انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

التلال الكاذبة في الشيب ميسان تستيقظ في الذاكرة: من جبهة الحرب إلى مائدة السمك

حمدي العطار
حمدي العطار

ناقد وأديب عراقي

6 دقائق للقراءة
10 مشاهدة
التلال الكاذبة في الشيب ميسان تستيقظ في الذاكرة: من جبهة الحرب إلى مائدة السمك
مشاركة:

ليست المدن أماكن نعبرها لقضاء أعمالنا فحسب، بل قد تتحول شوارعها ومعالمها إلى مفاتيح تفتح أبواباً موصدة في الذاكرة. فهناك أماكن نغادرها بأجسادنا، لكنها تظل تسكننا بما تركته من وجع وخوف ومواقف لا تنسى. وقد تكون زيارة عابرة كافية لاستعادة سنوات كاملة بكل ما حملته من قسوة ومفارقات ثم تنتهي بنا إلى تفاصيل يومية بسيطة تعيد إلينا شيئاً من طمأنينة الحياة.

ذهبت اليوم برفقة صديقي محمد إلى محافظة ميسان لقضاء بعض الأعمال. وما إن انتهينا منها حتى بدأت الذكريات القديمة تهاجمني، وأنا أستعيد أيام خدمتي العسكرية في الفيلق الرابع بالعمارة. لم أمكث هناك طويلاً، فقد كانت التقارير الأمنية والاستخبارية تلاحقني أينما ذهبت، وتؤكد ضرورة عدم  إبقائي في "الخطوط الخلفية". وسرعان ما نقلت إلى الفرقة الرابعة عشرة، التي كانت تتولى مهام المدفعية وأجهزة المخابرة في قاطع الشيب.

وأثناء تجوالنا اليوم كانت عيناي تلتقطان أسماء الأماكن ومعالمها ولا سيما منفذ الشيب الحدودي، الذي قرأت أنه أُغلق قبل أيام. لم يكن الاسم بالنسبة إليّ مجرد منفذ حدودي، بل بوابة واسعة انفتحت على ذكريات جبهة عسكرية عشت فيها مواقف صعبة وتركت في داخلي آثاراً لا تمحوها السنوات.

التلال الكاذبة في الشيب

ميسان تستيقظ في الذاكرة: من جبهة الحرب إلى مائدة السمك

كنت أعمل في موقع قريب من منطقة "الحجابات"، وكنا نحدد الأهداف العسكرية بالاستناد إلى بعض المعالم الطبيعية المحيطة بنا؛ شجرة هنا، أو تل هناك. وكانت التلول كثيرة في منطقة الشيب، حتى إن بعضها كان يربك الحسابات ويثير الحيرة.

أتذكر أن آمر مدفعية الفرقة زارنا ذات مرة، وسأل ضابط الصف المعين عن موقع أحد الأهداف الذي أشير إليه بأنه يقع "تحت التل". لكن الآمر لم يستطع رؤية التل المقصود، فبدا ضابط الصف محرجاً، ولا سيما أنه كان يخشى مواجهة أصحاب الرتب العسكرية العالية. عندها تدخلت وقلت للآمر إن هذا من "التلول الكاذبة".

نظر إليّ مستغرباً وسألني: ماذا تقصد بالتلول الكاذبة؟

أجبته بأننا نشاهد هذه التلول في مكان معين اليوم، ثم نراها بعد أيام في مكان آخر! لم يكن ذلك وصفاً جغرافياً دقيقاً بقدر ما كان محاولة للخروج من موقف محرج، وإضفاء شيء من الطرافة على أجواء مشحونة بالخوف والتوتر. وقد استوقفتني هذه الصورة لاحقاً، فكانت منطلقاً لقصة نشرتها بعنوان "القمر في التلال الكاذبة".

هكذا تتحول التفاصيل الصغيرة حتى تلك التي تمر في لحظة عابرة إلى بذور للكتابة، إذ قد تختبئ وراء موقف عسكري بسيط حكاية إنسانية قابلة للاستعادة والتأمل، وتتحول التجربة الشخصية إلى مادة أدبية تتجاوز حدودها الأولى.

