انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الذاكرة والأسطورة ومقاومة القهر في "بنات الخائبات" لعلي السباعي

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد

روائي وناقد عراقي

15 دقائق للقراءة
22 مشاهدة
الذاكرة والأسطورة ومقاومة القهر في "بنات الخائبات" لعلي السباعي
مشاركة:

قد لا يكون من الدقّة إطلاق وصف المجموعة القصصية على كتاب علي السباعي "بنات الخائبات"، الذي يضم قصتين قصيرتين فقط، لكن قلّة النصوص لا تعني بالضرورة محدودية التجربة أو انغلاق دلالاتها. فالقصتان "فرائس بثياب الفرح" و"سيوف خشبية" تتجاوزان حدود الحكاية المنفردة، لتشكّلا معًا نسيجًا سرديًا متجانسًا، تتقاطع فيه ثنائيات الوعي والأسطورة، والجسد والسلطة، والذاكرة والواقع. ومن هذا التقاطع تنشأ وحدة دلالية تمنح النصين ملامح مشروع قصصي تتجاوز حدودهما العددية.

تتمثّل إحدى أبرز نقاط الالتقاء بين القصتين في الاشتغال على الذاكرة المكانية والرمزية، ولا سيما مدينة الناصرية بما تحمله من ملامح اجتماعية وتاريخية وأزقة ووقائع تتداخل فيها الذاكرة الشعبية مع الموروث الأسطوري. وتتحول عناصر مثل كسوف الشمس وتمثال الحبوبي إلى علامات تتجاوز حضورها المادي، لتصبح جزءًا من المشهد النفسي الذي تتحرك فيه الشخصيات وتنكشف من خلاله تحولات الإنسان العراقي. فالزمن في القصتين ليس زمنًا تقويميًا عابرًا، بل زمن نفسي مكثف تتداخل فيه الأساطير، مثل تموز وإبليس، مع واقع مثقل بالحروب والأزمات والتحولات الاجتماعية، فيغدو الماضي قوة فاعلة في الحاضر، لا مجرد ذاكرة تستعاد.

وفي هذا العالم السردي، يتقدّم القهر، بوصفه محورًا أساسيًا للصراع، فيما يتحول الجسد إلى مساحة للمواجهة والرفض، وليس مجرد كيان مادي يخضع للسلطة. فالإنسان المهزوم يبحث عن خلاص أو معنى في واقع يمارس القمع بأشكاله السياسية والاجتماعية والنفسية. وفي "فرائس بثياب الفرح"، ترفض "ناصرية" الاستسلام لسطوة "عتودة"، لتغدو صورتها أقرب إلى العنقاء المنبعثة من الرماد، في دلالة على إمكان النهوض من قلب الانكسار. أما في "سيوف خشبية"، فيتحول الصراع بين إبليس والشخصية النسائية إلى محاكمة رمزية تكشف تناقضات البشر ومؤسساتهم، وتفضح ما يختبئ خلف مظاهر القوة والفضيلة من قهر وخداع.

وتلتقي الفنتازيا بالرمزية الفلسفية في بناء العالم القصصي، إذ يوظف الكاتب الشخصيات التاريخية والأسطورية والإحالات الثقافية، ومنها سيزيف وتانتالوس وميداس وإبليس، لفتح النص على دلالات تتجاوز الحدث المباشر. ولا تأتي هذه الإحالات بوصفها زينة ثقافية أو استدعاءات منفصلة عن السياق، بل تسهم في تفكيك الواقع المعاصر وإعادة النظر في تناقضاته. لذلك لا يكتفي السرد بتقديم حكايات واقعية تقليدية، وإنما ينفذ إلى طبقات أعمق من الوعي الجمعي، حيث تتجاور الرغبة والخوف، والحرية والقهر، والحب والموت، والأسئلة المتعلقة بالخلاص الفردي والجماعي.

بهذا المعنى، تبدو القصتان وجهين لتجربة واحدة، تستكشف قاع الوجدان العراقي والعربي، وتمزج الألم بالسخرية، والواقع بالأسطورة، والمأساة بإمكان المقاومة. إنهما لا تقدمان إجابات جاهزة عن مصير الإنسان، بقدر ما تكشفان حجم التناقضات التي تحاصره، وتمنحان الشخصيات فرصة لمواجهة عالمها، ولو عبر الرمز والفنتازيا والتمرد على شروطه.

