تتخلّق عوالم القاص العراقي علي السباعي في نقطة برزخية ملتهبة تلتقي عندها أقدم مراثي الأرض بأحدث فجائع التاريخ المعاصر؛ فالرجل يكتب من رئة "الناصرية" (أور القديمة)، تلك الجغرافيا الطينية الأولى التي علّمت البشرية فجر التدوين وعرفت أولى الصرخات الملحمية ضد الفناء. غير أن هذا العمق الحضاري الأسطوري لا يحضر في مجموعته «مَسَلَّة الأحزان السومرية» كنوستالجيا رومانسية معزولة عن سياقها، بل يرتطم ارتطاما- داميا- بالخراب العراقي المستدام على مدى أربعة عقود؛ حيث طاحونة الحرب العراقية الإيرانية، وخنق الحصار الاقتصادي الطويل، وتداعيات الغزو الأمريكي وما تلاه من انفجار للهويات الفرعية، ومفخخات الإرهاب العشوائي، وظهور الفاشيات الجديدة.
وفي مواجهة هذا الركام الهائل، يرفض السباعي الانزلاق إلى "الفخ التسجيلي" أو التوثيق الصحفي البارد للموت؛ إذ يدرك أن فداحة الكارثة اليومية لا تُروى بتكديس الوقائع، بل بمساءلتها جماليا- وفلسفيا-. من هنا، تتجاوز قصصه وظيفة "الشهادة التاريخية الرخوة" لتتحول إلى معمار فني محتدم، تتصادم فيه رهافة المنجز الإبداعي الإنساني والكوني (تشكيليا-، وموسيقيا-، وسينمائيا-، وأسطوريا-) مع ابتذال العنف الذي يسحل الجسد الآدمي في الأزقة والأسواق الشعبية؛ مشكّلا- فضاء- سرديا- استثنائيا- تُمتحن فيه قدرة الفن على النجاة في بيئة لم تعد تمنح أبناءها سوى حق الموت المجاني.
تعتمد هذه القراءة النقدية "سيميائيات القناع الأيقوني" كمنظور منهجي لتفكيك نصوص المجموعة؛ مستندة- إلى أدوات "سيميائيات الثقافة" (Cultural Semiotics) عند يوري لوتمان، وتحليل الأنساق العلاماتية وفق أومبرتو إيكو، ومفهوم "المفارقة التفكيكية" لدى بول دي مان. ويقوم هذا الجهاز المفاهيمي على تفكيك دلالات "الأيقونة الفنية" بوصفها علامة متعالية تكتنز قيما- خلاصية عليا، وفحص كيفية استعارة شخوص القاع العراقي لهذه الأيقونات كأقنعة تحميهم من سطوة الإبادة، وصولا- إلى رصد لحظة الاصطدام المأساوي التي ينكسر فيها القناع معلنا- "تدنيس" الواقع لكل ما هو سامٍ وجميل.
في بنية المفارقة الصادمة: التوتر بين كمال الأيقونة وعنف الواقع
تتأسس المفارقة السردية في متن «مَسَلَّة الأحزان السومرية» على هندسةٍ علاماتية بالغة التعقيد، تتجاوز المعنى البلاغي الكلاسيكي للمفارقة بوصفها مجرد تضاد لفظي، لتستحيل إلى ما يسميه بول دي مان "المفارقة التفكيكية الدائمة"؛ وهي حال من الدوار الأنطولوجي الذي يُسقط وهم التصالح الجمالي مع العالم، ويُعري الفجوة القاتلة بين ما تعد به العلامة الفنية من خلود وحرية، وما يفرضه الواقع العيني من سحقٍ وإبادة.
في ضوء سيميائيات الثقافة لدى يوري لوتمان، ينهض "الفن الخالد" بوصفه نصا- متعاليا- يحتل مركز "السميوسفير" (الفضاء العلاماتي الحامي للثقافة الإنسانية)؛ فالأيقونات الكونية ليست مجرد أسماء لأشخاص أو منجزات عابرة، بل هي مستودعات للذاكرة الجمعية وشفرات للكمال الإنساني المتسامي. في المقابل، يُمثل فضاء القاع العراقي في قصص السباعي منطقة اختراق عنيف؛ حيث تتفجر الكارثة وتتدفق الفوضى كقوى عشوائية تلتهم الحدود المنظمة للثقافة. من هنا، يكتسب استدعاء "القناع الأيقوني" لدى الكاتب وظيفة تعويضية مضاعفة؛ إذ تلجأ الذات المهزومة والمحاصرة بفظاعة الرعب اليومي إلى ارتداء هذا القناع بوصفه "طرفا- اصطناعيا- رمزيا-" (Semiotic Prosthetic)، يُراد منه صيانة الهوية الشخصية من الاندثار واسترداد الكرامة المهدورة تحت وطأة الحرب، والفقر، والحصار.
