انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

البيئة والحكاية في رواية "نظرات عتاب" للمصرية منى حسين

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد

روائي وناقد عراقي

15 دقائق للقراءة
12 مشاهدة
البيئة والحكاية في رواية "نظرات عتاب" للمصرية منى حسين
مشاركة:

تُقدّم رواية "نظرات عتاب" للدكتورة منى حسين تجربةً سرديةً تتناول تعقيدات العلاقة الزوجية، وما ينشأ فيها من صراعٍ بين الطموح المهني للمرأة، وتوقّعات الزوج العاطفية. وتتمحور الحكاية حول بطلةٍ تسعى إلى إرضاء زوجها، وتبذل جهدًا كبيرًا للحفاظ على استقرار حياتها الزوجية، في مقابل نظرات اللوم والعتاب التي تواجهها بسبب انشغالها بعملها ونجاحها المهني. غير أن الأحداث تكشف تدريجيًا عن خللٍ أعمق في العلاقة، يتجاوز حدود الانشغال والتقصير المفترضين إلى غياب التقدير المتبادل، واختلال مفهوم الشراكة.

تتّخذ الحكاية مسارًا متصاعدًا مع سفر البطلة في مهمة عمل إلى باريس، وما تحققه من نجاح وترقٍّ مهني، في مقابل انكشاف خيانة الزوج وهشاشته، حين تتخلّى عنه المرأة الأخرى بعد تعثره ماديًا. وتشكّل هذه المفارقة نقطة تحوّلٍ في وعي البطلة، إذ تبدأ بالتخلّص من الشعور بالذنب الذي لازمها، وتعيد النظر في التضحيات التي قدّمتها على حساب ذاتها. وفي مقابل الزوج الذي لا يرى في نجاحها سوى سببٍ للعتاب، تبرز شخصية أخرى بوصفها نموذجًا مختلفًا في فهم العلاقة، يقوم على احترام طموح المرأة وتقدير استقلالها. وهكذا تنتقل الرواية من تصوير أزمةٍ زوجية، إلى مساءلة معنى الشراكة، وحق المرأة في استعادة كرامتها واتخاذ قرارها بشأن حياتها.

 العنوان والعلاقة التدوينية

 يمثّل عنوان الرواية عتبة دلالية تتصل بالمتن السردي، وتكشف عن طبيعة الصراع النفسي والعاطفي الذي يحكم العلاقة بين الشخصيات. فالنظرات هنا ليست مجرد تعبيرات عابرة عن الاستياء، بل تتحول إلى وسيلة صامتة لممارسة اللوم والضغط العاطفي، ولا سيما حين تتكرّر في الحياة اليومية لتذكير البطلة بما يراه زوجها تقصيرًا منها تجاهه. وبهذا المعنى، يختزل العنوان جانبًا أساسيًا من اختلال العلاقة الزوجية، حيث يتحوّل العتاب من تعبيرٍ عن حاجةٍ عاطفيةٍ، إلى أداة تحدّ من حرية الطرف الآخر، وتجعله أسير الشعور بالتقصير.

"منذ أن عرفته، وأنا أتمنى أن أرضيه، وأحقق له ما يبتغيه مني، فلقد أحببته أكثر مما يتخيل، وعشت معه فترة الخطوبة بكل ما فيها من همس واشتياق" (ص 4).

يكشف هذا الاستهلال عن طبيعة العلاقة من منظور البطلة، فهي تدخلها محمّلة بالرغبة في الإرضاء، وتضع مشاعر الزوج وتوقّعاته في مقدّمة اهتماماتها. وتبدو هذه الرغبة، في ضوء تطوّرات الحكاية، مدخلًا لفهم التفاوت بين ما تقدمه من تضحيات وما تتلقّاه من تقدير. فالمشكلة لا تكمن في الحب ذاته، بل في تحوّله إلى التزامٍ أحادي الجانب، تصبح فيه الزوجة مطالبة باستمرار بإثبات إخلاصها، بينما لا يقابل ذلك اعتراف مماثل بحقوقها وطموحاتها.

