لعقود طويلة شغل الشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي الأوساط الثقافية العربية بقصائده الباهرة في مضامينها والخلاقة جمالياتها، وبمواقفه الكبرى التي لم يساوم فيها إزاء قضايا وطنه وأمته فلم يصمت إزاء ما تعرض له الشعب العراقي من محن وسجون وقمع للحريات وأتون حروب. ورغم مورده المادي المحدود عاش البياتي أميراً ومات ميتة الأمراء الأحرار وحيداً على كرسيه الدمشقي:
(يمُوتُ الشّاعرُ منفيّاً أو مُنتحراً أو مجنُوناً أو عبداً أو خدّاماً في هذي البُقع السّوداء)
وظل طوال مسيرته الشعرية التي امتدت لأكثر من خمسة عقود خصماً شرساً للحكام والدكتاتوريين لا يهادن ولا يستسلم ، وكانت بعض قصائده في عقدي الخمسينيات والستينيات تُعلق بلافتات على الجدران في محافظات العراق . كان الطغاة يخافون من تأثير قصائده في تحريض الشعب على الثورة. وحين أصدر البياتي وهو شاب مجموعته الشعرية الثانية (أباريق مهشمة) كانت ثورةً أخرى ، فنية ، فقد شكلتْ حدثاً شعرياً فريداً ومنعطفاً في التعبير الشعري أثار الكثير من الجدل بين الأوساط الأدبية العربية عامة والشعرية خاصة ، وحركت المياه الراكدة ، فقد غيَّرت هذه المجموعة إتجاه الشعر العربي ورسخت مشروع قصيدة الحداثة بعد الانتقالة الكبرى في الشعر العربي من العمودي إلى الحر ، فكتب الكثير من النقاد مشيدين بهذه المجموعة ولا سيما شيخهم الراحل الدكتور إحسان عباس الذي كتب دراسة مهمة عنها، معتبراً ، إن (أباريق مهشمة) هي النموذج الحقيقي للتحول في قصيدة التفعيلة . ولتأكيد ريادة البياتي لا بد لنا أن نعرج قليلاً على بعض الإلتقاطات الفنية المضيئة في مسيرته الشعرية الزاخرة . فقد أضاف لتاريخ شعرنا العربي إرثا شعرياً كبيراً يفتخر به ، وإذا كان بدر شاكر السياب وخليل حاوي امتازا بتوظيف الأسطورة في الشعر العربي الحديث ، فإن البياتي أبدع في توظيف (قصيدة القناع) فقد استخدمه في شعره بأكثر من أسلوب ، فمرة يتلبَّس من خلاله شخصية أخرى تطغى على صوت الشاعر داخل القصيدة منذ بدايتها وحتى نهايتها، وأحياناً يجعل من (القناع) استعارة اسمية فيستعير شخصية تاريخية أو أسطورية ليتحدث من خلالها عن ذاته، ويعبر عن مواضيع شتى ، وهو ما فعله في موضوعاته عن الحب والموت والثورة: فوظف صوت ابن عربي ووضاح اليمن وعائشة للتعبير عن موضوع الحب وتحولاته ، كما وظف عدداً من الشخصيات التاريخية ليتحدث من خلالها أو يدين الوضع الراهن أو يجعل من أصواتها البعيدة أصوات أدعاء حية وصادحة في الحاضر لمحاكمة طغاة العصر. وهكذا استخدم شخصيات السهروردي ولوركا والحلاج:
(بُحتُ بكلمتين للسّلطانْ
قُلت لهُ: جبانْ
قُلتُ لكلب الصّيد كلمتين
ونمتُ ليلتينْ
حلمتُ فيهما بأنّي لم أعُد لفظينْ
توحّدتُ
تعانقتُ
وباركتُ -أنت أنا)
القناع في الشعر العربي له أساليب عدة في مقاربة الأحداث والتحولات السياسية أو الدينية أو الاجتماعية أو الفنية أو القومية وللبياتي فضلٌ كبيرٌ على الشعرية العربية بتوظيفه أنواع متعددة من هذه الأقنعة في القصيدة العربية الحديثة وكم من القصائد كتبت داخل العراق في فترات الثمانينيات والتسعينيات استفادت من هذه التقنية الفنية لتبتعد عن المساءلة من قبل السلطة وفي الوقت نفسه تدين قمعها ، كذلك للبياتي الفضل الكبير على الكثير من الشعراء العرب والعراقيين الذين تأثروا بتجربته الشعرية الفريدة والمهمة وكتبوا دواوين لا تخلو من حضور نبرات صوته ، لقد كان صوت الشعر وصوت المظلومين والفقراء في الأرض.
