حين بدأتُ الاشتغال على ترجمة رواية «المتشابهون» لأحمد طايل، كنت قد نسخت الرواية كاملة وقرأتها أكثر من مرة، قبل أن أدخل في تفاصيل الترجمة. ثم، مع الشروع في العمل، أخذ كل فصل يفرض عليّ قراءة جديدة، كنت أترجم الفصل، ثم أعود إليه كاملا في المراجعة، وأتوقف عند جمله وحواراته وتفاصيله وإيقاعه، وأعيد النظر في اختياراتي كلما شعرت أن العبارة المترجمة لم تستوفِ تماما ما يحمله الأصل من دلالة أو نبرة.
الرواية مؤلفة من أربعة عشر فصلا، وقد أنجزت ترجمة عشرة منها حتى الآن. غير أن المسافة التي قطعتها معها لا تقاس بعدد الفصول المترجمة وحده فقد أخذت مني وقتا وجهدا حقيقيين، لأنني لم أتعامل مع النص بوصفه مادة تنتقل من لغة إلى أخرى، وإنما بوصفه عالما سرديا كنت أعود إليه باستمرار، قارئاومترجما ومراجعا في الوقت نفسه.
ومع طول هذه الإقامة في النص، بدأت أكتشف أن الترجمة نفسها يمكن أن تكون شكلا من أشكال القراءة العميقة. فالمترجم حين يعود إلى الفصل مرة بعد أخرى يرى ما قد لا تتيحه القراءة الأولى: نبرة شخصية، حركة في الحوار، استرجاعًا زمنيًا، اسم مكان، صورة قديمة، رسالة، أو تفصيلا يبدو عابرا ثم يتضح أنه يحمل جزءًا من المعنى. ومن خلال هذه العودة المتكررة، أخذ عنوان «المتشابهون» يفتح أمامي دلالته تدريجيًا. فالتشابه الذي يقترحه أحمد طايل يتجاوز ملامح الوجوه أو تقارب الطباع، إنه يمتد إلى التجارب الإنسانية، والذاكرة، والحنين، والقيم، والاختيارات، وما تتركه الحياة في أصحابها. كأن الشخصيات، وهي تلتقي بعد مسافات زمنية وجغرافية، تكتشف شيئا من ذواتها في ذوات الآخرين.
من هنا تبدو الرواية، في أحد مستوياتها العميقة، رواية عن الإنسان حين يرى نفسه في الآخر.
الشخصيات في «المتشابهون» تتشكل تدريجيا من خلال ما يقوله الآخرون عنها، وما يتذكرونه منها، وما عاشوه إلى جانبها. وهذا يمنح الشخصية السردية بعدا مركبا، فحسين، مثلا ، يظهر في أكثر من صورة بحسب موقع الذاكرة التي تستحضره. تراه زوجته من زاوية، ويستعيده رضوان من زاوية أخرى، وتضيف ثريا إلى صورته ما يرتبط بذاكرة الأب والعائلة. وهنا تبرز إحدى جماليات البناء الروائي: الشخصية الواحدة تصبح مجموعة من الصور المتجاورة، وكل صورة تحمل جانبا من حقيقتها. فلا أحد يمتلك الشخصية كاملة، لأن الإنسان نفسه يبدو في الرواية أكبر من أن تختصره ذاكرة واحدة.