ولا تنحصر دلالة العنوان في نظرات الزوج وحده، إذ يمكن قراءته أيضًا في ضوء التحوّلات التي تمرّ بها البطلة، وما يتولّد لديها من عتابٍ مكتومٍ بعد اكتشاف الخيانة، وانكشاف زيف التوقّعات التي بنت عليها حياتها. وبذلك يغدو العنوان تعبيرًا عن علاقةٍ تتبادل فيها الشخصيات مشاعر اللوم، لكن من مواقع نفسيةٍ وأخلاقيةٍ مختلفة، عتاب الزوج المرتبط برغبته في الاستحواذ على اهتمامها، وعتاب البطلة الذي يتولّد من إدراكها حجم التضحيات التي لم تجد ما يعادلها من الوفاء والتقدير. ومن هنا، لا يؤدّي العنوان وظيفة تلخيص الحكاية فحسب، بل يفتح مجالًا لقراءة التحوّل من الخضوع للوم، إلى مساءلة العلاقة واستعادة الذات.

 الحكاية والدلالة

 تنتمي الرواية، من حيث حجمها وطريقة تنظيم أحداثها، إلى جنس الرواية القصيرة أو النوفيلا، إذ تركّز على أزمةٍ مركزية، وتحدّ من تعدّد المسارات السردية والتفرعات الجانبية، مع توجيه الاهتمام إلى تطوّر العلاقة الزوجية وانعكاساتها النفسية على البطلة. ولا يعني هذا التركيز غياب التحوّلات، بل إن الرواية تبني حركتها من خلال محطّاتٍ محدّدةٍ تتراكم دلالاتها، وصولًا إلى تغيير موقف الشخصية الرئيسية من حياتها.

أولًا: وحدة الحدث وتكثيف المسار السردي:

تنتظم الأحداث حول أزمةٍ زوجيةٍ تتّصل بانشغال البطلة بعملها، وما يترتّب عليه من عتابٍ مستمر، ثم تتصاعد مع اكتشاف الخيانة، وتتابع الرحلات والتحوّلات المهنية والشخصية، وصولًا إلى الانفصال والارتباط الجديد. ويمنح هذا التركيز الحكاية قدرًا من التكثيف، لأن الوقائع لا تتوزّع على خطوطٍ سرديةٍ متباعدة، بل تتّجه نحو كشف حقيقة العلاقة وتغيير وعي البطلة بها.

ولا تتحدّد وحدة الحدث هنا بمجرّد قلّة الوقائع أو الأمكنة، وإنما بارتباطها جميعًا بالأزمة الأساسية، فالسفر والنجاح المهني واكتشاف الخيانة ليست أحداثًا منفصلة، بل محطات تعيد تشكيل موقف البطلة من نفسها ومن زوجها.

ثانيًا: معضلة التوازن بين الطموح المهني والحياة الزوجية:

تطرح الرواية إشكالية المرأة التي تحاول التوفيق بين متطلّبات العمل والحياة الزوجية، لكنها تكشف، في الوقت نفسه، أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في صعوبة التوفيق بين المجالين، بل في طبيعة العلاقة التي تجعل نجاح المرأة موضع مساءلة، بدلًا من أن يكون مجالًا للدعم والتشارك. فالزوج لا يتعامل مع انشغالها بوصفه جزءًا من حياتها وطموحها، وإنما يحوّله إلى سبب للوم، وكأن تحقيقها لذاتها ينتقص من حقوقه.

 ومن خلال هذا التناقض، تضع الرواية مفهوم الشراكة الزوجية أمام اختبار أخلاقي، هل تقوم العلاقة على احتواء طموحات الطرفين، أم على إخضاع أحدهما لتوقّعات الآخر؟ وتكتسب هذه المساءلة أهميتها من اتصالها بصورة المرأة العاملة، التي تجد نفسها مطالبةً بالنجاح في عملها، وبإثبات أنها لم تقصّر في واجباتها العاطفية، حتى حين لا تحظى بالمقدار نفسه من التفهم والتقدير.