العنوان والارتباط الدلالي

يمثل عنوان الكتاب "بنات الخائبات" عتبة دلالية مهمة لفهم العلاقة بين القصتين، فهو لا يكتفي بتسمية العمل، بل يفتح أمام القارئ مجالًا للتأويل، ويضعه منذ البداية أمام مفارقة تجمع الأنوثة بالخيبة، والولادة بالانكسار، وإمكان المقاومة بإرث الهزائم. ومن هنا يمكن قراءة العنوان بوصفه مظلة رمزية تحتضن الشخصيات والأحداث، وتربط التجربتين بما يتجاوز حدودهما الحكائية.

تحمل كلمة "الخائبات" دلالات الإخفاق والانكسار، بما يحيل إلى تراكم الهزائم السياسية والاجتماعية والإنسانية التي تركت آثارها في الفرد والجماعة، ولا سيما في التجربة العراقية. أما "البنات" فلا تقتصر دلالتهن على الإناث بمعناهن المباشر، بل يمكن أن تمتد إلى الأجيال التي ترث نتائج تلك الخيبات، وإلى الأفكار والتجارب التي تنشأ في بيئة مأزومة. غير أن هذا الإرث لا يعني الاستسلام له بالضرورة؛ فقد تتحول الخيبة نفسها إلى وعي بالواقع، وإلى دافع لمقاومته ومحاولة تجاوز شروطه.

ويتجلى هذا الارتباط في القصة الأولى "فرائس بثياب الفرح"، حيث تبدو الشخصية الرئيسة، "ناصرية"، ابنةً لبيئة مثقلة بالتحولات القاسية، تتنازعها الرغبة في الحياة وسط مظاهر القهر والتمزيق. ويكتسب ثوب الفرح، في ضوء عنوان الكتاب، دلالة تتجاوز مظهره الاحتفالي؛ إذ تتجاور صورة الفرح مع واقع مأزوم، ويصبح التناقض بينهما مدخلًا لقراءة مأساة الشخصية. فالبطلة لا تمثل ضحيةً للظروف فحسب، بل تحمل في مواجهتها "عتودة" معنى الرفض، وتكشف أن الخيبة ليست نهاية حتمية، وأن الإنسان قد يستعيد قدرته على المقاومة حتى حين تبدو شروط الحياة ضده.

أما في "سيوف خشبية"، فيتخذ العنوان الرئيس مسارًا دلاليًا آخر، يتصل بالخديعة والزيف واختلال العلاقة بين المظهر والحقيقة. فالسيوف التي يُفترض أن ترمز إلى القوة والمواجهة تفقد فاعليتها حين تصبح خشبية، لتغدو علامة على هشاشة القوة المعلنة، وعلى عالم تتراجع فيه القيم أمام النفاق والمصالح. وفي هذا السياق، يمكن قراءة صراع الشخصيات النسائية مع مصائرها بوصفه امتدادًا لخيبة أوسع، تتعلق بالخذلان الاجتماعي وبالتناقض بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الفعلية. فالأنثى التي تبحث عن كرامتها أو حقيقتها تجد نفسها في مواجهة عالم يرفع شعارات الفضيلة، فيما يمارس الإقصاء والقهر.

ولا تنفصل هذه الدلالة عن حضور إبليس وما يمثله من إغواء والتباس، إذ يتجاوز الصراع معه حدود المواجهة المباشرة ليصبح مساءلةً لقدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين القوّة الفعلية ومظاهرها الخادعة. ومن ثم، تتصل "السيوف الخشبية" بـ"بنات الخائبات" من خلال فكرة الخذلان، لا عبر تطابق الشخصيات أو الأحداث، بل من خلال اشتراكها في كشف عالم تتعرض فيه الكرامة الإنسانية للاختبار.

وعليه، لا يبدو عنوان "بنات الخائبات" مجرّد تسمية صادمة أو استفزازية، بل عنوانًا يحمل إمكانات تأويلية تجمع القصتين ضمن أفق إنساني واحد. إنه يحيل إلى أجيال ترث عالمًا مثقلًا بالانكسارات، لكنها لا تكف عن البحث عن مخرج منه. وبين الجسد والذاكرة والأسطورة، وبين القهر والمقاومة، يرسم علي السباعي شخصيات تحاول استعادة صوتها في عالم يضيّق عليها سبل الاختيار. وهكذا تتحول الخيبة من حالة فردية إلى تجربة جماعية، ومن أثر للماضي إلى سؤال مفتوح عن قدرة الإنسان على إعادة كتابة مصيره والتحرر من إرث الهزائم.