غير أن هذا الاحتماء بالقناع لا يقود إلى خلاصٍ يوتوبي، بل يؤسس لـ "مفارقة الصدمة"؛ إذ يضع السرد كمال "الصورة الأيقونية" – بما تحمله من خفة شابلينية، أو هارموني بيتهوفني، أو رومانسية عندليبية، أو مجد ملحمي كلكامشي – في مواجهةٍ حادة ومباشرة مع "الجسد المستباح" في الواقع الراهن. وبحسب أومبرتو إيكو، فإن اصطدام السنن الفني الرفيع بسنن الواقع المشوه يُفجر طاقة التدليل ويزعزع استقرار القراءة؛ فالجسد الذي يستعير مشية شابلن لا يجد أمامه خشبة مسرح أو شاشة سينمائية ليعبر عنها بالضحك الهادئ، بل يجد سوقا- تشتعل بحمم المفخخات وتتناثر فيها الأمعاء، واليد التي تحاول أن تقود فرقة موسيقية وهمية على أنغام عبد الحليم هي يد مشلولة لعاجز ينام في صقيع الرصيف.
هنا تحديدا- تتبلور عملية "تدنيس المقدس الجمالي" بوصفها ذروة المفارقة؛ فالواقع الفاجع لا يكتفي برفض الملاذ الفني، بل يمارس فعلا- تدميريا- مدروسا- يسحب الأيقونة من عليائها الرمزية ويسحلها في الوحل اليومي. إن هذا التدنيس ليس نزوعا- عبثيا- مجانيا- لدى القاص، بل هو استراتيجية نقدية مضادة لفضح فداحة الانحطاط التاريخي؛ فالكاتب يُخضع الأيقونة للمقصلة لكي يقيس – عبر هول المسافة بين سمو الفن ووضاعة الموت – مدى الانهيار الأخلاقي والحضاري الذي انحدرت إليه بيئة باتت ترى في كيس الكتب قنبلة، وفي ابتسامة المنغولي البريء شفرة انتحارية، وفي سمفونيات بيتهوفن إعلانا- تجاريا- لبيع أسطوانات الغاز الصدئة.
وبذلك، تتحول القصة القصيرة عند علي السباعي من حيز الحكي الوصفي إلى مسرح محاكمة علاماتية؛ حيث يتجلى الفن بوصفه "الضحية الأسمى" للواقع الفاشي والإرهابي على حد سواء. إن تفكيك هذه الثنائية يكشف أن المقدس الجمالي لا يسقط لكي يُمحى، بل لكي يظل دمه السائل على الإسفلت إدانة أبدية للواقع الذي اغتاله؛ مما يجعل المفارقة الصادمة صرخة احتجاج جمالية ترفض التستر على الكارثة باللغة التوفيقية، وتضع القارئ وجها- لوجه أمام عري المأساة دون أدنى مساومة.
قناع الصعلوك الشابليني ومجازر الفضاء الشعبي في «شارلي شابلن يموت وحده»
تُدشن قصة «شارلي شابلن يموت وحده» هذا الصدام العلاماتي من خلال شخصية مصلح الأجهزة الدقيقة في مدينة "أور"، الذي يرتدي قناع "الصعلوك المتشرد" (شارلي شابلن) متخذا- من البسمة الساخرة درعا- يقيه قسوة الهجير وحرارة الصيف القائظ. يتجلى هذا الاختيار في مستهل القصة عبر إزاحة رمزية للسلطة السياسية القامعة: «لتشرق معها على وجهي الأسمر الجنوبي ابتسامة شارلي شابلن ، ابتدئ صباحي بابتسامة لأنهي غروبي بابتسامة... أمشي بينهم في الأسواق والأزقة بخطوات شارلي شابلن مرتديا- ألوان الفرح الفاتنة مرفوع الرأس... علقت على الحائط بدل صورة السيد الرئيس فوق رأسي حكمة قالها شارلي شابلن : لو كنت نبيا- لجعلت رسالتي السعادة لكل البشر ، ووعدت أتباعي بالحرية ، ومعجزتي أن أضع البسمة والضحكة فوق أفواه الصغار» (ص 7 – 8).
