انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ما لا تقوله الألسنة الحوار الصامت والمبطن في رواية (أنثى الفصول الأربعة) لأحمد طايل

عبد القادر صيد
عبد القادر صيد

ناقد وأديب جزائري

14 دقائق للقراءة
9 مشاهدة
ما لا تقوله الألسنة الحوار الصامت والمبطن في رواية (أنثى الفصول الأربعة) لأحمد طايل
مشاركة:

يدخل القارئ رواية «أنثى الفصول الأربعة.. وجه آخر للحياة» للروائي المصري أحمد طايل فيظنها، للوهلة الأولى، رواية كلام: الشخصيات تحكي وتتجادل وتوصي وتخطب، والحكايات تتوالد من الحكايات، من حكايات الجد في ليالي القرية إلى سيرة عايدة الغزاوية التي تسرد تاريخ أبيها كأنها تقرأ من كتاب. غير أن من يطيل الإقامة في النص يكتشف أن أصدق لحظاته، وأكثرها حرارة، هي تلك التي يتوقف فيها الكلام: نظرة من شرفة إلى شرفة، يد تغلق بابا، رأس يهتز خلف زجاج غرفة العناية المركزة، شفتان تنفرجان أمام صورة امرأة راحلة ثم تعودان إلى الانطباق.

هنا، في هذه المنطقة التي لا يبلغها اللسان، تكتب الرواية حوارها الحقيقي. وهو حوار من نوعين متداخلين: حوار صامت تتولاه العين واليد والجسد والإيماءة، وحوار مبطن يقال فيه شيء ويراد غيره، أو يسكت فيه عن شيء ليقول السكوت ما لا تقوله العبارة. ولم يكن تراثنا البلاغي غافلا عن ذلك؛ فقد عد الجاحظ الإشارة صنفا من أصناف البيان إلى جانب اللفظ، وجعل منها «النصبة» التي وصفها بأنها «الحال الناطقة بغير اللفظ، والمشيرة بغير اليد». وفي رواية أحمد طايل تتسع هذه الحال الناطقة حتى تصير طريقة في رؤية العلاقات الإنسانية كلها.

الكرسي الهزاز: رواية تولد من صمت

تفتتح الرواية بمشهد يكاد يخلو من الكلام: رجل مسن، هو رؤوف، على كرسيه الهزاز، مغمض العينين، وأغنية «أغدا ألقاك» تصدح من حوله. كانت الأغنية «دويتو» يؤديه مع زوجته سميرة طوال عمرهما، يميلان برأسيهما ويرددان الكلمات بصوت خافت؛ أما الآن فقد صار يدندن وحده، والنصف الآخر من الغناء صمت. وليس اختيار الأغنية بريئا: فعنوانها سؤال عن لقاء مؤجل، وكأن الرجل يحاور زوجته الراحلة بلسان الهادي آدم وصوت أم كلثوم، ويسألها عن موعد لا يملك أحد أن يحدده.

ثم يقف أمام صورتها، «تنفرج شفتاه ليتحدث ثم تعاودان الإغلاق»، قبل أن ينطلق في مناجاة طويلة. وحين يحاول أن يصنع قهوته بيده لأول مرة، فتفور على النار، لا يكتفي بتذكرها بل يكتب لها ردها: «آه يا سميرة.. لو رأيت ما فعلت بالقهوة دونك، لعلت ضحكاتك المغردة، ولوضعت كفك الصغيرة على كتفي تربتين بحنان وتهمسين: دع الأمور لمن يجيدها وتفهمه». هنا يبلغ الحوار الصامت ذروته: الطرف الآخر غائب، لكن الحوار لا ينقطع، لأن الحاضر يعرف الغائب إلى حد يستطيع معه أن ينطق بلسانه.