ثالثًا: البحث عن الذات واستعادة الاعتبار:

تتجلّى إحدى الدلالات الأساسية في تحوّل البطلة من محاولة إرضاء الزوج باستمرار، إلى مراجعة اختياراتها ومساءلة التضحيات التي قدّمتها. فالاكتشافات التي تواجهها لا تقتصر على كشف خيانة الزوج، بل تدفعها إلى إعادة فهم العلاقة التي عاشت في ظلّها، وإدراك أن استمرارها لا يمكن أن يكون غايةً مستقلّةً عن كرامتها وحقها في حياة متوازنة.

وبهذا المعنى، لا يأتي قرار الانفصال بوصفه استجابةً انفعاليةً لصدمةٍ عابرة، بل يمثّل نهايةً لمسارٍ من المراجعة الداخلية، تتراجع فيه سلطة العتاب عن تشكيل وعي البطلة، لتحل محلّها القدرة على الاختيار. وتتمثّل قيمة هذا التحوّل في انتقال الشخصية، من السعي إلى نيل رضا الآخر، إلى الاعتراف بحقّها في تقدير ذاتها وتحديد مستقبلها.

رابعًا: نقد الشراكة الزوجية المختلّة:

تكشف الرواية عن خللٍ في العلاقة الزوجية حين تتحوّل إلى مجالٍ للاستنزاف العاطفي، وتصبح التضحيات واجبًا على طرفٍ واحد، بينما يغيب الاعتراف المتبادل بالحقوق والطموحات. فالعتاب المتكرّر لا يعالج الأزمة، بل يعمقها، لأنه يحجب الأسباب الفعلية لاختلال العلاقة، ويضع البطلة في موضع المتهمة التي يتعين عليها تبرير انشغالها ونجاحها.

وفي المقابل، تمثّل شخصية صالح نموذجًا مختلفًا في التعامل مع طموح المرأة، بما تتيحه من مقارنةٍ بين علاقةٍ تقوم على الضغط العاطفي، وأخرى تمنح الطرف الآخر مساحةً من الاحترام والاستقلال. غير أن أهمية هذه المقابلة لا تكمن في استبدال رجل بآخر فحسب، بل في إبراز اختلاف التصوّرات التي تحكم العلاقة الإنسانية، وفي تأكيدٍ أن نجاح الشراكة لا يقاس بمدى خضوع أحد الطرفين لتوقّعات الآخر، وإنما بقدرتهما على الاعتراف المتبادل بالحقوق والرغبات.

وعليه، تتجاوز "نظرات عتاب" حدود الحكاية الزوجية إلى مساءلةٍ ثقافية، تجعل المرأة مسؤولةً عن استقرار العلاقة حتى حين تختل موازينها. وتتمثّل دلالتها الأبرز في أن الحب لا يبرّر إلغاء الذات، وأن التضحية تفقد معناها، حين تتحوّل إلى التزامٍ أحادي الجانب. ومن خلال مسار البطلة، تطرح الرواية الاستقلال النفسي بوصفه شرطًا لاستعادة الكرامة، وتجعل من الانفصال، في سياق الحكاية، قرارًا ينهي علاقة لم تعد قادرة على استيعاب طموح الشخصية وحقها في حياة تقوم على التقدير المتبادل.

البيئة والحكاية في رواية "نظرات عتاب" للمصرية منى حسين

 الفكرة والمستوى الفلسفي

 تتجاوز الرواية حدود الحكاية الزوجية إلى مساءلة العلاقة بين الحب والواجب والطموح والاستقلال، من خلال شخصية البطلة التي تجد نفسها ممزّقةً بين رغبتها في الحفاظ على بيتها وإخلاصها لزوجها، وبين حقّها في النجاح المهني وتحقيق ذاتها. وتكشف الرواية عن التناقض بين التضحيات التي تقدّمها البطلة والتقدير الذي تتلقاه، إذ يتحوّل انشغالها بعملها إلى ذريعةٍ للوم المستمر، في حين تتكشّف خيانة الزوج لتضع العلاقة أمام حقيقتها.