ومن هذه النقطة يتصل مفهوم التشابه بمفهوم الذاكرة. فالذاكرة في «المتشابهون» قوة سردية تعيد الماضي إلى الحاضر. حين يجتمع الرجال على الشاطئ في عشية الليلة الأخيرة، ويبدأون في النبش في الحكايات المختزنة داخلهم، يتحول الماضي إلى حدث يُستعاد بالكلام. ويسمي لوكا تلك الجلسة «ليلة الأمس البعيد»، وهي عبارة تختصر بصورة مكثفة العلاقة التي تقيمها الرواية بين الزمن والذاكرة: أمس بعيد زمنيا ، قريب وجدانيا إلى درجة أنه يستطيع أن يعود بمجرد أن تبدأ الحكاية. إن الحكي هنا فعل استعادة، والاستعادة نفسها شكل من أشكال مقاومة النسيان.لهذا تتكرر في الرواية الصور القديمة، والرسائل، والأماكن التي يعود إليها أصحابها بعد غياب، والحكايات التي ظلت معلقة في الذاكرة. الزمن يمضي، والأشخاص يتغيرون، والأمكنة تبدل ملامحها، لكن شيئا ما يظل يطلب العودة إلى الضوء. وفي هذا السياق تأتي الإسكندرية بوصفها أكثر من مجرد فضاء للأحداث. إنها ذاكرة متجسدة. عندما يتمسك لوكا ببيته القديم ويرفض بيعه، فإن علاقته بالمكان تتجاوز علاقة الإنسان بمسكنه، فالبيت صار مخزونا للذكريات، و جسرا يصل الحاضر بماضٍ شخصي وجمعي. لقد أصبح الاحتفاظ بالبيت، في وعي الشخصية، نوعًا من الاحتفاظ بجزء من الحياة التي مضت. وهنا يمكن استحضار مفهوم الزمكان عند ميخائيل باختين، حيث يتداخل الزمن بالمكان ليشكلا وحدة سردية ذات دلالة. فالإسكندرية في الرواية تختزن زمنا كاملا، والبيت يحفظ أثر الأشخاص الذين مروا به، والشوارع تستعيد وجوها غابت، والصور تستدعي أمكنة لم تعد كما كانت. المكان في «المتشابهون» يحتفظ بالشخصيات، والشخصيات بدورها تترك جزءا من ذواتها في المكان. ولهذا تصبح العودة إلى الإسكندرية عودة إلى الذات بقدر ما هي عودة إلى مدينة. ويتخذ الحنين عند ديموس مسارا مشابهًا. لقد مضت عقود من حياته بعيدا عن المدينة التي ظلت في داخله. وحين يتحدث عن رغبته في العودة إليها، لا يبدو كمن يريد زيارة مكان قديم فحسب، وإنما كمن يحاول استعادة جزء من عمره تسرب من بين يديه. لقد شغلته الحياة والعمل، لكن البيت الذي أبقاه في الإسكندرية ظل صلته الباقية بالمدينة. إنه حنين يبحث عن المكان، وعن النسخة القديمة من الإنسان الذي كانه صاحبه في ذلك المكان. ومن أجمل ما يعضد هذا البعد أن الأشياء الصغيرة تستطيع في الرواية أن تفتح أبواب الذاكرة. صورة، أغنية، بيت، رسالة أو اسم مكان يمكن أن ينقل الشخصية فجأة من حاضرها إلى زمن آخر. وهنا تؤدي الموسيقى، كما في حضور أغنية فيروز «شط إسكندرية»، وظيفة تتجاوز الاستماع، فهي تصبح وسيطا بين الذاكرة والمكان، وبين الحاضر وما استقر في الأعماق.
واللافت أن الذاكرة الفردية لا تبقى فردية طويلًا في الرواية. حين يحكي لوكا لأهل القرية عن حياته، وعن عادات أسرته اليونانية وأعيادها وتقاليدها، تنتقل تجربته من ملكية شخصية إلى فضاء جماعي. بعض ما يحكيه يتعلق بما عاشه، وبعضه مما ورثه عن أسرته ولم يعشه بنفسه. وهنا يبرز سؤال سردي مهم: لمن تصبح الذاكرة حين تروى؟
في «المتشابهون» تصبح الذاكرة، بمجرد أن تدخل فضاء الحكاية، قابلة لأن يتقاسمها الآخرون. وهكذا تنتقل التجربة من «أنا» إلى «نحن»، ومن الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة المروية داخل الجماعة.
ولعل هذا ما يجعل الحكاية نفسها إحدى الشخصيات الخفية في الرواية. فالشخصيات لا تعيش فقط ما يحدث لها، إنها تعيش أيضا ما تتذكره، وما تسمعه، وما تعيد حكايته. لذلك تتجاور في النص طبقات متعددة من الزمن: حاضر الشخصية، وماضيها القريب، وطفولتها، وما ورثته عن الأم والجدة، وما يصل إليها عبر حكايات الآخرين. وفي بعض المقاطع، تستعيد المرأة تجربة عاطفية قديمة، فتقودها الذاكرة من لحظة ناضجة إلى طفولة بعيدة، ثم إلى زمن الحكايات التي كانت تسمعها من الأم والجدة. هنا يصبح الزمن النفسي أكثر حضورا من الزمن التقويمي، فسنوات طويلة يمكن أن تختصرها لحظة تذكّر، بينما تستطيع تفصيلة صغيرة أن تفتح زمنا كاملا.
ومن هذه الزاوية تبدو تقنيات الاسترجاع التي يستخدمها أحمد طايل نابعة من طبيعة التجربة التي يعيشها شخوصه. فالعودة إلى الماضي تأتي غالبًا من حاجة الشخصية إلى فهم حاضرها، أو إلى استعادة شيء من ذاتها.