والأهم أن الرواية كلها تبدو خارجة من هذا الكرسي. فالسرد يعود مرة بعد مرة إلى عبارة «أفاق من شروده»، ليكشف أن ما نقرؤه ليس إلا شريط الذاكرة يدور في رأس الرجل الجالس وحده. ولعل هذا ما يفسر انزلاق الضمير أحيانا من الغائب إلى المتكلم: «أسرع أبي لينهضه»، «مات الأب والعم بعد زواجي بستة أشهر»، «غادرت بصحبة مالك الموسوي». وسواء أكان هذا الانزلاق مقصودا أم أثرا من آثار الكتابة، فإنه يعمل لصالح النص: إنه الأنا الصامتة تخترق قناع الراوي، فتذكرنا بأن الرواية في جوهرها مونولوج طويل، حوار رجل مع ذاكرته في بيت لم يعد فيه من يرد.

حب يبدأ قبل اللغة

قصة رؤوف وسميرة قصة حب لم تحتج إلى الكلام كي تولد. فالصبي ذو السنوات الثماني يمنح المولودة اسمها قبل أن يعرفها أحد، ثم يواظب على زيارتها في مهدها. وهي، الرضيعة التي لا تعرف كلمة، كانت «عندما تبصره تتوقف تماما عن البكاء»، وتفتح عينيها وترتسم على شفتيها بسمة صغيرة «ترحيبا به». إنه حوار سابق على اللغة، والرواية تقدمه بوصفه أصل كل ما سيأتي؛ حتى إن أول كلمة وجهها إليها كانت اسمها نفسه، وآخر ما خلعه عليها قبل سفره كان اسما آخر: «لم يعد لدي وصف لك إلا أنثى الفصول الأربعة».

وحين يكبر الاثنان وتفرض العائلتان حاجز التباعد بين الفتيان والفتيات، لا ينقطع الحوار بل يغير وسيلته: «لا حديث بينهما إلا لغة العيون والبسمات المقتضبة، وإشارات سريعة بالأنامل». يقف هو في الشرفة، وتلتفت هي وهي ماضية إلى مدرستها، فترى كفه مرفوعة بالتحية؛ «تلمع عيناها وترفع كفها بحياء»، ثم تمضي بلا التفات، لأن الأخ الحارس يراقب. الرقابة لا تلغي الحوار، بل تجبره على أن يصير أكثر اقتصادا وأكثر كثافة. ويقول الراوي صراحة إن «بينهما لغات مشتركة؛ لغة العيون والبسمات الصغيرة التي كانت بمثابة رسائل»، ويعود في موضع آخر ليقرر أن «العيون أكثر الحواس تعبيرا عما تجيش به القلوب».

وتبلغ هذه اللغة أرق تجلياتها في ليلة الزفاف. لا كلمة واحدة تقال، بل مشهد كامل يدار بالجسد: تدخل العروس حجرتها «ولم تغلق الباب حرجا منه، فوقفت في منتصف الحجرة مولية ظهرها للباب. فهم مقصدها، فمد يده وأغلق الباب بهدوء». حياؤها يمنعها من إغلاق الباب في وجهه، وحياؤها نفسه يطلب منه أن يغلقه؛ والظهر المولى للباب جملة تامة يقرؤها الزوج بلا تردد. لقد أدار الكاتب هنا حوارا في سطرين أبلغ من صفحات من الكلام.

ولعل أوضح ما يعبر عن هذه الفلسفة جواب سميرة لزوجها في مكالمة من القاهرة إلى واشنطن، حين يداعبها سائلا: أجميعكم مشتاقون أم أنت التي تشتاقين؟ فتقول: «لا تخجلني، هذا إحساس لا يحتاج إلى قول». جملة تصلح عنوانا للرواية كلها.

ما لا تقوله الألسنة

الحوار الصامت والمبطن في رواية (أنثى الفصول الأربعة) لأحمد طايل

بيت يقرأ الوجوه

لا يقتصر الحوار الصامت على العاشقين، بل هو لغة بيت بأكمله. حين يقرر رؤوف خطبة سميرة، يجلس إلى أمه، يقبل جبينها ويربت عليها «دون أن ينطق بكلمة»؛ فتقول له: «تكلم.. قل كل ما تريد دون كل هذه المقدمات، أنا أمك وأعرفك». وحين يتلعثم بطلبه أخيرا، تنفجر ضاحكة: «هل تظن أنني لم أعرف ما تريد منذ أن جلست؟ كنت أعرف ذلك منذ سنوات». الكلام في هذا البيت يصل متأخرا دائما، لأن الصمت سبقه إلى المعنى.