وتتجلّى الفكرة الفلسفية في التحوّل الذي تشهده البطلة، من التضحية التي لا تعرف حدودًا إلى الوعي بحقها في الاختيار. فالمشكلة لا تتعلّق بالطموح المهني في حدّ ذاته، ولا بالتعارض الضروري بين العمل والحياة الزوجية، بل بالتصوّر الذي يجعل المرأة مسؤولةً عن إرضاء الطرف الآخر، حتى لو كان ذلك على حساب كيانها وكرامتها. ومن هنا، تطرح الرواية سؤالًا يتجاوز سياقها الاجتماعي، إلى أيّ حدّ يمكن للإنسان أن يتنازل عن ذاته، من أجل علاقة لا تعترف بتضحياته؟:

"من هنا نقول إن الرواية من أولها إلى آخرها ما هي إلّا رحلة البحث عن الذات المفتقدة، تلك الذات التي حاولت كثيرًا أن تعيدها إلى طريقها رغمًا عنها إلا إنها استعصت وفضلت ما يمليه العقل والمنطق" (ص91).

 الاشتغال المكاني والبيئات المختلفة

 لا تؤدّي الأمكنة وظيفة الخلفية التي تجري فيها الأحداث فحسب، بل ترتبط بتحوّلات البطلة النفسية والاجتماعية، وتكشف عن اختلاف الظروف التي تحيط بها. وتتنوّع هذه البيئات بين المكان السياحي في أثينا، وفضاء العمل المؤسّسي في باريس، والبيت والمجتمع المحلّي في مصر، بحيث تتّصل حركة الشخصية بين الأمكنة بحركة وعيها، وبما تواجهه من ضغوط وما تكتسبه من قدرة على الاختيار.

أولًا: البيئة الطبيعية والسياحية في أثينا:

توظّف الكاتبة رحلة أثينا بوصفها محاولةً مؤقّتةً لاستعادة الهدوء وإصلاح العلاقة الزوجية، بعيدًا عن ضغوط العمل والحياة اليومية. وتستحضر معالم المدينة، ومنها الأكروبوليس وحي بلاكا التاريخي وتل الكافتيوس، لتمنح الرحلة إطارًا مكانيًا واضحًا، غير أن قيمة هذا الفضاء لا تتحدّد بمعالمه السياحية وحدها، بل بالمفارقة بين جمال المكان، وما تنطوي عليه العلاقة من اضطراب خفي.

"ففي اليوم الثاني كانت وجهتنا الأكروبوليس، وهو من أشهر المعالم السياحية في أثينا، وفي اليوم الثالث زرنا منطقة بلاكا أثينا، وهي حي تاريخي يقع أسفل جبل الأكروبوليس..." (ص12).

ثانيًا: بيئة العمل المؤسسي في باريس:

تمثّل باريس فضاءً مختلفًا في حياة البطلة، إذ ترتبط بعملها الجديد وبما يتيحه من تنظيمٍ مهني ّوفرصٍ للنجاح والاستقلال. وتصف اختلاف نظام العمل وما يوفّره من تفاعلٍ اجتماعيّ واستراحات محدّدة، في سياقٍ يكشف عن انتقالها إلى بيئةٍ تمنحها مساحةً أوسع للانشغال بقدراتها المهنية بعيدًا عن الضغط العاطفي الذي لازم حياتها الزوجية.

"الوضع هنا مختلف جدًا، بالرغم من أن هذا النظام غريب عني، إلا أنني وجدته أفضل كثيرًا من سابقه، أخذتني دوامة العمل وبدلًا من أن أنسى سبب غضبي من معتز، نسيت معتز..." (ص32).

ثالثًا: البيئة المنزلية والاجتماعية في مصر:

في مقابل الفضاء المهني الذي يتيح للبطلة فرصًا أوسع للاستقلال، يظهر البيت في بعض لحظات الرواية مجالًا للرقابة والضغط النفسي. فالمكان الذي يُفترض أن يوفر الأمان والراحة يتحول، بفعل طبيعة العلاقة، إلى فضاء تتكرر فيه المطالب والقيود، وتصبح فيه تفاصيل الحياة اليومية وسائل لمراقبة الزوجة وتحديد حدود حركتها وتواصلها.