ويمكن هنا الإفادة من تصور جيرار جنيت للزمن السردي، خصوصا في التمييز بين زمن وقوع الأحداث وزمن روايتها وترتيب ظهورها في الخطاب. ففي «المتشابهون» يتحرك السرد بين الأزمنة وفق منطق الذاكرة أكثر مما يتحرك وفق خط مستقيم، الماضي يظهر عندما تستدعيه شخصية، والحاضر يتحول فجأة إلى نافذة على زمن سابق. أما اللغة، فتقدم الرواية من خلالها واحدة من أكثر علاماتها دلالة في شخصية لوكا. فهو يتحدث بعربية تتداخل فيها اليونانية والإنجليزية، فتغدو لغته صورة عن حياته نفسها. هذه اللغة الهجينة ليست ملمحا خارجيا للشخصية، إنها سيرتها الذاتية مختصرة داخل الكلام. لوكا لا يتكلم لغة واحدة لأن حياته نفسها تشكلت في فضاءات ثقافية متعددة. لقد حمل في لسانه أثر الجغرافيا التي عاش بينها، والثقافات التي عبرت حياته، والهوية التي تشكلت من أكثر من انتماء. وهنا يصبح مفهوم تعدد اللغات الاجتماعية عند باختين قريبا من نسيج الرواية، فاللغة تحمل آثار أصحابها وتجاربهم وانتماءاتهم، وفي شخصية لوكا تتجاور هذه الآثار داخل الكلام نفسه، فيتحول الاختلاف اللغوي إلى اختلاف في الذاكرة والانتماء.
إن لغة لوكا تروي حياته قبل أن يخبرنا بها. ويستمر هذا التعدد في بنية الرواية نفسها. فالرسائل تدخل إلى السرد، والحكايات تروى داخل الحكاية، والشخصيات تستعيد ماضيها بصوتها، وتنتقل الرؤية من شخصية إلى أخرى. فالرسالة التي يوجهها لوكا إلى أنطونيو، مثلًا، تفتح مسارا سرديا جديدا يقود إلى صوت نسائي وذاكرة مختلفة. بهذه الطريقة تتعدد منافذ النظر، وتتجاور الأصوات داخل العمل، ويصبح القارئ أمام حقيقة تتشكل تدريجيا من تقاطع الذكريات والروايات.
وهنا يتحول القارئ إلى شريك في تركيب الصورة. عليه أن يقارن بين الذكريات، وأن يلاحظ الفروق بين ما يتذكره شخص وما يتذكره آخر، وأن ينتبه إلى المسافة بين الحدث كما وقع والحدث كما بقي في الذاكرة. وبذلك يصبح قريبًا من موقع الشخصيات نفسها: يبحث عن الحقيقة في المسافة بين الصور. ومن هنا يمتد عنوان «المتشابهون» إلى البنية السردية ذاتها. فالشخصيات تتشابه في بعض تجاربها، والأفكار تتقاطع، والذكريات تتجاوب، والمصائر تقترب من بعضها أحيانا على نحو لافت. لكن الرواية تترك أيضا مساحة للتساؤل حول طبيعة هذا التشابه. فالعم رؤوف يتأمل أوجه التشابه بين العائلات والأفراد، وما يتصل بالطباع والعادات وطرائق التفكير والتعامل مع الحياة. وهنا ينتقل السؤال من التشابه بوصفه حقيقة ظاهرة إلى التشابه بوصفه تجربة إنسانية قابلة للتأمل. وهكذا تتجاوز الرواية سؤال: «من يشبه من؟» إلى سؤال أعمق: لماذا نبحث أصلا عن أنفسنا في الآخرين؟
ربما لأن الإنسان يحتاج إلى الآخر كي يرى بعض ملامحه. في لحظات معينة تبلغ هذه الفكرة درجة واضحة، حين يكتشف رضوان وحسين أن كليهما كان يفكر في الأمر نفسه، وحين يصبح التشابه بينهما تشابها في الوعي والتجربة، لا في الملامح وحدها. وهنا يكتسب العنوان طاقته الحقيقية: المتشابهون هم الذين تتقاطع بينهم أشياء أعمق من الشكل، أفكار، وذكريات، وقيم، وخيبات، وحنين، وربما مصائر. ومع ذلك يحتفظ كل واحد منهم بخصوصيته. وهذه المفارقة تمنح الرواية بعدها الإنساني: نحن نتشابه بما يكفي لكي نفهم بعضنا، ونختلف بما يكفي لكي يظل لكل منا سره الخاص.