ويعود الأب من الورشة فيجد الأسرة مجتمعة، فتتسمر قدماه ويتفرس في الوجوه، ثم تنفرج أساريره «حينما وجد في العيون بريقا». يظل صامتا، «والكلمات متوقفة على باب فمه»، وحين تخبره الزوجة يكتفي بأن يهز رأسه «مؤمنا على كلام زوجته دون أن ينبس بحرف»، ثم ينهض ويضم ابنه إلى صدره. حتى الخالة سحر، حين يطرقون بابها، «لم تتفوه بكلمة، بل تنحت جانبا وأشارت لهم بالدخول». أما العم نادي فيبادرهم: «ألمح في عيونكم أمرا ما»، ولا يجيبه أحد إلا بالضحك.

وفي هذا المشهد تحديدا يتسلل موروث ثقافي كامل: العروس تفر إلى حجرتها خجلا، فيقول أبوها: «العروس هربت من خجلها لكني أعرف الرد». إنه الحياء الذي جعل الموروث الفقهي يعد سكوت البكر إذنا، وقد استثمرته الرواية دون أن تشير إليه، فجعلت الصمت هنا موافقة كاملة لا تحتاج إلى توقيع.

ويتكرر الأمر عند خبر الحمل الأول. يتفق الزوجان على ألا يبادرا بالبشرى، «ليدعا لهما فرصة التخمين، فهما يدركان أن الأهل سيقرأون ملامحهما ويخمنون السبب». وتصدق النبوءة؛ تقول الأم: «أشعر منذ لحظة طرقكم الباب، ومن خطواتكم وحديثكم المقتضب ونظراتكم المتبادلة وتورد وجنتيك، أن هناك أمرا تودان البوح به». الخطوات والنظرات واحمرار الوجنتين: هذه هي الجملة التي قيلت فعلا، وما الهمس الذي أسرت به سميرة في أذن أمها إلا توقيع متأخر عليها.

الكتمان رحمة: الحوار المبطن بين الزوجين

إذا كان الحوار الصامت في الرواية يكشف، فإن الحوار المبطن فيها يستر. ففي سنوات العش الفارغ، بعد أن تفرق الأبناء في القارات، يجلس الزوجان «صامتين يتبادلان النظرات، أو حديثا مقتضبا». كل منهما يخفي وجعه عن الآخر: هي «كانت تهون عليه الأمر على الرغم من أنها كانت الأولى بأن يهون عليها»، وهو، كما يعترف أمام صورتها، كان يكتم ألمه لأنه يعرف أنها «تتوجع أكثر» منه. حوار كامل قائم على الإخفاء المتبادل؛ كل طرف يمثل التماسك أمام الآخر حماية له، وكلاهما يعرف أن الآخر يمثل. وهو يقرأ ما تخفيه في جسدها، «في تجاعيدها التي تزداد، وجسدها الذي يضمر، والهالات السوداء» تحت عينيها، ثم يرى ذلك كله يتلاشى حين يرن الهاتف بصوت أحد الأبناء.

لكن الرواية لا تجمّل هذا الكتمان بإطلاق، بل تدعنا نرى ثمنه. الأم تخفي نوبات إغمائها المتكررة، «ولم تكن تريد أن تزيد من قلقه»، حتى تنقل إلى المستشفى وقد تضخمت عضلة قلبها. وسميرة نفسها يكتشف مرضها في مرحلة متأخرة، فيصرخ زوجها في وجه الأطباء: كيف وهي لم تشك يوما؟ الصمت الذي كان لغة الحب يصير، في لحظة ما، جدارا يحجب الخطر. وفي هذه المفارقة يكمن ذكاء الرواية: فهي تحتفي بالحوار الصامت وتنبه إلى حدوده في آن واحد.