يقول البياتي في واحدة من حواراته:
(من يتأمل المذابح والحروب والأنظمة والديكتاتوريات في العالم الآن والهجرات الجماعية التي تجري في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وضياع الإنسان، كل هذه تشي بعالم جديد يسوده الخراب والهيمنة الكبرى من الدول الاستعمارية خاصة، والهيمنة الأحادية من أمريكا، العالم مقبل على كوارث كبيرة جداً ذلك لأن القوى المهيمنة قوى غير عاقلة ، يهمها الاستحواذ والسرقة، سرقة ثروات البشر وحياتهم ) . وكأنه يتحدث عن لحظتنا العربية الراهنة ، وما يحدث في وطننا العربي وبخاصة داخل مدينة (غزة) جرحنا العميق .
وفي شباط من عام 1991 حين وصل البياتي الى واشنطن لدفن جثمان ابنته نادية وكان القصف الوحشي الهمجي متواصلاً على بغداد أجرت معه إذاعة واشنطن لقاء قال فيه وبشجاعة منقطعة النظير:
( إن المغول دمروا بغداد في العصور الوسطى ولكنهم كانوا أقلّ وحشية من هذا القصف الجائر الذي تقوم به دولة حضارية كالولايات المتحدة ).
لقد خلف البياتي بمواقفه الثابتة من قضايا شعبه وشعوب العالم الأخرى الكثير من الاعداء الأمر الذي أدى الى نفيه بهدف اسكاته إلا انهم فشلوا في ذلك حتى أنهم في مرحل ما اسقطوا الجنسية العراقية عنه وعن الجواهري بعد أن قادا حملة لنصرة الشعب العراقي على أثر الانقلاب الدموي في العراق في شباط عام 1963.
أن نفي الشاعر الحقيقي سمة متأصلة بتاريخ أغلب العصور الماضية والحديثة . وهكذا اختار البياتي المنفى، مفضلاً مكابداته على الخضوع للطغاة والجبابرة المتسلطين على رقاب الشعوب، فعاش البياتي حراً كريماً ابداً، رغم الثمن الباهظ الذي دفعه.
الشعر قرين الحرية ، لهذا لا يفهمه الطغاة لأن بينهم وبين ( الحرية ) مسافات شاسعة.
كان جلجامش ملك أور طاغية أراد أن يصبح إلهاً وينال الخلود كالآلهة ، فاعترضته في طريق رحلته بحثاً عن الخلود صاحبة الحانة ونصحته بترك هذا الطريق الذي يفضي إلى الطغيان، وأن يعود لحقيقته البشرية الفانية، ويستمتع بالحرية مع البشر في مملكته، لكنه عاد إلى مملكته دون أن يأخذ بنصيحتها، لقد عاد طاغية أو نصف إله. لكنه ظل محكوماً بالفناء.
إن الحكام الطغاة يكرهون الحرية ويكرهون الشعر وكان البياتي شاعراً حاربه الطغاة ونفوه لكنه، قهرهم وقهر منفاه ، فكان دائماً المنتصر لأنه ظل متسلحاً بالشعر والحرية ..







التعليقات