المعالجة السردية

لا تكمن أهمية قصتي علي السباعي في فرادتهما من حيث الفكرة فحسب، بل في المعالجة السردية التي اعتمدت على كسر الخطية الزمنية والتخلي عن البناء التقليدي للحكاية، لصالح سرد فنتازي متشظٍّ تتداخل فيه الأزمنة والمرجعيات. فالواقعي لا يظهر بوصفه مرآة فوتوغرافية للحياة، بل يذوب في فضاء أسطوري وتاريخي واسع، تتجاور فيه شخصيات مثل ناصر باشا الأشقر، وتموز، وعتودة، وإبليس، وكلينتون، وبينوشيه، وسيزيف، مع شخصيات شعبية وحميمية، مثل جد الكاتب وناصرية والداعرة. ويمنح هذا التداخل المعالجة السردية أبعادًا ملحمية وعبثية في آن واحد، ويجعل الحكاية تتجاوز حدود الواقع المباشر إلى مساءلة دلالاته وتناقضاته.

ويبرز تيار الوعي والاستدعاء الداخلي بوصفهما من الأدوات التي تعمّق التجربة النفسية للشخصيات. فالأحداث لا تتقدم عبر الأفعال الخارجية وحدها، بل تتولد أيضًا من الأحلام والرؤى والهلاوس والتداعيات الذهنية، ومن العلامات الكونية، مثل كسوف الشمس في الناصرية. ولا تقف الشخصيات عند حدود ما تفعله، بل تنكشف من خلال هواجسها وأحلامها، ومنها الحلم برأس الحسين، وما يستدعيه من ذاكرة دينية وتاريخية، فضلًا عن الصلوات المكتوبة على الألواح القديمة. وبهذا تتداخل التجربة الفردية مع الذاكرة الجمعية، ويصبح الداخل النفسي مجالًا لإعادة إنتاج التاريخ واستحضار آثاره في الحاضر.

أما الجسد، فيمثل أحد المحاور المركزية في المعالجة السردية، إذ تتحول مفرداته، من البكارة والانتصاب والعري والنحر إلى الطاقة الكهرومغناطيسية، إلى علامات تتجاوز معناها المادي المباشر. فالجسد ليس غاية شهوانية، بل مساحة تتقاطع عليها السلطة والرغبة والانتهاك، وساحة تتجلى فيها آثار القهر السياسي والاجتماعي والنفسي. ومن خلاله تتجسد الصراعات الكبرى في صور محسوسة، فيغدو الجسد خطابًا سرديًا يكشف ما تعجز الشخصيات عن التصريح به، ويضعها أمام احتمالات المقاومة أو الاستسلام.

اللعبة التدوينية

تمثّل اللعبة التدوينية في نتاج علي السباعي إحدى البنى الشكلية والأسلوبية التي يعيد الكاتب من خلالها تشكيل النص، محولًا الكتابة من وسيلة لنقل الحكاية إلى فعل تجريبي يقوم على المراوغة وكسر توقعات القارئ. وتتجلى هذه اللعبة في توظيف التناص والهوامش المخادعة، إذ يستعين الكاتب بحواشٍ تحاكي الدراسات الأكاديمية والتوثيق التاريخي، مثل الهوامش التي تشرح بيكاسي وعتودة وناصر باشا الأشقر وصراصير عتودة. غير أن هذه الهوامش لا تؤدي وظيفة تفسيرية فحسب، بل تدخل في صميم البناء السردي، فتخلق وهمًا بالتوثيق والمرجعية، قبل أن تقوضه بالمفارقة والسخرية والفنتازيا. وهكذا يتحول الهامش من عنصر تابع إلى جزء من اللعبة التي تربك الحدود بين الحقيقة والتخييل.