وحين يحين سفر رؤوف إلى أمريكا، تقول سميرة الكلام المنتظر منها: «الأهم عندي أن تحقق ذاتك؛ نجاحك هو نجاحنا جميعا». غير أن الراوي يكون قد أخبرنا قبلها بأنها كانت تنظر إليه «بنظرات تحمل النقيضين: الفرحة بتحقيق حلمه، والألم لمغادرته». اللسان يبارك والعين تودع؛ وبين الاثنين تتشكل الطبقة المبطنة من الحوار، تلك التي يفهمها الزوج جيدا، فـ«أطبق الصمت عليهما وهما يتبادلان النظرات الحانية».

بلاغة الخرس

في مواقف الفقد ينسحب الكلام تماما، ويترك مكانه لما يسميه النص غير مرة «الخرس». حين يبلغ العم نادي نبأ مقتل أخيه برصاصة طائشة في عرس، «لم ينطق بحرف، وكانت دموعه المنهمرة هي كلماته الوحيدة»، ثم يصيبه الحادث «بما يشبه الخرس، فاعتزل الكلام». وعند موت نادي نفسه، تحاول سميرة الصراخ «فما انصاع لها صوتها»، وتلتصق بأمها «التي صمت لسانها بينما كان يصرخ كل ما فيها». وهي عبارة تختصر جوهر الحوار الصامت: الجسد كله يتكلم حين يعجز اللسان.

ويتسع هذا الصمت حتى يصير لغة جماعية. تسير الجنازة إلى القرية «في صمت مطبق»، لا تطلق سيارة بوقها، والسيارات العابرة على جانبي الطريق «تشاطرهم المشهد بسكون تام، مع إشارات باليد إلى القلب تعبيرا عن العزاء». غرباء لا يعرفون الميت يتبادلون مع أهله عزاء بلا كلمة. وفي القرية، يوم وفاة الجد، يصير «الهمس هو لغة الأحاديث»، ويختفي الزعيق حتى بين المزارعين في حقولهم: حداد يمارس بخفض الصوت.

ومن أجمل مشاهد الرواية مشهد غرفة العناية المركزة. رؤوف مطالب بالعودة إلى القرية لتلقي العزاء في أبيه وعمه، وزوجته الحامل معلقة بين الحياة والموت خلف الزجاج: «نظر إليها خلف الزجاج وكأنه يستأذنها، ففتحت عينيها للحظة وهزت رأسها هزات خفيفة كأنها تأذن له بالذهاب». سؤال بلا صوت، وجواب بلا صوت، وحاجز من زجاج لا يمنع الحوار بل يكثفه. وتكرار «كأنه» و«كأنها» هنا ليس ترددا في الصياغة، بل هو أمانة الراوي إزاء حوار لا يملك أحد أن يجزم بمضمونه، وإن أيقن به الطرفان.

ما لا تقوله الألسنة

الحوار الصامت والمبطن في رواية (أنثى الفصول الأربعة) لأحمد طايل

محاورة الغائبين

تمتد شبكة الحوار الصامت إلى من رحلوا. فرؤوف يقف أمام قبر أبيه حاملا طفله، يزف إليه نبأ المنحة، ويجعل الرضيع «شاهدا على عهدي لك». والخنان عوض، صديق الجد، يمر على قبره في ذهابه إلى زرعه وفي عودته منه، ويجلس في المكان ذاته الذي كان يجالسه فيه، بل إنه، كما يروي العم، «يمارس حركات السيجة أو مصارعة الأذرع وكأن جدك ما زال أمامه». صورة مدهشة: رجل يلاعب خصما غائبا، يحرك قطعه ويترك له دوره، في حوار لا يعرف الموت طريقا إليه.