تشتغل هذه العتبة على استبدال سنن القوة العسكرية الممثلة بـ «صورة السيد الرئيس» بسنن التحرر والبهجة الإنسانية الممثلة بـ «حكمة شابلن»؛ حيث يغدو الدكان مساحة استثنائية لصناعة الفرح المضاد للخراب. وتتعزز هذه البنية بظهور الشاب البسيط «يحيى المنغولي» بجهازه المعطوب، حيث يتطابق نقاء الشخصية مع طهارة القناع الكوميدي. بيد أن هذا التوازن الهش يُنسف في لحظة خاطفة إثر ارتطام مفاجئ بآلة الإرهاب: «بعد خروجه بلحظات رج المكان انفجار عنيف ، سبقه سطوع ضوء لهب أزرق مبهر ، غليان أحمر ، موجة رعب ، صراخ ، وعويل ، خرجت من ورشتي بعد انتهاء الانفجار أركض مثل شارلي شابلن لكن دونما عصا في جو ملؤه الفوضى والصراخ والدم والقتلى والجرحى والأشلاء تملأ السوق ، صار المكان بشعا- ، ريح حمراء عصفت بالسوق» (ص 9).
تتبدى المفارقة السيميوطيقية بحدة في العبارة الواصفة لجسد السارد: «أركض مثل شارلي شابلن لكن دونما عصا». إن فقدان "العصا" هنا هو تجريد مباشر للأيقونة من علامتها الوظيفية الحامية، وهي أداة المراوغة التي تمنح الصعلوك توازنه في السينما الصامتة. بسقوط العصا، يسقط البعد الخيالي الكوميدي، ويغدو الجسد عاريا- وسط ركام الواقع. وتصل عملية التدنيس إلى ذروتها الفاجعة حين يختلط الفهم العلاماتي لدى حشود الناجين المذعورين: «تدافعت بين المحتشدين شاقا- لنفسي طريقا- وسطهم ، بصعوبة بالغة أبعدتهم ، أزحتهم ، تدافعت معهم حتى وصلت إلى الإرهابي ، رأيته ، انه : يحيى المنغولي ! قد فارق الحياة لكثرة ما تلقى من ضربات مميتة ، جسده مدمى ، يمسك بيده اليمنى جهاز التحكم عن بعد خاصته ، مات هادئ البال مطمئنا- ، تلقى موته ببسالة ورباطة جأش ، مبتسما- رغم أنف الموت وقد ارتسمت ابتسامة عذبة فوق شفتيه الشبيهتين بفم السمكة» (ص 9 – 10).
يقع الجرم هنا نتيجة "عَمَهٍ سيميائي" أصاب الوعي الجمعي؛ إذ يُترجم «جهاز التحكم عن بعد» – وهو أداة اتصال بصري بالعالم – بوصفه شفرة تفجير إرهابية. يُقتل الفتى البريء بيد الضحايا أنفسهم، وتتحول ابتسامته العذبة إلى جمود يشبه «فم السمكة» الميتة. إن القناع الشابليني هنا لا يفشل في إنقاذ حامله فحسب، بل يشهد على تحول الضحايا إلى جلادين تحت تأثير صدمة الخوف، ليغلق النص على دوي انفجار ثانٍ يؤكد انتصار الموت على البسمة المتسامية.

تقويض المركزية الملحمية وتدنيس المعرفة في «رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام»
تعتمد قصة «رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام» على تناص أسطوري مقلوب؛ إذ يُستحضر بطل ملحمة الخلود الرافدينية الأولى ويُجرد من مجده، ليتحول إلى كائن مذعور يختبر قاع العجز في بغداد الراهنة: «أنا الشاطر كلكامش أني لمن الخاسرين سأقص عليكم ما رأيت وما شعرت به تماما-... لقد كنت من الخائبين، كنت خائبا- في كل شيء، أنا خائب حتى في العاب البنات... أنفقت وقتي كله عصفورا- لا يزقزق... حاولت أن أحيط نفسي بالمجد مثل ايروسترات إذ دمر إحدى عجائب الدنيا السبع بإحراقه معبد دلفي في أثينا كي يخلد اسمه!» (ص 11).
