاعر البقاء فيها لخدمة الرب وجماعته والإبداع.
وتعرض الدراسة جوانب مؤلمة من حياته العائلية، خصوصًا حكاية ابنته التي أراد ابن الملك الزواج منها، ورفض الأب ذلك بسبب الاختلاف الديني. وتروي إحدى الصيغ أنها هربت مع والدها، وأنهما تبادلا الغناء في الطريق إلى أن سقطت ميتة عند سفح جبل. وفي حكايات أخرى تحكي أنه كان فقيرًا يتنقل بين المدن اليمنية بحثًا عن الرزق، ويكتب الأغاني ويرسل ما يكسبه إلى أسرته.
لكن الدراسة لا تتوقف عند هذه الأساطير. حيث ينتقل شتيرن إلى عالم القصائد والألحان، وهو الجانب الذي يمنح الشبزي مكانته الفنية والروحية والخلود في نفوس يهود اليمن. فقد كتب بالعبرية والآرامية والعربية المكتوبة بالحروف العبرية، وتناولت قصائده الحب والحنين والخلاص والقدس والهيكل والعلاقة الروحية بالله. واستلهم «نشيد الأنشاد»، حيث يتحول الحب الإنساني إلى صورة للشوق الديني والاتحاد الروحي.
ويشرح شتيرن أن أغاني الأعراس اليمنية اليهودية تتوزع على خمس مراحل، تبدأ بأغاني حنين العروس عند مغادرة بيتها، ثم أناشيد الزفة، وأغاني الفرح باكتمال الزواج، وفواصل التهليل والبركة، وصولًا إلى أغاني الحب المطولة للعريس. وهكذا لا تبقى القصيدة نصًا مستقلًا، كونها تدخل في تنظيم المناسبة وترافق تحولاتها العاطفية والاحتفالية وقصائده جزء من حياة هذه الجماعة.
ومن الناحية الفنية، يوضح الباحث أن بعض هذه الأغاني اعتمد على بناء معقد من الرباعيات والمقاطع الثلاثية والأبيات الختامية، مع استخدام حروف اسم الشاعر في بدايات الأسطر. ويحتاج الأداء لمثل هذه إلى أربعة منشدين على الأقل؛ يبدأ أحدهم بالغناء، وينضم إليه آخر، ثم يتولى اثنان غيرهما مقطعًا جديدًا، ثم تجتمع الأصوات في النهاية. وهذا يجعل الغناء فعلًا جماعيًا، مع احتفاظ المنشد الرئيسي بدور خاص.
ومن أجمل ما في الدراسة شهادة شتيرن الشخصية. فقد عاش وشارك في حياة أسر يهودية يمنية في حيي البقعة وقطمون بالقدس قبل نحو خمسين عامًا، وشاهد حضور الديوان في الأعياد والسبت والأعراس والختان والمناسبات العائلية. كانت قصائد الشبزي تُغنى بحماس حول الموائد، وكأن الشاعر لم يغب عن جماعته.
وهنا تكمن القيمة الجميلة لهذه القراءة. كون شتيرن اهتم بما بقي حيًا من الشبزي أكثر مما اهتم بتقديم سيرة تاريخية مكتملة. صحيح أن هذا الاختيار يترك أسئلة عن دقة الروايات وتاريخ بعض الأحداث، لكنه يساعدنا على فهم ظاهرة ثقافية نادرة؛ شاعر يمني يهودي تحولت قصائده إلى جزء من الحياة اليومية، وصارت أساطيره وسيلة لاستمرار حضوره عبر الأجيال.
لم يبقَ الشبزي في المخطوطات وحدها، فهو ظل حاضرًا في أصوات المنشدين وأغاني النساء والرجال ومناسبات الفرح والعبادة. ومن هذه الزاوية، تقدم دراسة ماكس شتيرن صورة لشاعر تجاوز زمنه، لأن الجماعة لم تكتفِ بحفظ شعره، فها هي تواصل الغناء به، وتبقي شخصيته حية وخالدة في ذاكرتها.
المرجع: ماكس شتيرن، «الحاخام شالم شبازي: أعظم شاعر في اليمن»، مجلة الدراسات الأدبية والفنية، المجلد 14، العدد 11، نوفمبر 2024.
Rabbi Shalem Shabazi—Greatest Poet of Yemen
Max Stern

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:٣٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الهوية والانتماء..

في رواية (الرمادية ) للكاتب المختار الورغمي
قراءات

التهميش والبحث عن الانتماء في رواية (الرمادية ) للكاتب المختار الورغمي

الهوية والانتماء من خلال رواية الرمادية نموذجا للكاتب المختار الورغمي عندما يصبح المكان بوابة عبور وخرزة من خرزات الأحداث التي بنيت عليها الرواية، ويصير الواقع أكثر واقعية من الخيال وجزءا لا يتجزأ من ثراء المادة التي يعتمد عليها الراوي في حفز عوالم الكتابة الروائية ويصبح فيه التخييل القصصي والروائي…

· 11 د
العراق بين الجهاد والتمذهب السياسي

قراءة نقدية في كتاب الدكتور نضير الخزرجي (المرجعية الدينية في نصف قرن)
قراءات

العراق بين الجهاد والتمذهب السياسي قراءة نقدية في كتاب الدكتور نضير الخزرجي (المرجعية الدينية في نصف قرن)

ما قبل النقد: التاريخ بين التوثيق والتأويل يقدّم الدكتور نضير الخزرجي في كتابه "المرجعية الدينية في نصف قرن: عراق حر بلا تمذهب سياسي"، الصادر عن دار لندن للطباعة والنشر عام 2026، محاولة لقراءة نشاط المرجعية الدينية ومواقفها في العراق خلال المدة الممتدة من عام 1920 إلى عام 1970. يقع الكتاب في 165…

· 4 د
أقنعة الحب والموت والثورة ‏
قراءات

أقنعة الحب والموت والثورة ‏

لعقود طويلة شغل الشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي الأوساط الثقافية العربية بقصائده الباهرة في مضامينها والخلاقة جمالياتها، وبمواقفه ‏الكبرى التي لم يساوم فيها إزاء قضايا وطنه وأمته فلم يصمت إزاء ما تعرض له الشعب العراقي ‏من محن وسجون وقمع للحريات وأتون حروب. ورغم مورده المادي المحدود عاش البياتي…

· 5 د