انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين يصنع الموروث سُلَّماً للبشر: سعيد المصري وتشريح السلطة الخفية في "تراث الاستعلاء"

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

باحث وأكاديمي

11 دقائق للقراءة
62 مشاهدة
حين يصنع الموروث سُلَّماً للبشر: سعيد المصري وتشريح السلطة الخفية في "تراث الاستعلاء"
مشاركة:

ليست أخطر أشكال الاستعلاء تلك التي تعلن عن نفسها صراحة في خطاب سياسي أو قانون تمييزي أو مؤسسة تمارس الإقصاء، بل تلك التي تستقر في الذاكرة الجمعية حتى تفقد مظهرها الاستثنائي، وتتحول إلى شيء مألوف يجري تداوله في المثل والنكتة والحكاية والحكم الشعبي والصورة النمطية وطريقة النظر إلى المرأة والفقير والشاب والغريب والمختلف في الدين أو اللون أو الجسد. عند هذه المنطقة الدقيقة يضع الأستاذ الدكتور سعيد المصري قارئ كتابه "تراث الاستعلاء: بين الفولكلور والمجال الديني" أمام سؤال يتجاوز حدود الفولكلور بمعناه التقليدي: ماذا يحدث حين تتحول الثقافة التي يفترض أنها تمنح الجماعة ذاكرتها ومعناها إلى مستودع لتصنيف البشر وترتيبهم؟ هنا تكمن القيمة الفكرية للكتاب الذي صدر عن منشورات بتانة، ونال جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع التنمية وبناء الدولة سنة 2021؛ فالمؤلف لا يذهب إلى التراث باحثاً عن طرافة الماضي، ولا يتعامل معه باعتباره متحفاً للهوية، وإنما يدخله من بوابة علاقات القوة المستترة داخله. ومن ثم يمكن قراءة الكتاب باعتباره محاولة في أنثروبولوجيا السلطة اليومية أكثر منه مجرد دراسة في الفولكلور؛ لأن الاستعلاء في تحليله ليس موقفاً نفسياً عابراً يصدر عن فرد متكبر، بل بناء ثقافي طويل الأمد يجعل المفاضلة بين البشر قابلة للتوارث، ويمنح التفاوت لغة يستطيع بها أن يبدو طبيعياً. وهذه النقلة هي التي تمنح مفهوم "تراث الاستعلاء" خصوبته: فالتراث لا يمارس السلطة لأنه قديم، وإنما لأن بعض عناصره تستمر في الحاضر من دون أن نشعر بأنها تمارس سلطة علينا. والمصري، في هذا المعنى، لا يحاكم الماضي بأخلاق الحاضر، كما أنه لا يمنح الماضي حصانة لمجرد أنه تراث؛ إنه يحاول تحرير دراسة التراث من الثنائية الكسولة التي لا ترى فيه إلا مجداً ينبغي تقديسه أو عبئاً ينبغي التخلص منه. لذلك يصبح السؤال المركزي للكتاب سؤالاً عن الكيفية التي يواصل بها الماضي إنتاج التراتب داخل الحاضر، وعن قدرة المجتمع على أن يحب تراثه من دون أن يستسلم لكل ما ورثه منه. ومن هذه النقطة تحديداً يمكن فهم استحقاق الكتاب لجائزة تقع في حقل "التنمية وبناء الدولة": لأن بناء الدولة الحديثة لا يكتمل بالدستور والمؤسسات والقوانين ما دامت الثقافة اليومية تستطيع، في مستوى أعمق، إعادة توزيع القيمة الإنسانية بين المواطنين وفق الجنس والعمر والطبقة والنسب والمكان والدين واللون والجسد.