ينسف السارد البنية البطولية للأيقونة الملحمية، مُسقطا- عليها صفة "الشاطر" بدلالتها الشعبية المحكومة بالخيبة والتردد. يحاول هذا البطل المأزوم التعويض عن نقصه بالاحتماء بالفضاء الجمالي التحرري للمدينة، متأملا- صروح الحداثة التشكيلية العراقية في ساحة التحرير: «أمام نصب الحرية وقفت أتطلع خاشعا- ومبهورا- كمن يشاهد نصب الحرية لأول مرة في حياته موجودات النصب كانت بلون سحنتنا ، سمرتنا ، بلون طيننا من قبل كنت أتصور أن اللون يتحلل بالموشور ولأنها مشغولات جواد سليم ومفردات جداريته، فعلمت أن اللون يتأتى وينبثق من الطين... فتذكرت اليوم الذي مات فيه أستاذي جواد سليم... فتذكرت ما قرأته ذات يوم ، يوم زار ضابط ألماني الفنان بيكاسو... نظر الضابط الألماني للوحة إل ((جيرنيكا))... فقال لبابلو بيكاسو: أحسنت صنع إل ((جيرنيكا)) يا سيد بيكاسو . أجابه بيكاسو بذكاء: لم اصنعها يا سيدي الضابط بل انتم الذين قد صنعتموها» (ص 13).
ينسج النص هنا طبقة كثيفة من العلامات الفنية المتسامية: طين جواد سليم، وجيرنيكا بيكاسو المقاومة للفاشية، وجدارية السلام لفائق حسن. لكن هذا السياج الرمزي يتعرض لشرخ بصري صاعق يدمر قداسته: «شاهدت سيارة همفي فوقها جندي أمريكي صوب فوهة قناصته إلى صدري فوق القلب فاكتشفت بأنني اكبر مغفل على وجه الأرض أعيش كالنعامة... يترصدني. كنت نعامة تدفن رأسها الصغير توهم نفسها بأني في مأمن... الجندي الأمريكي من الفرقة الرابعة مدرعات يقف هو الآخر أمام نصب الحرية في دار السلام مصوبا- فوهة قناصته ذات الشعاع الليزري الأحمر فوق قلبي» (ص 13 – 14).
تتكشف المفارقة السيميوطيقية عبر تجاور "نصب الحرية" المشرع للأمل الإنساني، مع "فوهة القناصة الأمريكية" التي تحول الساحة إلى حقل رماية. إن العلامة الليزرية الحمراء المستقرة فوق قلب السارد تدنس البرونز الخالد، وتعيد صياغة الفضاء العام بوصفه معسكرا- للاعتقال والقنص المباشر.
ولا تلبث وتيرة التدنيس أن تنتقل من فوهة بندقية المحتل إلى داخل النسيج الشعبي ذاته؛ فعند صعود البطل إلى حافلة نقل الركاب حاملا- حصيلته من شارع المتنبي («كتبي الثقيالت فرحا-» ص 12)، يُصاب الفضاء بهستيريا الشك: «هناك عبوة ناسفة في سيارتي!!! قالها وقد بانت طبقة بيضاء في زاوية فمه وهو يشير بإصبعه الغليظ طويل الاظفر إلى سيارته... أتقصد الكيس الأصفر البلاستيك الكبير؟ أجاب بنفاد صبر-: نعم... سحبني من ذراعي اليسرى... امسك بخانقي وراح يخنقني بقوة... كان يريد أن يميتني لبلادتي، أن يهشم راسي الغبي ليسفح دمي فوق ساحة الطيران... فوق قواعد المسروقة لقادة ثورة مايس، فوق جدران فائق حسن... انه كيسي وفيه كتبي التي اشتر...» (ص 17 – 19).