وتتجلى اللعبة أيضًا في تعدد الأصوات وتداخل مستويات السرد، من خلال الانتقال بين ضمائر المتكلم والغائب، وتجاور صوت الكاتب مع صوت إبليس وأصوات الشخصيات التاريخية والأسطورية. ولا يقتصر أثر هذا التعدد على تنويع طرائق الحكي، بل يسهم في إنتاج طبقات دلالية متشابكة، تجعل النص أقرب إلى متاهة سردية تتطلب من القارئ إعادة ترتيب علاقاته وفك إشاراته. فكل صوت يضيف زاوية جديدة إلى الحدث، وقد يربك ما يقدمه صوت آخر، الأمر الذي يجعل القراءة مشاركة في إنتاج المعنى، لا مجرد تلقي لحكاية مكتملة.

ومن مظاهر هذه اللعبة كذلك التفكيك اللغوي والتشكيل البصري، إذ تتحوّل الجملة إلى مساحة تتجاور فيها الصور والحركات والتضادات، فيتداخل السيف بالمزمار، والدمع بالعرق، والرماد بصورة العنقاء. ولا تبقى اللغة أداة لوصف المشهد، بل تسهم في تكوينه بصريًا وحركيًا، فتقترب الكتابة من اللوحة التشكيلية، وتكتسب الصور طاقة تتجاوز وظيفتها التعبيرية المباشرة.

وبذلك تصبح اللعبة التدوينية عند السباعي مغامرةً تجريبية تتحدّى ثوابت القصة القصيرة التقليدية، وتعيد النظر في العلاقة بين المتن والهامش، وبين الراوي والشخصية، وبين التاريخ والتخييل. وهي لعبة تفتح النص على التأويل، حيث يتماهى التاريخ بالشعر، والمهزلة بالأسطورة، ويتحول فعل الكتابة نفسه إلى موضوع للمساءلة والتجريب.

الذاكرة والأسطورة ومقاومة القهر في "بنات الخائبات" لعلي السباعي

اللغة ومهارة الاشتغال

لا تؤدّي اللغة في قصتي علي السباعي وظيفة محايدة تقتصر على نقل الحكاية، بل تشارك في تشكيل العالم السردي وإنتاج دلالاته وجمالياته. فهي ليست وعاءً للأحداث، وإنما عنصر فاعل في بنائها، تتداخل فيها الشعرية والتصوير البصري وتداعي الأفكار والسخرية، لتمنح النص خصوصيته الأسلوبية. ويمكن الوقوف عند عدد من المهارات التي تكشف طبيعة اشتغال اللغة في القصتين.

أولًا: الشعرية والانزياح والتصوير البصري:

يمتلك السباعي قدرة على توظيف اللغة الشعرية والمجازات الكثيفة، مع الإفادة من المفردات اليومية وإعادة شحنها بدلالات حسية وتخييلية. ويتجلى ذلك في وصف الفرات والجسد وكسوف الشمس، حيث تتحول الظواهر الطبيعية إلى عناصر مشحونة بالحركة والانفعال:

"غاص جدُك الثالثُ يومَ كسوفٍ كلّي حصلَ لِلشّمسِ، يومٌ رصاصيٌ ناشفٌ، متعادلٌ،وكأنّ المناخ أمسكَ عصا الطقس من منتصفها" ص8

تكشف هذه الصورة عن لغة لا تكتفي بتسجيل الظاهرة، بل تعيد تشكيلها عبر تراكم الصفات الحسية والاستعارات. فالكسوف يكتسب لونًا وملمسًا، والمناخ يتحول إلى كيان يمسك عصا الطقس، فيما تتأرجح مياه الفرات بين السكون والتحفز. وبهذا تتجاوز اللغة وظيفة الوصف المباشر لتصبح أداة لبناء المشهد وتوليد دلالاته النفسية والجمالية.

ثانيًا: التداعي وتيار الوعي:

تتجلى مهارة أخرى في تخليص السرد من التتابع الخطي الصارم، وإفساح المجال أمام تداعي الأفكار والاستدعاءات الحلمية والرؤى والهلاوس. فالحكاية لا تتقدم دائمًا وفق منطق الحدث الخارجي، بل تتشكل أحيانًا من حركة الذاكرة وما تستحضره من صور ومخاوف ورموز، الأمر الذي يجعل القارئ قريبًا من التجربة الداخلية للشخصية:

"حلمت أمس ليلة الكسوف: برأس الحسين محمولًا فوق رمح طويل مدمى بغسق الغروب... تناسل زملائي المتوضئون والحاملون لرأس الحسين وكأن صبية العالم كله تجمعوا في مدرستنا" (ص 11).

