انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

رواية «حكاية الجارية» للكاتبة الكندية مارغريت أتوود: حياة امرأة تحت سلطة جلعاد

حميد عقبي
حميد عقبي

كاتب وناقد ومسرحي يمني

5 دقائق للقراءة
13 مشاهدة
رواية «حكاية الجارية» للكاتبة الكندية مارغريت أتوود: حياة امرأة تحت سلطة جلعاد
مشاركة:

تروي «حكاية الجارية» للكاتبة الكندية مارغريت أتوود،حياة وتجربة امرأة انتُزعت من حياتها السابقة، وأصبحت تُعرف باسم أوفريد في جمهورية جلعاد، الدولة الدينية الاستبدادية التي تأسست على أنقاض الولايات المتحدة الأمريكية. لم تبدأ هذه الحكاية بشرح الانقلاب ولا أسبابه ومنفذيه، لكنها انطلقت بذاكرة جماعية لنساء محتجزات في قاعة رياضية تحولت هذه القاعة إلى مكان للتدريب والإخضاع. يتعلمن النساء المحتجزات فنون الهمس وتبادل الأسماء خفية. سنلاحظ ومنذ البداية، يظهر أن الاحتفاظ بالاسم أو الذاكرة صار فعلاً محفوفًا بالخطر والعقاب يكون قاسيًا قد يصل إلى فقع عين، وهنا فإن النجاة تتطلب حذرًا ومراقبة كل كلمة وحركة ونظرة وعدم الوثوف بأي شخص.
تعيش أوفريد في بيت أحد القادة و تكون مهمة زوجته أن تحمل منه طفلًا يُنسب إلى أسرته، في مجتمع يعاني تراجع الإنجاب وانتشار العقم والتشوهات، وسط التلوث والأمراض. يستثمر النظام هذه الأزمة ليحوّل الخصوبة إلى مورد تسيطر عليه الطبقة الحاكمة. ترتدي الجواري الأحمر، وترتدي الزوجات الأزرق، وتتولى نساء أخريات الخدمة المنزلية. تحدد الملابس مكانة المرأة ووظيفتها، وتُمنع أوفريد وكل الجواري من القراءة والكتابة وامتلاك أي حياة مستقلة.
سنلاحظ أن اسم أوفريد نفسه هو علامة تبعية، كونه يعني انتسابها إلى رجل اسمه فريد. لكنها تحتفظ باسمها الأصلي في داخلها، دون أن تفصح عنه للقارئ. غرفتها فقيرة بالأشياء، وقد أُزيلت منها الوسائل التي قد تساعدها على الانتحار. يسمح لها بالخروج للتسوق بصحبة جارية أخرى، ونفهم من خلال تعابير الوجه والاشارات والحذر أن هذه الصحبة هي أيضًا وسيلة من وسائل التجسس والرقابة.
سنرى مشاهد مرورهما بجدار تُعلَّق عليه جثث المعدومين، وندرك أن الموت أصبح واقعًا معاش وجزءًا من الطريق اليومي، فالقسوة تتغلغل إلى معنى الحياة العادية.
تعود الذاكرة إلى أوفريد، في شكل شظايا ومشاهد من ذلك الزمن الذي كانت فيه موظفة، تملك مالها، وتعيش مع زوجها لوك وابنتهما. بعد اغتيال الرئيس ومهاجمة الكونغرس، تُعلن الطوارئ ويُعلَّق الدستور، وتبدأ الرقابة والحواجز. ثم تُجمَّد حسابات النساء وتصادر أموالهن ويُمنعن من العمل، وتنتقل أموالهن إلى الرجال. يتكشف الاستيلاء على المجتمع عبر إجراءات تبدو مؤقتة وتتطور إلى أن تصبح واقعًا. يطمئنها لوك بأنه سيعتني بها، لكنها تشعر بأن التوازن بينهما تبدل، وأن استقلالها اختفى حتى داخل العلاقة التي كانت تسودها الحب.
يحاول الثلاثة الهرب بجوازات مزورة، فتفشل المحاولة ويُفصل بعضهم عن بعض. لا تعرف أوفريد مصير لوك، وتتشبث باحتمالات متناقضة؛ فربما قُتل، وربما اعتُقل، وربما نجا. تُنتزع ابنتها وتُسلَّم إلى أسرة أخرى. وبسبب زواج لوك السابق فقد أتخذ للنظام هذا باعتبار أن علاقتهما لم تكن شرعية. فالسلطة الجديدة تعيد تصنيف الماضي كما يحلو لها، وتحوّل الأسرة التي عاشتها أوفريد إلى تهمة، والأمومة التي عرفتها إلى سبب لاختيارها للإنجاب تحت الإكراه وتكون جارية.