تصل المفارقة هنا إلى ذروة التعرية القاسية: "الكتاب" بوصفه الدال الأسمى على المعرفة والحضارة، يُقرأ في النسق المشوه للواقع بوصفه "عبوة ناسفة". ينهال الركاب بالضرب المبرح على كلكامش المعاصر، وتدنس الدماء جدارية فائق حسن: «سيل الكبار متدافعا- بالأكتاف وبالأيدي وبالمناكب يضربوني وبالرؤوس ينطحونني ويركلونني... حزينة هي المرأة المياسة زليخة حبيبتي التي حررت الطيور من قفصها في رائعة فائق حسن لانهيال مطر الضربات والركالات والبصاق والشتائم عليّ... والجندي الأمريكي... جعلنا كلنا تحت فوهة رشاشة وما زالت أنشودة الهام المدفعي تصدح في رأسي : موطني ... موطني ... موطني . وأبناء وطني يضربونني ويصرخون بصوت غاضب هادر عالٍ: إرهابي» (ص 20).
إن تقاطع صوت النشيد الوطني («موطني») في وجدان الضحية، مع صراخ الحشود الهائجة بوصمه («إرهابي»)، ووقوف الجندي المحتل مراقبا- المشهد برمته، يجسد لحظة السقوط الكامل للمقدس الوطني والجمالي معا-؛ فالرمز الأسطوري يُسحق بالأقدام، وتتحول المعرفة إلى جريمة تدان في ساحات المدينة المنكوبة.
التنافر الصوتي والطبقي: سمفونية بيتهوفن على قارعة التهميش في «بتهوفن يبيع أسطوانات الغاز»
تتحول المفارقة في قصة «بتهوفن يبيع أسطوانات الغاز» من الفضاء البصري إلى الفضاء السمعي؛ حيث يُستحضر أرفع منجز سمفوني كلاسيكي ليصطدم بأكثر المهن الشعبية خشونة وابتذالا-: «وسط زقاقنا الضيق تسير فوق أسفلته الأسود اللامع عربة خشبية يجرها حمار أبيض اللون محملة بأسطوانات غاز قديمة متسخة بلون رصاصي قاتم ، تصدر عنها أصداء موسيقى بتهوفن تعلو كلما اقتربت من دارنا يقودها شاب يرتدي ملابس رياضية في نهاية العقد الثالث من عمره يجلس فوق أحدى الأسطوانات واضعا- حاسوبه الشخصي فوق ركبتيه ينادي بين فواصل موسيقى بتهوفن سبع مرات : غاز . . . غاز . . . غاز» (ص 57).
ينبني المشهد سيميائيا- على تصادم تنافري بين نسقين ثقافيين وطبقيين: النسق الأرستقراطي النخبوي الممثل بـ «موسيقى بتهوفن» و«الحاسوب الشخصي»، والنسق الهامشي المسحوق الممثل بـ «العربة الخشبية» و«الحمار» و«أسطوانات الغاز المتسخة». إن حشر النداء الرتيب («غاز») بين فواصل النغم الكلاسيكي يمثل تشويها- صوتيا- معبرا- عن اضطرار الفن للهبوط إلى قاع الضرورة المعيشية.
ويكشف الحوار اللاحق بين السارد وهذا الشاب عن جذر هذه التروما الاجتماعية: «سألته بلهجة حزينة : هل درست الموسيقى ؟ أجاب بأسى فتهدج صوته : أنا خريج أكاديمية الفنون الجميلة - قسم الموسيقى . استغربت من مفارقات حياتنا ، سألته بصوت هش مخنوق : ألم تحصل على وظيفة ضمن تخصصك ؟ أستغرب من سؤالي ، خلال ثوان سألني بكلمات لم تقلها الدنيا كلها : أين تعيش ؟ ألست تعيش في بلاد ما بين قهرين ؟!!!» (ص 60 – 61).
تحمل عبارة «بلاد ما بين قهرين» شحنة إدانة أيديولوجية وسيميائية كبرى؛ إذ تُحور التسمية الجغرافية التاريخية («بلاد ما بين النهرين») من دلالة التدفق الحضاري والخصب إلى دلالة الحصار والقهر المستدام. يحاول هذا الموسيقي الأكاديمي المهزوم أن يمارس شكلا- من أشكال المقاومة الرمزية، عبر محاولة تطهير بيئته من التلوث الضوضائي واستبداله بالفن الخالد: «حاولت تغيير أسلوب العمل في مهنة بيع الغاز اعتمادا- على تغيير الرنة المتوارثة حيث اعتمدت على موسيقى بتهوفن وجعلتها عنوانا- جديدا- لبيع الغاز!!» (ص 61).