وإذا كان المكان يحفظ الذاكرة، والزمن يستعيدها، واللغة تكشف هوية أصحابها، فإن الحكاية تجمع هذه العناصر كلها. ولذلك تبدو «المتشابهون» في جانب منها رواية عن الرغبة في الإمساك بالزمن قبل أن يفلت نهائيًا.

الشخصيات تعرف أن الأيام مضت. ومع ذلك تحاول أن تحتفظ بما عاشته، أن تستعيد الوجوه، أن تعود إلى البيوت، أن تقرأ الرسائل، أن تنظر إلى الصور، وأن تحكي.
كأن الحكي هو الوسيلة الأخيرة التي يستطيع بها الإنسان أن يقول للزمن: ما زلت أتذكر. وهنا تكتسب اللقاءات الجماعية في الرواية دلالتها. فالاجتماع لا يجمع أشخاصًا فقط، إنه يجمع أزمنة متباعدة. كل واحد يأتي ومعه حياته السابقة وذاكرته وأشياؤه التي لم يقلها. وحين يجلسون معا ، تتجاور حيواتهم كما تتجاور طبقات رواية واحدة. ويؤكد مشهد اللقاء العائلي، بما يفتحه من «حوارات متعددة الزوايا والاتجاهات»، أن الجماعة في الرواية فضاء لتقاطع الأصوات والآراء والذكريات. لهذا يأخذ التجريب في «المتشابهون» قيمته من ضرورته الداخلية. تعدد الأصوات، والاسترجاع، والرسائل، والحكايات المضمنة، وتداخل الأزمنة، كلها أدوات تنسجم مع سؤال الرواية المركزي: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد ذاته عبر ذاكرة الآخرين؟
وهنا تكمن وحدة الرواية الداخلية.
فهي تتحرك بين شخصيات وأمكنة وأزمنة متعددة، لكن خيطا خفيا يظل يجمع هذه الحركة كلها: التشابه بوصفه شكلا من أشكال التعارف الإنساني.
ومن موقع المترجم، كانت هذه البنية تفرض تحديا خاصا. فالترجمة هنا لا تتعلق بنقل المعنى المعجمي وحده، إنها محاولة للحفاظ على أصوات مختلفة، وعلى إيقاع الذاكرة، وعلى خصوصية المكان، وعلى الفروق الدقيقة بين شخصية وأخرى. وكان صوت لوكا، بلغته الهجينة، من أكثر الأصوات التي تجعل المترجم يشعر بأن اللغة جزء من الشخصية وليست مجرد وسيلة للتعبير عنها. وقد قادتني الترجمة، في النهاية، إلى نتيجة لم أكن أضعها في الحسبان عند البداية: أن نقل الرواية إلى لغة أخرى كان في الوقت نفسه عودة إليها من الداخل. فكلما ترجمت جملة، كنت أقرأ ما وراءها. وكلما توقفت أمام ذكرى أو مكان أو حوار، اكتشفت أن الرواية تترك للقارئ مساحة ليعيد بناء علاقاته الخاصة بين الشخصيات والأزمنة والأمكنة. لهذا خرجت من «المتشابهون» قارئا بقدر ما دخلتها مترجما .
ولعل أجمل ما يمكن أن يبقى من هذه الرواية بعد انتهاء الحكاية هو ذلك السؤال الذي يظل مفتوحًا: ما الذي يجعل إنساناً يجد شيئا من نفسه في إنسان آخر، رغم اختلاف الأزمنة والأمكنة والتجارب؟
ربما تكون الإجابة موزعة بين صفحات الرواية كلها: في بيت يحتفظ بأصوات أصحابه، وفي مدينة تستعيد أبناءها، وفي أغنية تفتح نافذة على زمن بعيد، وفي رسالة تعيد شخصًا إلى شخص، وفي ذاكرة فرد تصبح ذاكرة جماعة، وفي لغة تحمل أكثر من وطن، وفي رجلين يكتشفان أن الفكرة التي كانت في ذهن أحدهما كانت تسكن ذهن الآخر أيضًا. عند هذه النقطة يصبح «المتشابهون» عنوانا يتجاوز الشخصيات إلى الإنسان نفسه. فنحن نعيش بين ذواتنا وذوات الآخرين، نحمل شيئا منهم ويحملون شيئا منا، ونترك وراءنا آثارا قد لا نعرف أنها ستبقى. وربما لهذا تستمر الرواية في ذهن القارئ بعد انتهائها: لأن ما يبقى فيها ليس الأشخاص وحدهم، وإنما ما تركوه في بعضهم، وما تركه الزمن فيهم.







التعليقات