التراث ليس بريئاً: من ذاكرة الجماعة إلى هندسة المكانة

يبدأ التجديد الحقيقي في أطروحة سعيد المصري حين ينزع عن التراث حصانته الرمزية من دون أن ينزع عنه قيمته الثقافية؛ وهذه معادلة أصعب كثيراً من الموقفين الشائعين في التعامل مع الموروث: التقديس الشامل أو الإدانة الشاملة. فالثقافة الشعبية ليست كتلة أخلاقية متجانسة يمكن وصفها بالخيرة أو الشريرة، وإنما حقل واسع تتجاور داخله خبرات التضامن والحكمة والمقاومة مع صور التمييز والتحقير والتصنيف، ولهذا يركز المصري على عناصر بعينها يرى أنها تنتج المفاضلة بين البشر أو تمنحها شرعية ثقافية. وهو يوسع مجال الرؤية بحيث لا يعود التمييز حدثاً قانونياً فقط، وإنما يصبح قابلاً للرصد في اللغة والعادات والأمثال والحكايات والنكات والسير الشعبية والصور النمطية وممارسات الحياة اليومية. وبذلك ينقل مفهوم الاستعلاء من فضاء الأخلاق الفردية إلى فضاء الاجتماع؛ فالمشكلة ليست أن شخصاً يرى نفسه أفضل من آخر، بل أن جماعة كاملة قد تمتلك ذخيرة رمزية تجعل هذه الأفضلية قابلة للتبرير والتكرار. هنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته "هندسة المكانة" في الكتاب: الثقافة لا تصف الناس فحسب، وإنما تسهم في توزيع مواقعهم الرمزية؛ تقول، بصورة مباشرة أو ضمنية، من يحق له أن يتكلم، ومن ينبغي أن يطيع، ومن يمثل الحكمة، ومن يوصف بالطيش، ومن يحظى بالاحترام بسبب النسب أو المكانة، ومن يُختزل في لون أو مهنة أو إعاقة أو انتماء جغرافي. ولهذا تبدو الموضوعات التي يعالجها الكتاب، من التمييز ضد المرأة إلى النظرة الدونية للشباب، ومن الطبقية إلى العنصرية بحسب اللون والنسب والجغرافيا، ومن التعصب الديني إلى الصور المرتبطة بالإعاقة، حلقات في منظومة واحدة وليست ملفات منفصلة. إنها جميعاً تنتمي إلى منطق ثقافي يحوّل "الاختلاف" إلى "مرتبة"، وهذه واحدة من أهم الأفكار التي يمكن استخلاصها من الكتاب: فالناس مختلفون بالضرورة، لكن الاستعلاء يبدأ عندما يعاد تفسير الاختلاف بوصفه دليلاً على تفوق طرف ونقص طرف آخر. عندئذ لا تعود النكتة مجرد نكتة، ولا المثل مجرد قول مأثور، ولا الصورة النمطية مجرد اختصار ذهني؛ تصبح كلها وحدات صغيرة في جهاز ثقافي ضخم لإعادة إنتاج المكانة. وتزداد أهمية هذه المقاربة لأن المؤلف يجمع بين التحليل النظري والبحث الميداني وتحليل المضمون، فلا يظل مفهوم الاستعلاء معلقاً في فضاء التجريد، بل يبحث عن تجسداته في المادة الثقافية والاجتماعية. وهنا أيضاً يتجاوز الكتاب دراسة "الموروث" إلى دراسة "فعل التوريث" ذاته: فما ينتقل بين الأجيال ليس الأغاني والحكايات والأمثال وحدها، وإنما قد تنتقل معها طرائق النظر إلى البشر. وهكذا يغدو التراث ذا وجهين؛ فهو مستودع للذاكرة، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يكون مستودعاً للتراتبية، وما يفعله سعيد المصري هو فتح هذا المستودع الثاني الذي كثيراً ما يظل محجوباً خلف الاحتفاء بالهوية والأصالة.