لكن هذا المسعى النبيل ينكسر أمام صلادة الذائقة الجمعية التي طوعتها عقود العنف؛ فالشارع اعتاد لغة السلاح ولا يستجيب للسمفونيات: «بتهوفن لا يمكنك بيع اسطوانة غاز واحدة لان الأهالي اعتادوا على ضجيج الباعة وصوت طرق الحديد بالحديد... تركني بعد أن أطلق عنان حماره ، رفع صوت موسيقى بتهوفن ، دموعي تنهمر فضية ممزوجة بالحسرة والخوف ، بكيت ، تركني وحيدا- ، صرت لا أعرف كيف أميز بين دموعي وموسيقى بتهوفن وهو ينادي بشجاعة وقوة : غاز . . . غاز . . . غاز» (ص 64).
يصل التدنيس هنا إلى ذروته في إعلان عجز الفن السمفوني عن اختراق صمم البيئة المشوهة؛ إذ يظل صوت «طرق الحديد بالحديد» – وهو الصدى الرمزي لصليل السيوف ومدافع الحروب – هو الصوت الوحيد المفهوم لدى الجماعة. يغادر بائع الغاز المشهد متمسكا- باسمه الأيقوني الساخر («بتهوفن»)، تاركا- نغمه يتبدد في الفراغ العقيم، مؤكدا- اغتراب الجمال المطلق في واقع لا يعترف إلا بالضجيج الخشن.
انتحال الهوية الأيقونية كحصن أخير ضد الفناء في «كاكا . . . عبد الحليم حافظ»
تنتقل سيميائيات القناع في قصة «كاكا . . . عبد الحليم حافظ» إلى فضاء وجداني مغاير، مستعيرة- هذه المرة أيقونة العاطفة الرومانسية في الوجدان العربي الحديث: عبد الحليم حافظ. وتكتسب المفارقة هنا بعدا- إثنيا- وإنسانيا- استثنائيا-؛ إذ تُنقل الأيقونة إلى مدينة السليمانية في أقصى الشمال العراقي، حيث يذوب التمايز القومي في محرقة الوجع الجسدي المشترك.
يصطدم السارد في ليل المدينة البارد بكائن بشري يعيش في أقصى الهامش المادي: «رجل في عقده الخامس ، ممددا- جسده الهزيل على أسفلت الرصيف الأسود الناعم ، يتكيء على جانبه الأيسر، يرتدي بذلة سوداء تشبه بذلة عبد الحليم حافظ عندما غنى : ( رسالة من تحت الماء ) ، معطلا- ، معطوبا- ، يفترش الرصيف الإسفلتي... يلوح في الهواء بذات الحركات التي أداها سابقا- الراحل عبد الحليم حافظ ، انتظرته باكيا- ، صرت أجهش بالبكاء بصوت عالٍ ، أبكي بشدة وبحرقة لأن الرجل المعاق يقلد حركات العندليب الأسمر... يقلد حركاته نفسها ، حركات يده اليمنى رغم عوقه . كل إيماءة كانت احتراقا-» (ص 46 – 47).
يمثل هذا المشهد ذروة "التناص الأدائي المجسد"؛ فالرجل المعاق لا يستمع إلى صوت العندليب فحسب، بل يرتدي بذلته ويحاكي تسريحة شعره، ويقود فرقة موسيقية متخيلة بيده العليلة. إن عاهة هذا الرجل الكردي تتطابق سيميائيا- مع عاهة عبد الحليم حافظ الذي عاش ومات يصارع المرض ونزف الدم (ص 44 – 45). يتحول الجسد العراقي المعطوب إلى امتداد عضوي لجسد الأيقونة العليلة، باحثا- في هذا التماهي عن خلاص من مهانة الرصيف.