وتقوم علاقات الرواية الكبرى على ما تسميه الخالة سحر «عهدا غير مكتوب». حين ترحل أختها وابنة عمها، تصرخ: «كان بيننا عهد غير مكتوب بأن نكون معا حتى النهاية». والعهد غير المكتوب نفسه هو الذي جمع كاملا ونادي منذ الطفولة، حتى إن كاملا يسقط ميتا عند حافة قبر صديقه، كأنما يفي بما لم يتلفظ به يوما. إن أقوى المواثيق في هذا العالم هي التي لم تكتب ولم تقل.

ولا يقتصر الحوار مع الغائبين على العاطفة، بل يمتد إلى المعرفة. فالجد راغب حواش يطلق في آخر جلسة حكي نبوءته عن زمن يحكمه المال، ثم ينهض نافضا جلبابه ويترك الجالسين للدهشة. وبعد عقود يدعو ابن عم رؤوف إياه إلى الجلوس أمام بيته يوم الانتخابات، وقد «لمح تساؤله مكتوبا على جبينه»، ثم يدعه يشاهد: سيارات فارهة، مظاريف منتفخة، رجال يعترضون طريق الناخبين، «يهمس لهم، يمد يده إلى اليد الأخرى». مشهد صامت تماما، كأنه فيلم بلا شريط صوت، لكنه يرد على نبوءة الجد ردا لا يحتاج إلى تعليق، ولا يملك رؤوف بعده إلا أن يومئ برأسه ويستعيد حدس الأجداد.

صمتان: صمت الألفة وصمت الحذر

حين ينتقل رؤوف إلى واشنطن يتغير معنى الصمت. في القرية والحي الشعبي كان الصمت امتلاء: معرفة عميقة تجعل الكلام زائدا. أما في «الدولة المغناطيسية»، كما يسميها، فالصمت وصية للنجاة. صديقه بسام يحذره من أن هذه البلاد تريد من الناس أن «يشاهدوا ويصمتوا، ويخفوا ما رأوا بداخلهم حتى الممات»، ثم ينصحه: «اسمع، وشاهد، وتأمل، ولا تلق بالا». ويكرر علي طالبي الوصية نفسها تقريبا: «لا تنبهر ولا تندهش ولا تتساءل، شاهد واسمع وتأمل».

وتبلغ المفارقة ذروتها حين تزور الأم والخالة واشنطن. تقف الخالة قبالة البيت الأبيض وتطلق سخريتها بصوت عال، فيضطر رؤوف إلى وضع كفه على فمها، خشية أن يكون هناك من يفهم لغتها أو أجهزة تترجم. اليد التي أغلقت باب الحجرة حياء في ليلة الزفاف، هي نفسها التي تغلق فما خوفا في الغربة. صمتان متقابلان: صمت يصون الحميمي، وصمت يفرض على الناس من خارجهم.

وفي هذا الفضاء الجديد تكثر الشخصيات التي تحمل حكايات لا تحكى. مالك الموسوي، العراقي البشوش، يرى رؤوف في عينيه «ما يوحي بحزن مقيم، وبهما أيضا دموع متحجرة»، لكنه «لم يرد أن يقتحم خصوصياته»؛ وتظل حكايته، الآتية من سنوات الحرب العراقية الإيرانية، مطوية حتى الصفحة الأخيرة. والدكتور روبرت آدامز يستقبل طالبه الجديد بأن «اكتفى بالصمت والنظر إليه»، ثم يدون وهو يستمع خطوطا ودوائر ومثلثات لا يكشف لنا النص معناها أبدا. الصمت هنا ليس حنانا ولا حذرا، بل قراءة وتقييم.