حين يصنع الموروث سُلَّماً للبشر:

سعيد المصري وتشريح السلطة الخفية في "تراث الاستعلاء"

السلطة التي لا تحتاج إلى شرطي: كيف يتحول التمييز إلى عادة؟

من أكثر النتائج التي يفتح إليها الكتاب، حتى عندما لا يصوغها بهذه العبارة، أن الثقافة تستطيع ممارسة سلطة أكثر استدامة من سلطة الإكراه، لأنها تجعل المحكوم بالتصنيف يشارك أحياناً في إعادة إنتاج التصنيف نفسه. فالسلطة السياسية تحتاج إلى مؤسسات وأجهزة وقواعد مكتوبة، أما الاستعلاء الثقافي فيستطيع العمل بواسطة جملة عابرة، أو نكتة، أو نصيحة عائلية، أو تصور متوارث عن "المكان المناسب" لكل إنسان. ومن هنا يمكن قراءة أمثلة الكتاب بوصفها شواهد على انتقال التفاوت من المؤسسة إلى الوجدان الاجتماعي. والمثال الذي يتكرر في القراءات حول حديث وزير العدل المصري الأسبق عن عدم ملاءمة ابن عامل النظافة للعمل في القضاء ليس مهماً بسبب قائله وحده، وإنما بسبب البنية الثقافية التي يكشفها: المهنة تتحول إلى أصل اجتماعي، والأصل إلى تقدير للقيمة، والقيمة إلى افتراض مسبق للأهلية. وبذلك يستطيع التمييز أن يظهر في ثياب "الطبيعي" أو "المناسب" أو "المألوف"، وهي اللحظة التي يبلغ فيها الاستعلاء أقصى درجات فعاليته؛ لأنه لم يعد يحتاج إلى أن يقول إنه يمارس التمييز. ومن هنا يكتسب مفهوم العدالة الثقافية في الكتاب أهمية تتجاوز النقاش الفولكلوري، إذ لا تكفي المساواة القانونية إذا بقيت الذاكرة الاجتماعية توزع الاحترام بصورة غير متساوية. قد يمنح القانون المواطنين الحقوق نفسها، لكن الثقافة تستطيع أن تمنح بعضهم اعترافاً أكبر، وأن تجعل آخرين مضطرين باستمرار إلى إثبات استحقاقهم لما يحصل عليه غيرهم بوصفه أمراً بديهياً. وفي هذا الموضع يصبح الانتقال الذي يقوم به المصري نحو التعليم شديد الدلالة؛ لأن المدرسة ليست مؤسسة لنقل المعرفة فقط، وإنما إحدى أهم ساحات التفاوض بين الموروث والمستقبل. فإذا أعاد التعليم إنتاج الصور النمطية ذاتها، فإنه يمنح الاستعلاء شهادة حداثة بدلاً من تفكيكه، وإذا تعامل مع التراث بالقطيعة المطلقة فإنه يفقد القدرة على مخاطبة الذاكرة التي يتشكل منها المتعلم. لذلك تأتي قضية إدماج التراث في التعليم وبناء قيم المواطنة من خلال قراءة نقدية له بوصفها امتداداً منطقياً لأطروحة الكتاب، لا موضوعاً جانبياً. فالعدالة الثقافية تبدأ حين يتعلم الفرد أن الانتماء إلى التراث لا يلزمه بالدفاع عن كل ما يحتويه، وأن نقد الموروث ليس خيانة للهوية، مثلما أن محبة الهوية لا تعني منح الماضي سلطة أخلاقية مطلقة على الحاضر. هنا تحديداً ينتقل الكتاب من التشخيص إلى إمكان الإصلاح: ليس المطلوب محو الذاكرة، بل إعادة ترتيب علاقتنا بها، بحيث يصبح التراث موضوعاً للفهم والاختيار لا مصدراً للإلزام غير المرئي. وهذه رؤية تجعل التربية الثقافية جزءاً من بناء المواطنة، لأن المواطن المتساوي قانونياً يحتاج كذلك إلى ثقافة تعترف بمساواته الرمزية، وإلا بقيت الدولة الحديثة قائمة فوق مجتمع يحتفظ في طبقاته العميقة بسلالم قديمة لتصنيف البشر.