يتحول الحلم هنا إلى وسيلة لاستدعاء الذاكرة الدينية والتاريخية داخل التجربة الفردية، فيما يؤدي تكرار صورة الرأس المحمول إلى توسيع المشهد من حدود الحلم الشخصي إلى فضاء جمعي. وهكذا تتداخل الذاكرة بالهواجس، ويتحول الحلم إلى عنصر فاعل في بناء المعنى، لا مجرد استراحة من مسار الحكاية.

ثالثًا: التناص ومثاقفة الذاكرة:

تستثمر اللغة شبكة من الإحالات الأسطورية والتاريخية والدينية، لتمنح التجربة المعاصرة أبعادًا تتجاوز سياقها المباشر. ويظهر ذلك في استدعاء شخصيات مثل سيزيف وتانتالوس، إذ تتحول الأسطورة إلى وسيلة لقراءة المعاناة المتكررة، واستحضار الإحساس بالعجز أمام واقع يعيد إنتاج أزماته.

"إلى متى تبقى الصخرة جاثمة عليك؟". رغبت ساعتها لو كنتُ تانتالوس فأزيح الصخرة وأرميها بعيدًا عنا نحن أبناء الخائبات... كنتُ سيزيف العرب سعيدًا جادًا في حمل صخرتي صعودًا وهبوطًا ذهابًا وإيابًا" (ص 8).

لا يأتي استدعاء تانتالوس وسيزيف بوصفه إحالة ثقافية منفصلة، بل يتصل بتجربة الخيبة التي يحملها العنوان، ويمنحها بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود المكان. فالصخرة تتحول إلى استعارة للعبء المتكرر، فيما تكشف الإحالة إلى سيزيف عن مأزق الإنسان الذي يواصل حمل أثقاله، حتى حين يبدو الخلاص بعيدًا. ومن خلال هذا التناص، يربط الكاتب بين الأسطورة والواقع، ويجعل الذاكرة الثقافية أداة لفهم الحاضر ونقده.

رابعًا: التجريب البصري والتشكيلي:

تتعامل لغة السباعي مع الكلمات بوصفها عناصر قادرة على إنتاج مشهد بصري متحرك، إذ لا تكتفي الجملة بنقل الحركة، بل تعيد تشكيلها عبر الظلال والاتجاهات والتضاد بين الصعود والهبوط:

"امتدت ظلال كفي مستدقةً حادةً عند صعودها وتثلثت أثناء هبوطها، تكسر صمت ظلالها أثر دوران كفي في مدار أفعاه.. شاهدتُ انتفاضتها الواهية المستميتة تحت تأثير يدي المزمرتين" ص(22).

تتأسس الصورة على حركة الظلال وتحول أشكالها، بما يمنح المشهد طابعًا تشكيليًا تتداخل فيه الحركة بالإيحاء. فاليد لا تُقدَّم بوصفها جزءًا من الجسد فحسب، بل تصبح مصدرًا لتكوين بصري متغير، تتوالد فيه الظلال وتتبدل أشكالها. وتكشف هذه الطريقة عن ميل الكاتب إلى جعل اللغة مساحةً للرؤية، بحيث يشارك القارئ في تخيل الحركة ومتابعة تحولات الصورة.

خامسًا: السخرية السوداء والنبرة الاعترافية:

تكتسب اللغة في القصة الثانية طابعًا اعترافيًا ساخرًا، ولا سيما من خلال صوت إبليس الذي يتحدث عن نفسه بلهجة تجمع بين التباهي والتهكم، فيعيد النظر في التصورات الأخلاقية السائدة، ويكشف التناقض بين المظهر والحقيقة:

"إني سيئ السمعة للغاية أكثر من كل الناس، تعلّقت بذيل حمار ودخلت سفينة نوح، فكان لي النصيب الأكبر من سيئات الناس، رغم حقارتي ونذالتي إلا إنني لا أدخل البيوت إلا من أبوابها، بإمكاني إدخال خيطي في كل نسيج، أجمّل القبيح وأقبّح الجميل..." ص (29).