تتواصل لحظة المكاشفة بين السارد الجنوبي وهذا الكردي المهمش عبر استعادة موسوعية لتفاصيل رحلة المرض والعمليات الجراحية التي خاضها الفنان الراحل، لتنتهي بلحظة الانتحال الكلي للاسم: «أتعرف كم عملية جراحية أجريت له ؟... أجرى خلال حياته إحدى وستين عملية جراحية... أتعرف أسماء المستشفيات التي رقد فيها خارج مصر ؟... مستشفى أبن سينا بالرباط في المغرب ، وفي إنجلترا : مستشفى سان جيمس هيرست ، ولندن كلينك... ترك ياقة قميصي الأبيض ، راح يستبدل كاسيت شريط قارئة الفنجان ، بواحدة أخرى... مد يده اليمنى المتسخة لي مصافحا-... حدق بعيني بعينين يسودهما الجمر ، أجابني بفخر قل نظيره : كاكا . . . عبد الحليم حافظ» (ص 49 – 56).
تتفكك في هذه الخاتمة الحواجز الجغرافية والسياسية المصطنعة؛ فالرجل يمحو هويته المدنية وعجزه المادي، مستبدلا- اسمه الحقيقي بلقب مركب يجمع بين الاحترام الكردي واسم الأيقونة المصرية («كاكا . . . عبد الحليم حافظ»). ورغم ما يمنحه هذا القناع للشخصية من بهاء واعتزاز داخلي، تظل المفارقة الفاجعة ماثلة في بؤس اليد «المتسخة» الممدودة للمصافحة، واستمرار الجسد مشلولا- فوق أسفلت الشارع المبتل. لقد وفر القناع حماية رمزية لكرامة الذات، لكنه عجز تماما- عن انتشال الجسد الفاني من صقيع التهميش والعزلة.
خاتمة
يُظهر التحليل البنيوي والسيميائي لقصص «مَسَلَّة الأحزان السومرية» أن علي السباعي لا يقف عند حدود الإدانة السياسية المباشرة لخراب الواقع العراقي، بل يبتكر نسقا- جماليا- يُحاكم عبره هذا الخراب بوضعه في تضاد صادم مع أرفع التجليات الإبداعية للروح الإنسانية. إن استدعاء الأيقونات الكبرى كشابلن، وبيتهوفن، وحليم، وكلكامش، يعمل كعدسة مكبرة تكشف حجم التردي الذي أصاب الوجود البشري؛ حيث لا يتردد الواقع المشوه في سحل كلكامش، وقتل شابلن، وتصميمه آذانه عن بيتهوفن، وتجميد العندليب فوق قارعة الرصيف.
تتجسد القوة الفنية للمجموعة في شجاعة معمارها الذي يرفض الحلول التوفيقية أو النهايات الرومانسية الحالمة؛ فالقناع الأيقوني يسقط دوما- ليعري وحشية الصدمة ويفضح عجز الفن المجرد عن وقف حمامات الدم. وتصوغ المجموعة عبر هذا الهدم المتكرر ما يمكن تسميته بـ "المسلّة المضادة"؛ مسلّة من لحم ودم ودموع، لا تمجد مآثر الحكام والملوك كما فعلت مسلات بابل ونينوى القديمة، بل تسجل هزائم الإنسان المتروك في العراء، منتصرة- لضحايا التاريخ لا لصانعيه.
غير أن هذا الرهان الجمالي العالي يواجه في بعض المواضع مطبا- فنيا- يتمثل في الميل إلى الاسترسال المعلوماتي والتوثيق الموسوعي المقحم؛ إذ يتحول الحوار القصصي في بعض المقاطع – كما في قصة عبد الحليم حافظ وسرد تفاصيل مشافيه وأفلامه، أو في استعراض تاريخ تأسيس المدن – إلى ما يشبه الاختبار المعرفي التقريري الذي يثقل حركة السرد ويحد من شحنته الإيحائية لصالح الجرد الإخباري.
إلا أن هذا المأخذ الجزئي لا يقلل من فرادة المشروع السردي للسباعي وأهميته الاستثنائية؛ فالكاتب يظل واحدا- من أمهر حراس القصة القصيرة في المشهد العراقي المعاصر، استطاع أن يحول ركام مدنه وفجائعها اليومية إلى مختبر للتأمل الوجودي، جاعلا- من فعل الكتابة ذاته شكلا- من أشكال المقاومة بالجمال، ومؤكدا- أن تدنيس الأيقونة وسحقها تحت عجلات الواقع هو الصرخة الأبلغ والأكثر رعبا- في فضح الموت والانتصار لإنسانية الإنسان.







التعليقات