حين يلتقي الشعبي بالمقدس: الاستعلاء يعبر الحدود

أما أكثر مناطق الكتاب جرأة وخصوبة فتبدأ حين يعبر سعيد المصري المسافة التي اعتادت دراسات كثيرة أن تضعها بين التراث الشعبي والمجال الديني. فالتقليد البحثي يستطيع بسهولة أن يجعل الفولكلور موضوعاً للأنثروبولوجيا والدين موضوعاً مستقلاً لعلم الاجتماع الديني أو الدراسات الدينية، لكن المصري يبحث عن الآليات المشتركة التي تستطيع العبور بين الحقلين. وليس المقصود، وهو تمييز منهجي ضروري، وصف الدين أو التراث الديني في ذاته بالاستعلاء، بل تحليل أنماط من الخطاب والممارسة والتخيل الاجتماعي يمكن أن تحول امتلاك الحقيقة إلى ترتيب للبشر وفق درجات القرب منها أو البعد عنها. ومن هنا يأتي اهتمامه بفكرة "المجتمع الإسلامي المتخيل" بوصفها صورة ذهنية لمجتمع كامل يُستدعى من الماضي أو يعاد بناؤه في المخيلة ليصبح معياراً للحكم على الحاضر. وتكمن قوة التحليل هنا في أن الاستعلاء لم يعد قائماً على النسب أو الطبقة أو اللون فقط، بل يمكن أن ينتج من تصور جماعة لنفسها باعتبارها صاحبة النموذج الأصفى للحياة، ومن ثم يصبح المختلف ناقصاً لا بسبب خصائصه الاجتماعية وحدها، وإنما بسبب موقعه من الحقيقة كما تتخيلها الجماعة. ولذلك ينتقل الكتاب إلى مسارات الإسلام السياسي، ثم إلى المجتمع البدوي وعملية التحول في المرجعيات الدينية والاجتماعية، وبعدها إلى المؤسسات والفاعلين المتنافسين داخل المجال الديني المصري، قبل أن يصل إلى إشكالية تجديد الفكر والخطاب الديني. هذه الحركة بين الشعبي والديني تمنح الكتاب وحدته العميقة: فما يبدو سبعة موضوعات مختلفة يمكن قراءته باعتباره تعقباً لرحلة فكرة واحدة وهي "حق الجماعة في تعريف الآخر". ففي الموروث الشعبي قد يتحدد الآخر بحسب جنسه أو عمره أو طبقته أو منطقته، وفي بعض أنماط التخيل الديني قد يتحدد بحسب قربه أو بعده عن نموذج معياري، وفي الحالين تعمل الثقافة على تحويل التصنيف إلى معنى. ولهذا كان الربط بين التراث الشعبي والتراث الديني واحداً من الجوانب التي لفتت القراءات النقدية للكتاب؛ إذ إن المسافة بين المجالين، على اتساعها، لا تمنع إمكان اشتراكهما في آليات إنتاج التراتب. غير أن هذه الجرأة تفتح كذلك مجالاً لمناقشة الكتاب: فكلما اتسع مفهوم الاستعلاء ازداد خطر تحوله إلى مظلة تفسيرية واسعة يمكن أن تندرج تحتها ظواهر متباينة في أسبابها ووظائفها. وهنا كان يمكن لتكثيف المقارنة بين شروط إنتاج كل نوع من أنواع الاستعلاء أن يمنح النموذج التفسيري مزيداً من الدقة؛ فالتمييز الطبقي ليس مطابقاً للتمييز الديني، والاستعلاء الجندري لا ينتج تاريخياً بالآليات نفسها التي تنتج بها مركزية العمر أو المكان أو النسب. ومع ذلك تبقى ميزة الكتاب في أنه وضع هذه الظواهر المتفرقة على خريطة تحليلية واحدة، وأجبر القارئ على رؤية القرابة البنيوية بينها من دون الادعاء بأنها ظاهرة واحدة متطابقة.