تقوم المفارقة هنا على التناقض بين اعتراف إبليس بسوء سمعته وتأكيده أنه يدخل البيوت من أبوابها، ثم إعلانه قدرته على التلاعب بموازين القبح والجمال. ومن خلال هذا الصوت، تتجاوز السخرية حدود الشخصية لتطال البشر أنفسهم، إذ تضع القارئ أمام سؤال يتعلق بمسؤولية الإنسان عن أفعاله، وبالطريقة التي يبرر بها انحرافاته أو ينسبها إلى قوى خارجية. وهكذا تصبح السخرية السوداء وسيلة لتعرية النفاق الاجتماعي والأخلاقي، من دون اللجوء إلى خطاب مباشر أو موعظة جاهزة.

في المحصلة، تتكامل هذه المهارات اللغوية لتمنح القصتين طابعهما التجريبي؛ فالشعرية تبني الصور، وتيار الوعي يفتح النص على الداخل النفسي، والتناص يصل التجربة الفردية بالذاكرة الجمعية، والتشكيل البصري يحول الجملة إلى مشهد، فيما تكشف السخرية تناقضات الواقع. ومن تفاعل هذه العناصر تنشأ لغة لا تكتفي بحمل الحكاية، بل تشارك في إنتاجها وإعادة تأويلها، وتمنح عالم علي السباعي القصصي انفتاحًا دلاليًا يتجاوز حدود الحدث المباشر.

الفكرة والرؤية الفلسفية

تؤسس القصتان لرؤية فكرية وفلسفية تتناول أزمة الإنسان العراقي والعربي في مواجهة طغيان السلطة، والزيف التاريخي، والخراب المتكرر. فالكاتب لا يقدم حكايتين منفصلتين في دلالاتهما، بل يربط بين مسارين متكاملين: القمع والوصاية، اللذين تتجسدهما شخصية "عتودة" وسلطة السيوف والجلادين، والتواطؤ والاعتراف بالخطيئة والبحث عن الخلاص، التي تتجلى في شخصية "إبليس" وعلاقته بالبشر والضحايا. ومن هذا التقاطع تنشأ رؤية تسعى إلى تعرية آليات الاستبداد التي لا تكتفي بإخضاع الجسد، بل تمتد إلى الوعي والذاكرة، وإلى كشف النفاق الاجتماعي والسياسي الذي قد يجعل الضحية، في بعض الحالات، شريكًا في إعادة إنتاج شروط قهرها.

وتتجلّى فكرة مواجهة الطغيان ورفض الخضوع في شخصية "ناصرية"، التي تمثل قدرة الإنسان على مقاومة محاولات الإخضاع وسلب الكرامة. فعلى الرغم من سطوة القهر والبطش، تظل الشخصية قادرة على إعلان رفضها، وتحويل لحظة الانكسار إلى مواجهة، في صورة تستدعي رمز العنقاء المنبعثة من الرماد.

"ناصرية عنقاء بعثت من رمادها، نطقتها في وجهه بعينين متحديتين تفيضان عداوة جارحة، قالت متنمرة: لم ولن تنال عذريتي. يا أخيتي!

دخلت ناصرية منعطفًا خطيرًا جدًا مثل الإنسانية... صرختان اجتمعتا في صرخة واحدة سجينة موجزة لأكبر: لا. في حياتنا" ص(21).

تكشف هذه المواجهة عن انتقال الشخصية من موقع الضحية إلى موقع الرفض، إذ لا تعود العذرية مجرد دلالة جسدية، بل تتجاوزها إلى معنى رمزي يتصل بالكرامة والحرية واستعادة الذات. وتكتسب صرخة "لا" أهميتها من كونها تختزل مواجهة طويلة مع القهر، وتحوّل الرفض الفردي إلى موقف يتجاوز حدود الشخصية نحو أفق إنساني أوسع. وهنا تتجلى الرؤية الفلسفية للقصّة في تأكيد قدرة الإنسان على مقاومة الطغيان، حتى حين تحاصره أسباب الانكسار.