أما عايدة الغزاوية، فهي الشخصية التي يتجاور فيها الكلام والصمت على نحو مؤلم. تحكي كثيرا وتضحك كثيرا، لكنها تنتهي، كما يقول الراوي، بأن «تضع رأسها في حجره وتجهش بالبكاء»، وبكاؤها يقترن أحيانا «بضحكات مقتضبة». وحين تحكي له عن غرفة بجدارين اثنين في غزة، ويطول صمته، تفهم الصمت سؤالا فتجيب عنه: «أنا أضحك لأن هناك من الوجع ما يجعلنا نضحك». وفي عمق حديثها حوار مقطوع مع السماء: «هل الله نسينا؟»، سؤال تطلقه ثم تتراجع عنه وتستغفر، ويبقى معلقا في الصفحة أثقل من أي جواب. وبعد أن تنقطع المكالمة «نزلت دمعة من عينيه تشاركها الوجع، من المؤكد أنها تعرف أنه يشعر بها». الحوار يستمر بعد أن يصمت الهاتف.

الأغنية لسانا ثالثا

وللأغنية في الرواية وظيفة الناطق بما يتحرج منه الناطقون. أشرنا إلى «أغدا ألقاك» في الافتتاح، ونضيف أن رؤوف حين يغمره خبر الحمل الأول يدندن وهو يرتدي ثيابه أغنية نجاة «بان علي حبه»، وحين يخرج من حمامه قبيل السفر يصفر «يا وابور قل لي رايح على فين»، فتطرح الأغنية عن وجهته السؤال الذي لا يجرؤ هو على طرحه بصوت عال. وعايدة، بعد أن تفرغ وجع فلسطين في سهرة الترحيب، لا تختم بخطبة أخرى بل بأغنية من أغاني الحناء ووداع الشهداء: «أنا الغريبة وهيلوا يا دمعتي». إنها لا تقول إنها منفية، بل تغني ذلك. والأغنية في هذا كله لسان ثالث، يقول ولا يحاسب على ما قال.

حين يعلو الصوت

وإنصافا للرواية ولقارئها، لا بد من الإشارة إلى أن هذه البلاغة الصامتة تعيش جنبا إلى جنب مع نزعة معاكسة: نزعة التصريح. فالرواية حين تنتقل إلى الشأن العام، أمريكا والانفتاح والتوريث الوظيفي وتبدل القيم، كثيرا ما تمنح شخصياتها خطبا طويلة تقول الموقف كاملا ولا تترك للقارئ شيئا يستنتجه، حتى لتتقارب أصوات بسام وعايدة وعلي طالبي في هذا الباب. وهنا يشعر القارئ بالمسافة بين رواية تثق بالإيماءة في الحب والفقد، ورواية تخشى أن يضيع المعنى إن لم يعلن في الفكر والسياسة. ولعل الكاتب أراد هذه المقابلة عن قصد، ليضع خصوصية تصونها الإشارة في مواجهة عالم عام صار السكوت فيه ضربا من التواطؤ. غير أن الدرس الذي تعلمنا إياه الرواية نفسها، في أجمل صفحاتها، هو أن ما يقال بالنظرة يبقى أطول مما يقال بالخطبة.

من «لم ولن يفهموا» إلى «قرأتم ما بداخلي»

إذا تأملنا قوس الرواية من أوله إلى آخره، وجدناه قائما على الحوار الصامت ذاته. في البداية يشكو رؤوف أمام صورة زوجته أبناءه الذين عادوا بعد الأربعين إلى حياتهم: «ضجرت وتذمرت، وظهر هذا جليا على ملامحي ونبرات صوتي، ولكنهم لم ولن يفهموا». إنه رجل تكلم بملامحه فلم يقرأه أحد. وفي موضع آخر يحمل سؤالا لم يبح به لأحد؛ يمر بمكان البيت القديم المبيع فيفكر في إعادة شرائه وبنائه، ثم يتراجع متسائلا: «لمن أبني؟»، ويصف الراوي هذا السؤال بأنه «ينهش داخله حتى الآن».

وفي الخاتمة يقف الرجل نفسه أمام البيت الكبير وقد أعيد بناؤه، لا يحرك ساكنا «ولا ينبس ببنت شفة»، يكتفي «بتحريك عينيه على الحشد راجيا بنظراته الإجابة»، إلى أن «فكت عقدة لسانه» أخيرا ليقول لأبنائه: «أنتم قرأتم ما بداخلي». السؤال الذي لم يطرح بصوت عال تلقى جوابه حجرا وإسمنتا؛ والأبناء الذين «لم ولن يفهموا» صاروا يقرؤون الصمت. وبين الجملتين تمتد الرواية كلها: رحلة رجل من صمت لا يفهمه أحد إلى صمت يفهمه الجميع.