من نقد التراث إلى بناء الدولة: لماذا استحق الكتاب جائزته؟

ربما يكون أعمق مدخل لقراءة "تراث الاستعلاء" هو البدء من النهاية لا من البداية: لماذا يفوز كتاب عن الفولكلور والمجال الديني بجائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع "التنمية وبناء الدولة"؟ يبدو الجواب للوهلة الأولى غير مباشر، لكنه يكشف في الحقيقة جوهر المشروع كله. فالدولة لا تُبنى بالقوانين والهياكل الإدارية والسياسات الاقتصادية وحدها؛ إنها تحتاج إلى مجتمع يستطيع الاعتراف بأفراده بوصفهم متساوين في القيمة قبل أن يكونوا متساوين أمام النص القانوني. وإذا ظلت الثقافة تحمل تصنيفات تجعل المرأة أدنى، أو الشاب أقل حكمة بالضرورة، أو صاحب مهنة معينة أقل احتراماً، أو ابن منطقة بعينها موضوعاً للسخرية، أو المختلف دينياً موضع ريبة، أو الإنسان ذا الإعاقة موضوعاً للشفقة أو الانتقاص، فإن المواطنة تبقى ناقصة مهما بلغت دقة الدساتير. بهذا المعنى يقدم سعيد المصري كتاباً عن "البنية التحتية الثقافية للمواطنة". وتلك، في تقديري، هي الزاوية التي تمنحه أهمية تتجاوز الحدود المصرية التي استمد منها قسماً كبيراً من مادته الميدانية؛ لأن كل مجتمع عربي يمتلك، بدرجات وصور مختلفة، أرشيفه الخاص من التصنيفات والأمثال والصور النمطية والتفاوتات الرمزية. ولذلك لا تكمن قابلية تعميم الكتاب في نقل نتائجه المصرية حرفياً إلى المجتمعات العربية، بل في نقل سؤاله ومنهجه: ما الذي تقوله الثقافة اليومية في كل مجتمع عن قيمة الإنسان المختلف؟ ومن الذي يملك تعريف "الطبيعي" و"المحترم" و"الأصيل" و"الصحيح"؟ ومن يبقى خارج هذه التعريفات؟ هنا يتحول الكتاب إلى دعوة لإنشاء خرائط عربية للاستعلاء الثقافي، يمكن من خلالها دراسة علاقة الموروث بالمواطنة والتعليم والدين والطبقة والجندر والمكان. أما على المستوى النقدي، فليس من الضروري التسليم بكل انتقال تحليلي يقوم به المؤلف؛ فقد لاحظت بعض القراءات أن بعض القضايا تحتاج إلى سياق أوسع من علم الاجتماع السياسي، ورأت أخرى أن بعض الفصول تعمق مسارات بحثية سابقة أكثر مما تؤسس موضوعاً جديداً بالكامل. لكن قيمة الكتب المهمة لا تقاس دائماً بعدد الموضوعات التي تكتشفها لأول مرة؛ فقد تكون الجدة في إعادة تركيب ما كان منفصلاً، وفي ابتكار العدسة التي تجعل القارئ يرى علاقات لم يكن ينتبه إليها. وهذا تحديداً ما يفعله مفهوم "تراث الاستعلاء": يجمع تحت سؤال واحد مواد كانت موزعة بين الفولكلور والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والتعليم والدين ودراسات التمييز.