أما في "سيوف خشبية"، فتتخذ الرؤية مسارًا آخر، يقوم على مساءلة الضمير البشري وتعرية ازدواجية الأخلاق. فمن خلال شخصية "إبليس"، الذي يتخذه البشر شماعة لتعليق أخطائهم عليها، يطرح الكاتب سؤال المسؤولية عن الشر: هل يكفي التحريض لتبرئة الإنسان من أفعاله، أم أن الإرادة البشرية تظل صاحبة القرار والمسؤولية؟ ويأتي صوت إبليس ليقلب المعادلة المألوفة، ويكشف المفارقة بين الاعتراف بالإغواء والتنصل من المسؤولية:

"كل ما فاعله أنه: يُحرّضُ، بالرغم من كل كفره، وبالرغم من كل إيمانهم فهم ينصاعون إليه، فما فائدة إيمانهم إذن؟! أنا أقر بقولي "لأغوينهم أجمعين إلا عبادك المخلصين" أنا لم أغو إنسانًا مخلصًا على كل حال، ولا أنوي فعل ذلك قط... وإنما الفاعل هو أنا بعقلي أنا، ولكن بأيديهم هم، بالرغم من كل المعاصي والأخطاء والآثام التي يرتكبونها، حيث هم المستفيدون الوحيدون منها ولست أنا" ص (31).

تقوم المفارقة هنا على أن إبليس، الذي يُفترض أن يكون مصدر الإغواء، يتحول إلى صوت يكشف مسؤولية الإنسان عن أفعاله، ويضع ادعاء البراءة موضع مساءلة. فالإغواء لا يلغي الإرادة، والتحريض لا يعفي من المسؤولية، كما أن الإيمان المعلن لا يضمن استقامة السلوك. ومن خلال هذه المفارقة الساخرة، يوجّه الكاتب نقده إلى مجتمع يتذرع بالمبادئ والقيم، بينما يناقضها في ممارساته، ويعيد إنتاج الخطيئة ثم يبحث عن جهة أخرى يتحملها تبعاتها.

وبذلك تتكامل الرؤيتان في القصتين؛ فالأولى تواجه سلطة القهر بإرادة الرفض، والثانية تواجه التبرير الأخلاقي بكشف المسؤولية الإنسانية. وبينهما تتشكل رؤية تنظر إلى الخلاص بوصفه فعلًا يبدأ من الوعي، ويتطلب مواجهة السلطة من جهة، ومساءلة الذات من جهة أخرى. فالإنسان ليس ضحية التاريخ والجلاد فحسب، بل هو أيضًا مسؤول عن اختياراته، وعن الدور الذي يؤديه في استمرار منظومة القهر أو كسرها.

التميّز والخروج عن المألوف

يتجلّى تميّز كتاب "بنات الخائبات" في اختياره شكلًا سرديًا يقوم على قصتين طويلتين نسبيًا، بدلًا من توزيع التجربة على مجموعة من النصوص القصيرة المتعددة. ويمنح هذا الاختيار العمل خصوصية فنية، إذ يتيح للكاتب مساحة أوسع لتطوير الشخصيات، وتوسيع التداعيات النفسية والفلسفية، وبناء عوالم فنتازية تتداخل فيها الأسطورة بالتاريخ والواقع. وإذا كانت القصتان تتجاوزان من حيث امتدادهما بعض خصائص القصة القصيرة التقليدية، فإن تحديد جنسهما الأدبي بدقة، سواء أكانتا قصتين طويلتين أم نوفيلا، يظل مرتبطًا ببنيتهما السردية وخصائصهما الفنية، لا بطولهما وحده.

ويبرز الخروج عن المألوف أولًا في هذا الامتداد السردي الذي يسمح بالتوغل في تيار الوعي، وتكثيف التداعيات النفسية والأسطورية، وتطوير الصراعات من دون استعجال الوصول إلى نهاياتها. فالنصان لا يعتمدان على الحدث وحده، بل يوسعان مجال الحكاية من خلال استدعاء الذاكرة والتاريخ والرموز، بما يجعل التجربة أكثر انفتاحًا على التأويل.

ويظهر التميّز كذلك في الوحدة الموضوعية التي تربط القصتين على الرغم من اختلاف مساريهما. فالقصة الأولى تنشغل بالقمع والاستبداد وإمكان المقاومة، فيما تتجه الثانية إلى الخديعة والتواطؤ ومسؤولية الإنسان عن أفعاله. غير أن هذا الاختلاف لا يؤدي إلى التباعد، بل يجعل النصين متكاملين في مساءلة أزمة الإنسان أمام التاريخ والسلطة والضمير. ومن هنا تتشكل وحدة دلالية تقوم على مواجهة القهر الخارجي من جهة، وكشف التناقض الداخلي في سلوك الإنسان من جهة أخرى.