قبل أن يتم إرسالها إلى بيت القائد، تخضع في «المركز الأحمر» لتدريب تشرف عليه «العمات»، وفي مقدمتهن العمة ليديا. يمزجن الوعظ بالعقاب، ويقدمن الخضوع بوصفه حماية وامتيازًا وطاعة للرب. تتعدد المشاهد التي تكشف كيفية صناعةالذنب وتُستخدم النساء لتأديب والتلصص على بعضهن ، وهكذا يكبر الخوف ويتمكن من تحوّيل الضحايا إلى مشاركات في إذلال رفيقاتهن.

رواية «حكاية الجارية» للكاتبة الكندية مارغريت أتوود: حياة امرأة تحت سلطة جلعاد

في بيت القائد، نرى الاستغلال الجنسي يأخذ شكل طقس رسمي تسبقه قراءة دينية. تستلقي أوفريد بين ساقي سيرينا، وتمسك الزوجة بيديها بينما يجامعها القائد بقصد الإنجاب. يحاول هذا التنظيم الصارم إلغاء أي مشاعر وإظهار ما يحدث باعتباره واجبًا. وتتحمل المرأة تبعة عدم الحمل، لأن الخطاب الرسمي لا يعترف بعقم الرجال. عندما يعرض الطبيب على أفرويد تلقيحها سرًا، تخشى الفخ والعقوبة؛ فحتى المساعدة المحتملة تأتي من رجل يستطيع تقرير مصيرها.
توضح ولادة جانين طبيعة هذه الأمومة المسلوبة. تتجمع الجواري حولها ويشاركنها التنفس والألم، بينما تحاكي زوجة القائد الولادة، ثم تتسلم الطفلة وتسميها. يُسمح للأم بإرضاعها مؤقتًا قبل نقلها إلى بيت آخر لتكرر المهمة. تجمع اللحظة فرحة النجاة وقسوة المصادرة؛ فالطفل الذي يمنح الجارية حماية من النفي لا يصبح جزءًا من حياتها ولا تُمنح ميزة أو حق أو راحة فجسد المرأة ليس ملكًا لها. وترى أوفريد في هذا المشهد صورة أخرى لفقد ابنتها.
تتغير حياة أفرويد عندما يستدعيها القائد إلى مكتبه سرًا. تتوقع مطلبًا جنسيًا، لكنه يريد لعب الكلمات، ثم يتيح لها قراءة مجلات وكتب ممنوعة. تصبح قراءة كل حرف وكلمة متعة محرمة، وتتحول المجاملة إلى مورد تفاوض. يريد منها قبلة توحي بالرغبة، كأنه يبحث عن قبول يعفيه من رؤية نفسه مغتصبًا. وتكتشف أن الجارية السابقة انتحرت بعدما علمت سيرينا بعلاقتها السرية به؛ فتفهم أن امتيازاتها الصغيرة لا يمكنها أن تحميها من تكرار المصير.
تتعدد الأحداث ونصل إلى شكوك سيرينا في قدرة زوجها على الإنجاب، فتقترح أن تنام أوفريد مع السائق نيك، وتغريها بإحضار صورة ابنتها. تؤكد الصورة أن الطفلة حية، لكنها تكشف أيضًا استمرار حياتها بعيدًا عن أمها. تنشأ علاقة مع نيك تتجاوز الصفقة، وتعود إليه أوفريد بمبادرتها. تستعيد إحساسها بجسدها ورغبتها، وتظن أنها ربما حملت منه. يصبح القرب منه ملاذًا يجعلها تقلل من تفكيرها بالهرب، رغم أنها لا تعرف حقيقة ولائه.
تكثر أحداث العنف وخلال إعدام جماعي، يُطلب من الجواري إلى تمزيق رجل تم اتهامه بالاغتصاب امرأة حامل. تضربه أوفغلين لتفقده الوعي، ثم توضح أنه من المقاومة وأنها حاولت اختصار عذابه.يتفنن النظام في استخدام غضب النساء لتصفية خصومه، ويمنحهن لحظة عنف تعوض عجزهن دون أن تغيره.
تروي أوفريد هذه الوقائع بذاكرة متقطعة، وتصحح أحيانًا ما قالته، أو تعترف بأنها تخيلت مشهدًا على نحو لم يحدث وتتذكر مشاد من اللحظات الأخيرة لسقوط النظام السابق وقيام هذا النظام المستبد. لا تعرف كل شيء، ولا تقدم نفسها بطلة خارقة أو منقذة للعالم. تشعر بمشاعر متناقضة، وتخجل من رغبتها في النجاة على حساب الآخرين. بالكثير من هذه التفاصيل يصبح السرد محاولة للاحتفاظ بالشخصية التي يسعى النظام إلى اختزالها في وظيفة، وينشعر أن الكاتبة اجتهدت وحاولت أن يصل صوت هذه المرأة إلى مستمع يؤمن بأن حياتها تستحق أن تُروى.
تختفي أوفغلين، وتخبر بديلتها أوفريد بأنها انتحرت ولكننا نكتشف أنه تم اعتقالها واعدامها مع زوجتها. في النهاية تصل سيارة سوداء، ويؤكد نيك أن رجالها تابعون للمقاومة ويطلب منها الوثوق بهم. تصعد دون أن تعرف أهي نجاة أم نهاية. وفي تأتي الخاتمة التي تقع في سنة 2195، يناقش باحثون تسجيلات أفرويد المكتشفة، دون حسم مصيرها. يوحي انشغالهم بهوية القائد أكثر من تجربتها بأن استعادة التاريخ قد يحدث ويتكرر تهميش الضحية؛ لكن الكاتبة تنجح في غرس صوتها في نفس وضمير القارئ٠
صدرت الرواية سنة 1985، ووقد بدأت مارغريت أتوود بالكتابة لشعرية، ثم امتدت تجربتها إلى الرواية والقصة والنقد. نالت بوكر مرتين، عن «القاتل الأعمى» و«الوصايا»، ووصلت أعمالها إلى قراء في عشرات البلدان. تجتمع في كتابتها الاهتمام بمصائر النساء والسلطة والبيئة، وتتفنن في خلق سخرية تلتقط تناقضات الشخصيات وتمنحها حضورًا يتجاوز الأفكار.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠١:٠١ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