*بين الشظية والموت المؤجل

لم تكن ذكريات الشيب مجرد حكايات طريفة عن التلول، بل استعدت معها مشاهد أكثر قسوة. تذكرت إصابتي بشظية في ساقي حين كنت في المرصد، وكيف نجوت من إصابة أشد خطورة بعدما لم تكسر الشظية العظم. عادت إليّ تلك اللحظة بكل ما فيها من ألم وقلق، وكأنت السنوات التي تفصلني عنها لم تكن سوى مسافة قصيرة.

وتذكرت أيضاً كيف أفلتُّ من موت كنت أراه محتملاً، حين نقلت كتيبتنا إلى منطقة الفاو، التي كانت القوات الإيرانية قد سيطرت عليها في ذلك الوقت. كانت الحرب تضع الإنسان أمام احتمالات لا يملك السيطرة عليها وتجعله معلقاً بين النجاة والخطر منتظراً ما قد يأتي به اليوم التالي.

لكن الحياة على الرغم من قسوتها قد تفتح أحياناً نافذة غير متوقعة. فقد جاء الفرج بالنسبة إليّ عندما قُبلت في جامعة بغداد، بعد أن كنت الأول على المعهد في قسم المحاسبة. وكان القرار يقضي بتسريح الأوائل من المعهد لإكمال دراستهم الجامعية لمدة سنتين. وهكذا وجدت نفسي أمام طريق جديد بعيداً عن الجبهة وأصوات المدافع ومخاوف الميدان.وقريبا من زوجة المستقبل!

كلما استعدت تلك المرحلة أدركت كيف يستطيع الإنسان أن يتكيف مع أصعب الظروف وأن يتمسك بالأمل حتى عندما تبدو الخيارات محدودة. فالحياة لا تسير دائماً وفق ما نخطط له وقد تأتي فرصة واحدة لتغير مسار سنوات كاملة. وربما لا ندرك قيمة النجاة إلا بعد أن نبتعد عن الخطر وننظر إلى الماضي من مسافة تسمح لنا بفهم ما حدث.

التلال الكاذبة في الشيب

ميسان تستيقظ في الذاكرة: من جبهة الحرب إلى مائدة السمك

*من تلول الحرب إلى رائحة السمك المقلي

على الرغم من ثقل الذكريات، كنت مصراً على ألا أغادر العمارة قبل أن أتناول وجبة من السمك المقلي. بدت لي هذه الرغبة بسيطة لكنها كانت تحمل شيئاً من الحنين إلى المدينة وأهلها ومذاقاتها الشعبية.

تذكرت أحد الجنود من أبناء العمارة الذي كان يصطاد سمك "الزوري" الصغير ليلاً، ثم يقليه ويتناوله في الصباح. كنا نمزح معه بسبب عادته هذه فيرد علينا بسخرية لا تخلو من الثقة: "اذهبوا وكلوا قيمر!".

كانت جملته تختصر اختلاف الأذواق والعادات، وتكشف عن روح الدعابة التي يتمسك بها الإنسان حتى في الظروف الصعبة. ففي حياة الجنود، لم تكن الحكايات الصغيرة والطعام الشعبي مجرد تفاصيل هامشية بل كانت وسائل للتخفيف من وطأة الحرب واستعادة شيء من الحياة الطبيعية التي حرموا منها.

وعند الساعة الحادية عشرة صباحاً، وجدت نفسي برفقة صديقي محمد أمام وجبة السمك التي أصررت على تناولها قبل مغادرة المدينة. جلسنا في أحد المطاعم المعروفة على كورنيش العمارة، وهو مطعم "الدكتور"، الذي يقدم أنواعاً مختلفة من الأسماك النهرية والمحلية، بطرائق متعددة، من السمك المسقوف إلى السمك المقلي.

كانت المائدة تضم سمك الزوري، الذي ارتبط في ذاكرتي بذلك الجندي وبأيام الجبهة، إلى جانب أنواع أخرى من الأسماك التي تشتهر بها المنطقة، مثل البني والكطان والشبوط والزبيدي وغيرها مما توفره مياهها وأسواقها المحلية.