أما على المستوى الأسلوبي، فيمنح الامتداد السردي الكاتب فرصة لتكثيف التجريب اللغوي والتدويني، من خلال الصور الشعرية، والتناصات التاريخية والأسطورية، والهوامش التي تحاكي الكتابة التوثيقية، فضلًا عن التشكيل البصري الذي يجعل اللغة أقرب إلى مشاهد متحركة. ولا تأتي هذه الأدوات منفصلة عن الرؤية الفكرية، بل تسهم في بنائها، وتدفع القارئ إلى إعادة النظر في الحدود الفاصلة بين الواقع والتخييل، وبين الوثيقة والاختلاق، وبين الحكاية والتأمل الفلسفي.

وعليه، فإن تميّز "بنات الخائبات" لا يكمن في قلة عدد قصصه أو طولها وحدهما، بل في الطريقة التي استثمر بها علي السباعي هذا الشكل لبناء تجربة سردية تجمع بين وحدة الموضوع وثراء الدلالة، وبين الجرأة الفكرية والتجريب الأسلوبي. فالقصتان لا تكتفيان بعرض مأساة الإنسان في مواجهة القهر، بل تضعانه أمام أسئلة الحرية والمسؤولية والقدرة على التغيير، وتفتحان الحكاية على فضاء تتداخل فيه المأساة بالسخرية، والتاريخ بالأسطورة، والواقع بالفنتازيا. وهذا ما يمنح الكتاب خصوصيته، ويجعل قراءته مدخلًا إلى فهم مشروع قصصي يراهن على التجريب بوصفه وسيلة لإعادة مساءلة الإنسان وعالمه.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين ترتدي المرأة قناع الرجل لتنجو

قراءة في رواية (الشنبيشة) للكاتب عبد الكريم مختار الجربي
قراءات

حين ترتدي المرأة قناع الرجل لتنجو قراءة في رواية (الشنبيشة) للكاتب عبد الكريم مختار الجربي

ليست كل الحكايات التي تبدأ بالمأساة تنتهي عند حدودها؛ فبعضها يتحوّل إلى رحلة طويلة في مقاومة الخوف، واستعادة الحياة من بين أنياب القهر. وهذا ما تمنحه رواية «الشنبيشة» للكاتب عبد الكريم مختار الجربي، لقارئها، إذ تتخذ من مصير امرأة ليبية حكايةً إنسانية تتجاوز حدود التجربة الفردية لتطرح أسئلة أوسع عن…

· 5 د
رواية «حكاية الجارية» للكاتبة الكندية مارغريت أتوود: حياة امرأة تحت سلطة جلعاد
قراءات

رواية «حكاية الجارية» للكاتبة الكندية مارغريت أتوود: حياة امرأة تحت سلطة جلعاد

تروي «حكاية الجارية» للكاتبة الكندية مارغريت أتوود،حياة وتجربة امرأة انتُزعت من حياتها السابقة، وأصبحت تُعرف باسم أوفريد في جمهورية جلعاد، الدولة الدينية الاستبدادية التي تأسست على أنقاض الولايات المتحدة الأمريكية. لم تبدأ هذه الحكاية بشرح الانقلاب ولا أسبابه ومنفذيه، لكنها انطلقت بذاكرة جماعية…

· 5 د
(حين يحرق الأوروبيون مدنهم..)

قراءة نقدية بسيطة في مقال الأستاذ شوقي كريم حسن
قراءات

(حين يحرق الأوروبيون مدنهم..) قراءة نقدية في مقال الأستاذ شوقي كريم حسن

اياد خضير نحن أمام مقال وجداني دفاعي بامتياز، ينطلق من فكرة المقارنة ليصل إلى الإنصاف.. الكاتب شوقي كريم حسن يفتتح بجملة صادمة ومقصودة: (حين يحرق الأوروبيون مدنهم يُسمى غضبا وحين يثور العراقيون يُتهم بالتخريب) هذه ليست مجرد جملة خبرية، بل هي حجة بلاغية تسمى ( الكيل بمكيالين). يضع القارئ أمام تناقضه…

· 2 د