سؤال التراث والحداثة:

رؤية المفكر محمد عابد الجابري
قراءات

سؤال التراث والحداثة: رؤية المفكر محمد عابد الجابري

باحثة وأكاديمية | مغربية يعتبر التراث معطى حضاريا، ومقوما من مقومات الهوية العربية – الاسلامية، لهذا دعا المفكر المغربي: "محمد عابد الجابري"، إلى ضرورة التوجه نحو استيعاب تراثنا العربي – الإسلامي، إلى جانب التراث الثقافي الإنساني،بمثل" سعة الأفق وعمق النظر"، الذي تعامل به فلاسفة دار الاسلام مع…

· 3 د
حين ترتدي المرأة قناع الرجل لتنجو

قراءة في رواية (الشنبيشة) للكاتب عبد الكريم مختار الجربي
قراءات

حين ترتدي المرأة قناع الرجل لتنجو قراءة في رواية (الشنبيشة) للكاتب عبد الكريم مختار الجربي

ليست كل الحكايات التي تبدأ بالمأساة تنتهي عند حدودها؛ فبعضها يتحوّل إلى رحلة طويلة في مقاومة الخوف، واستعادة الحياة من بين أنياب القهر. وهذا ما تمنحه رواية «الشنبيشة» للكاتب عبد الكريم مختار الجربي، لقارئها، إذ تتخذ من مصير امرأة ليبية حكايةً إنسانية تتجاوز حدود التجربة الفردية لتطرح أسئلة أوسع عن…

· 5 د
قراءة لرواية " العنكبوت" للروائي قصي عسكر
قراءات

ثيمة العنكبوت الرمزية في "رواية العنكبوت" للروائي قصي الشيخ عسكر

ثيمة العنكبوت الرمزية في "رواية العنكبوت" للروائي قصي الشيخ عسكر: منذ اللحظة الأولى، حين يباغتنا نص الرواية بصورة عابرة في صحيفة أجنبية عن عنكبوت يبني بيته في أذن إنسان، نكتشف أننا أمام نص لا يقنع بالحكاية الظاهرية ولا يركن إلى السرد الخطّي، بل يجترح أسطورته الخاصة من تفاصيل الحياة اليومية، ليبني…

· 6 د