لم تكن الوجبة بالنسبة إليّ فقط طعام نتناوله في نهاية زيارة قصيرة، فقد اختلطت نكهتها بذكريات الجنود وأحاديثهم ومواقفهم اليومية، وبأيام كانت فيها الحياة معلقة على قرار عسكري أو خبر يصل من الجبهة. وبين لقمة وأخرى بدا الماضي أقرب مما توقعت كأنني أستعيد تلك السنوات لا عبر الصور وحدها، بل عبر الروائح والنكهات والأسماء التي بقيت عالقة في الذاكرة.

خاتمة: حين تكذب التلال وتصدق الذاكرة

عدت من ميسان بعد يوم واحد، لكنني لم أعد محملاً بما أنجزته من أعمال فحسب، بل بحمولة من الذكريات التي أعادتني إلى زمن الحرب، وإلى الشظية التي أصابت ساقي، وإلى الخوف الذي كان يرافقنا، ثم إلى اللحظة التي فتحت لي باب الجامعة والحياة من جديد.

لقد بدت لي "التلول الكاذبة" أكثر من مجرد تسمية أطلقتها في موقف عسكري محرج؛ إنها صورة تختصر شيئاً من طبيعة الحياة نفسها، حيث تتغير المواقع والوجوه والظروف، ويصعب أحياناً أن نميز بين ما نراه وما نظنه ثابتاً. أما الذاكرة فعلى الرغم من تقلباتها فإنها تحتفظ بتفاصيل قد تبدو صغيرة لكنها قادرة على استعادة زمن كامل.

وبين تلول الشيب التي تختلط فيها ملامح الأرض ومائدة السمك في كورنيش العمارة، أدركت أن الإنسان لا يغادر ماضيه نهائياً، فهو يحمله معه وقد تستدعيه شجرة أو تل أو اسم منفذ حدودي كما قد تستحضره وجبة سمك بسيطة.

وهكذا كانت رحلتي القصيرة إلى ميسان رحلة أخرى في أعماق الذاكرة: من جبهة الحرب إلى مقاعد الجامعة، ومن احتمال الموت إلى متعة الحياة، ومن التلول الكاذبة إلى الحكايات الصادقة التي تظل حية في داخلنا مهما طال الزمن.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:١٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

نخب رولان بارت على قبور الضحايا
قراءات

نخب رولان بارت على قبور الضحايا

منذ دراستي لشعر الانتفاضة قبل ثلاثين عاما، وأنا أعدّ رسالة الماجستير حول "السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم بين عامي 1948- 1993" وإلى الآن، ما زلت أصطدم بسؤال النقاد المثار حول قصيدة الانتفاضة: هل ارتقت القصيدة للفعل على الأرض؟ وكان أغلب النقاد يرون في أغلب الشعر أنه مباشر ولا يرتفع بفنيته لمقام…

· 7 د
ما لا تقوله الألسنة

الحوار الصامت والمبطن في رواية (أنثى الفصول الأربعة) لأحمد طايل
قراءات

ما لا تقوله الألسنة الحوار الصامت والمبطن في رواية (أنثى الفصول الأربعة) لأحمد طايل

يدخل القارئ رواية «أنثى الفصول الأربعة.. وجه آخر للحياة» للروائي المصري أحمد طايل فيظنها، للوهلة الأولى، رواية كلام: الشخصيات تحكي وتتجادل وتوصي وتخطب، والحكايات تتوالد من الحكايات، من حكايات الجد في ليالي القرية إلى سيرة عايدة الغزاوية التي تسرد تاريخ أبيها كأنها تقرأ من كتاب. غير أن من يطيل…

· 14 د
أقنعة الحب والموت والثورة ‏
قراءات

أقنعة الحب والموت والثورة ‏

لعقود طويلة شغل الشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي الأوساط الثقافية العربية بقصائده الباهرة في مضامينها والخلاقة جمالياتها، وبمواقفه ‏الكبرى التي لم يساوم فيها إزاء قضايا وطنه وأمته فلم يصمت إزاء ما تعرض له الشعب العراقي ‏من محن وسجون وقمع للحريات وأتون حروب. ورغم مورده المادي المحدود عاش البياتي…

· 5 د