ومن ثم فإن الإنجاز الأبرز لسعيد المصري لا يتمثل في إدانة التراث، وإنما في نزع البراءة عن عملية التوارث نفسها. فليس كل ما يصل إلينا من الماضي جديراً بأن ينتقل منا إلى المستقبل، وليس احترام الذاكرة مرادفاً لتعطيل النقد. إن المجتمعات الحية لا تختار بين الذاكرة والنسيان، بل تتعلم كيف تمارس حقها في الانتقاء الأخلاقي داخل ذاكرتها: تحفظ ما يعزز التضامن والكرامة، وتعيد تفسير ما يمكن إصلاحه، وتتجاوز ما يحول الاختلاف البشري إلى مراتب للقيمة. ومن هنا يمكن القول إن "تراث الاستعلاء" ليس كتاباً عن الماضي بالمعنى الدقيق، بل كتاب عن المستقبل الذي قد يصنعه الماضي إذا تركناه يعمل فينا من دون مساءلة. وهذه هي المفارقة التي تمنحه راهنيته: فالاستعلاء لا يبقى لأنه قوي دائماً، وإنما لأنه مألوف؛ ولا ينتصر لأنه مقنع بالضرورة، وإنما لأنه يختبئ داخل الأشياء التي اعتدناها حتى لم نعد نراها. لقد نقل سعيد المصري التراث من سؤال الهوية إلى سؤال العدالة، ومن سؤال "ماذا ورثنا؟" إلى سؤال "ماذا نفعل بما ورثنا؟"، وبين السؤالين تتحدد قدرة المجتمع على أن يكون وريثاً لماضيه من دون أن يصبح أسيراً له. ولعل هذه النقلة هي أجمل ما يبقى بعد إغلاق الكتاب: أن صيانة التراث لا تعني حفظه كله، وأن نقده لا يعني هدمه، وأن الوفاء الحقيقي للذاكرة قد يبدأ، أحياناً، من الشجاعة في منع بعض ما فيها من أن يتحول إلى قدر اجتماعي للأجيال القادمة.

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ١٣ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٧:٣٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تصبح الثقافة مختبرًا للتحولات..

 قراءة في العدد الثاني من "آفاق"
قراءات

حين تصبح الثقافة مختبرًا للتحولات..  قراءة في العدد الثاني من "آفاق"

يأتي العدد الثاني، يونيو/حزيران 2026، من "آفاق: المجلة العربية للدراسات الثقافية" محمّلًا بطموح يتجاوز فكرة إصدار دورية أكاديمية جديدة إلى محاولة بناء مساحة عربية تتقاطع فيها المعرفة الاجتماعية مع الأدب والتاريخ والفلسفة والنقد الثقافي. والمجلة دورية علمية محكّمة تصدر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ…

· 10 د
«مَسَلَّة الأحزان السومرية» للقاص علي السباعي: سيميائيات "القناع الأيقوني" ومفارقة تدنيس المقدس الجمالي
قراءات

«مَسَلَّة الأحزان السومرية» للقاص علي السباعي: سيميائيات "القناع الأيقوني" ومفارقة تدنيس المقدس الجمالي

«مَسَلَّة الأحزان السومرية» للقاص علي السباعي: سيميائيات "القناع الأيقوني" ومفارقة تدنيس المقدس الجمالي د.مراد ترغيني تتخلّق عوالم القاص العراقي علي السباعي في نقطة برزخية ملتهبة تلتقي عندها أقدم مراثي الأرض بأحدث فجائع التاريخ المعاصر؛ فالرجل يكتب من رئة "الناصرية" (أور القديمة)، تلك الجغرافيا…

· 15 د
(المتشابهون)..

 رواية الإنسان حين يرى نفسه في الآخرين
قراءات

(المتشابهون)..  رواية الإنسان حين يرى نفسه في الآخرين

حين بدأتُ الاشتغال على ترجمة رواية «المتشابهون» لأحمد طايل، كنت قد نسخت الرواية كاملة وقرأتها أكثر من مرة، قبل أن أدخل في تفاصيل الترجمة. ثم، مع الشروع في العمل، أخذ كل فصل يفرض عليّ قراءة جديدة، كنت أترجم الفصل، ثم أعود إليه كاملا في المراجعة، وأتوقف عند جمله وحواراته وتفاصيله وإيقاعه، وأعيد النظر…

· 10 د