ولعل هذا هو «الوجه الآخر للحياة» الذي يعد به العنوان الفرعي: وجه لا يرى بالعين المجردة ولا يسمع بالأذن، بل يقرأ في يد تغلق بابا، وفي رأس يهتز خلف زجاج، وفي كرسي هزاز ما زال يتحرك في شرفة لم يبق فيها إلا رجل واحد، يصغي إلى أغنية كانت ذات يوم تغنى بصوتين.

ولا يملك قارئ هذه الرواية إلا أن يحيي في أحمد طايل وفاءه لعالم عاشه وخبره، فهو لا يكتب القرية المصرية والحي الشعبي من وراء زجاج، بل من الداخل، بعين من جلس إلى الجد في ليالي الحكي، وشم رائحة الخبيز من فرن الجدة، ومشى في جنازات يصير فيها الهمس لغة القرية كلها. وقد أعلن في إهدائه تشبثه بالقيم والأعراف كما ورثها عن الجد والأب، فجاءت روايته شهادة على زمن يتسرب من بين أيدينا، تحفظ طقوسه الصغيرة من العقيقة والمضيفة والمسحراتي إلى عهود الوفاء غير المكتوبة، وتمنحها حياة ثانية على الورق. وفي زمن تلهث فيه كثير من الروايات وراء الإثارة والصخب، يختار طايل أن يكتب عن الدفء الإنساني، وعن الأسرة بوصفها وطنا صغيرا، وعن الحب الذي يكبر على مهل كما تكبر الأشجار، بلغة صافية لا تتكلف، وبقلب لا يخفي انحيازه إلى الإنسان البسيط وإلى الجرح الفلسطيني. إنها كتابة رجل يعرف أن الرواية ليست حكاية تروى فحسب، بل ذاكرة تقاوم النسيان.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٤٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

نخب رولان بارت على قبور الضحايا
قراءات

نخب رولان بارت على قبور الضحايا

منذ دراستي لشعر الانتفاضة قبل ثلاثين عاما، وأنا أعدّ رسالة الماجستير حول "السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم بين عامي 1948- 1993" وإلى الآن، ما زلت أصطدم بسؤال النقاد المثار حول قصيدة الانتفاضة: هل ارتقت القصيدة للفعل على الأرض؟ وكان أغلب النقاد يرون في أغلب الشعر أنه مباشر ولا يرتفع بفنيته لمقام…

· 7 د
بين رخام التمثال وخرير النهر: 

قراءة نقدية في «أنشودة الحجر» للشاعرة علياء المالكي
قراءات

بين رخام التمثال وخرير النهر: قراءة نقدية في «أنشودة الحجر» للشاعرة علياء المالكي

تقف الشاعرة علياء المالكي على منصة قاعة الجواهري في اتحاد الأدباء، لا لكي تسرد نصاً عابراً في مدونة الشعر المعاصر، بل لتمارس طقساً حوارياً يستحضر أرواح الرواد، معلنةً منذ اللحظة الأولى أنها جاءت لتحاور رائد الشعر الحر بدر شاكر السياب في زخات مطره، وتستأذن الحاضرين لتتلو «أنشودة الحجر». إنها ليست…

· 5 د
قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟
قراءات

قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟

قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟ بغداد- حمدي العطار ليس الشعر مجرد كلمات موزونة أو قوافٍ متناسقة، بل هو أحد أعمق أشكال التعبير عن التجربة الإنسانية، بما تنطوي عليه من أحلام ومخاوف وتناقضات وأسئلة وجودية، ومن هنا فإن الحكم على الشعراء لا يتوقف عند مضمون قصائدهم أو مدى توافقها مع…

· 9 د