ما قبل النقد: التاريخ بين التوثيق والتأويل
يقدّم الدكتور نضير الخزرجي في كتابه "المرجعية الدينية في نصف قرن: عراق حر بلا تمذهب سياسي"، الصادر عن دار لندن للطباعة والنشر عام 2026، محاولة لقراءة نشاط المرجعية الدينية ومواقفها في العراق خلال المدة الممتدة من عام 1920 إلى عام 1970. يقع الكتاب في 165 صفحة من القطع الكبير، ويتألف من أحد عشر فصلاً، يستحوذ السيد محسن الحكيم على مساحة واسعة منها، بوصفه شخصية دينية عاصرت تحولات سياسية واجتماعية مفصلية في تاريخ العراق الحديث.
إن الكتاب بما يطرحه من مواقف ووقائع يفتح الباب أمام نقاش يتجاوز التوثيق إلى مساءلة العلاقة بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية، ومدى تأثير المواقف الدينية في توجيه المجتمع وصناعة التحولات التاريخية. ومن هنا تأتي أهمية قراءته نقدياً، لا بهدف التقليل من دور المرجعية، بل لفحص الرواية التاريخية والتمييز بين الوقائع وتفسيراتها.
الجهاد ضد الاحتلال البريطاني: أسئلة التاريخ
في الفصلين الأول والثاني، المعنونين "العراق والاحتلال البريطاني" و"المرجعية الدينية والرصد المبكر"، يتناول المؤلف موقف المرجعية من الحرب العالمية الأولى والاحتلال البريطاني. وينقل مناشدة السلطان العثماني لعلماء الدين الوقوف إلى جانب قواته، في بيان صدر بتاريخ 23 تشرين الثاني 1914، مشيراً إلى أن مراجع التقليد وعلماء الدين كانوا من أوائل المستجيبين للدعوة إلى الجهاد ضد الغزو البريطاني.
لا يمكن إنكار الدور الذي أدّته المرجعية الدينية في مقاومة الاحتلال البريطاني، لكن الإشكالية النقدية تبدأ حين ننتقل من تثمين هذا الموقف إلى مساءلة خلفياته وحدوده التاريخية. فهل كان الجهاد دفاعاً عن العراق ورفضاً للاحتلال الأجنبي، أم استجابة لنداء السلطنة العثمانية أيضاً؟ وكيف يمكن تفسير اختلاف الموقف من سلطتين أجنبيتين، إحداهما عثمانية مسلمة والأخرى بريطانية مسيحية؟
إن هذا السؤال لا ينتقص من قيمة مقاومة الاحتلال البريطاني، لكنه يستدعي بحثاً تاريخياً أعمق في موقف المرجعية من الحكم العثماني، والتمييز بين مقاومة الاحتلال بوصفها موقفاً وطنياً وبين الولاء السياسي أو الديني للسلطة القائمة. فالتشابه الديني بين الحاكم والمحكوم لا يكفي وحده لتفسير المواقف التاريخية، كما أن غياب موقف معلن لا يعني بالضرورة انعدام الاعتراض أو المقاومة.
مرجعية السيد محسن الحكيم: حدود التأثير السياسي
يبرر المؤلف تركيزه على مرجعية السيد محسن الحكيم بأسباب عدة؛ منها معاصرته العهد العثماني ونهاية الحكم الملكي وقيام العهد الجمهوري، واحتفاظ مرجعيته بمواقف بارزة خلال مراحل متعاقبة، فضلاً عن امتداد حضورها عبر الأبناء والأحفاد، وما يذكره المؤلف من تقديم أسرة الحكيم أعداداً كبيرة من الشهداء.
لكن هذه الأسباب تقود إلى سؤال جوهري: ما حجم تأثير المرجعية في الشارع العراقي خلال تلك المرحلة؟ فمن المعروف أن الحركات اليسارية والقومية، ولا سيما في بعض مراحل العهد الجمهوري، استقطبت قطاعات واسعة من الشباب والمثقفين والعمال، وهو ما يستدعي دراسة موازية لمدى حضور التيارات الإسلامية وقدرتها على التأثير في القرار السياسي والاجتماعي.
ولا يكفي رصد البيانات والمواقف الدينية أو تسجيل الاحتجاجات والاستنكارات للحكم على فاعليتها السياسية؛ إذ ينبغي قياس أثرها في الرأي العام وفي قرارات الحكومات وفي تشكيل الوعي الاجتماعي. وهنا تبرز الحاجة إلى تحليل تاريخي مقارن يوازن بين مكانة المرجعية الدينية وقوة التيارات السياسية المنافسة لها.
أما قضية الشهداء، فتستحق معالجة دقيقة تميّز بين من قضوا تحت التعذيب أو أُعدموا بسبب انتمائهم ومواقفهم، وبين من حملوا السلاح وواجهوا الأنظمة في صراع مباشر. فكلا المسارين قد ينطوي على التضحية والمقاومة، لكن اختلاف السياقات والوسائل يقتضي دراسة موضوعية بعيداً عن المفاضلة المطلقة بين أشكال التضحية.
خاتمة: إعادة كتابة التاريخ أم إعادة قراءته؟
يمثل كتاب نضير الخزرجي مادة مهمة للنقاش حول تاريخ المرجعية الدينية في العراق، لكنه يثير، في الوقت نفسه، أسئلة عن منهج كتابة التاريخ، ومعايير تقييم التأثير السياسي، والعلاقة بين الهوية الدينية والموقف الوطني. فقيمة الكتاب لا تتحدد بما يوثقه من مواقف وشخصيات فحسب بل أيضاً بقدرته على فتح ملفات تحتاج إلى المقارنة والتحليل وتعدد وجهات النظر.
إن إعادة قراءة التاريخ الحديث لا تعني استبدال رواية بأخرى، ولا إخضاع الوقائع لقناعات مسبقة بل اختبار الروايات بالأدلة والسياقات التاريخية. ومن هذا المنطلق، فإن نقد الكتاب ليس حكماً نهائياً عليه، وإنما بداية حوار ضروري حول دور المرجعية الدينية في بناء العراق الحديث، وحدود تأثيرها، وكيفية الفصل بين الجهاد الوطني والتوظيف السياسي للدين.







التعليقات