"كل مرة أحدثه لا يقول جديدًا، فقط أشعر أنه يراقبني من بعد، فبعد انتهاء عملي لا يجب أن أتواصل مع أحد غيره..." (ص71).

 اللعبة التدوينية ومعالجة الفكرة

 تتجلّى اللعبة التدوينية من خلال الطريقة التي نظّمت بها الكاتبة الوقائع والتفاصيل، وربطت حركة السرد بتطوّر الأزمة النفسية والاجتماعية. ولا تقوم هذه اللعبة على تعدّد الأحداث وحده، بل على توزيع المعلومات، وتوظيف المفارقة، وتكرار العلامات الدلالية، واستثمار الوسائط الرقمية في الكشف عن التحوّلات الحاسمة. ومن خلال هذه العناصر، تتشكّل العلاقة بين الحكاية وطريقة تدوينها، بحيث تتقدم معرفة البطلة بنفسها وبزوجها بالتوازي مع انكشاف الوقائع.

أولًا: المعالجة التكنيكية والتكتيكية للصراع النفسي:

تعتمد الكاتبة على تطوّر موقف البطلة من موقع الساعية إلى إرضاء زوجها، إلى موقع الشخصية التي تعيد النظر في العلاقة وتراقب اختلالاتها. وتظهر هذه النقلة من خلال تغير سلوكها اليومي، ولا سيما في تعاملها مع العمل والمنزل والمسؤوليات المشتركة. فبدلًا من الاستمرار في تحمل الأعباء بصمت، تبدأ في مواجهة الزوج بما يكشف عن تناقضاته وعجزه عن أداء بعض المسؤوليات التي اعتاد أن يحمّلها لها:

"أصبحت أتعمد أن أمضي أكبر وقت ممكن خارج المنزل، في عملي الذي يكرهه... ثلاثة أيام متتالية، وأنا أتابع أن معتز لم يحضر طلبات البيت، دخلت المطبخ، وسألته لماذا لم تحضر الأشياء التي طلبتها منك، فقال: ليس معي ما يكفيها" (ص20).

ثانيًا: الانتقال المكاني بوصفه آلية درامية:

توظّف الرواية الانتقال بين الأمكنة، في بناء المسار الدرامي للشخصية. ولا يقتصر السفر على تغيير المشهد أو تجديد الإيقاع، بل يرتبط بتغير الظروف التي تواجهها البطلة وبما تتيحه كلّ مرحلةٍ من فرصٍ لاكتشاف حقيقة العلاقة وإعادة النظر فيها.

ففي أثينا، تتّخذ الرحلة طابع المحاولة الرامية إلى استعادة التوازن الزوجي، لكن الوقائع التي تنكشف خلالها تقوّض هذا المسعى وتضع البطلة أمام حقيقة مؤلمة. أما باريس، فترتبط بفرصة العمل والترقي، وتمنح الشخصية مسافة عن الضغوط اليومية، بما يسمح لها بإعادة تنظيم حياتها وتوجيه اهتمامها إلى مستقبلها المهني والشخصي.

ويكشف هذا الانتقال عن وظيفة المكان في تشكيل الحبكة، إذ لا تأتي التحوّلات النفسية بمعزلٍ عن الحركة الجغرافية، بل تتفاعل معها. غير أن التحرّر لا يتحقّق بمجرّد مغادرة المكان الأوّل، وإنما من خلال التغيّر الذي يطرأ على وعي البطلة، وعلى قدرتها على اتخاذ قرارات لم تكن قادرة على حسمها في ظلّ العلاقة السابقة. وهكذا يصبح السفر وسيلةً دراميةً لتوسيع مجال الاختيار، وليس حلًا آليًا للأزمة.

ثالثًا: توظيف التفاصيل بوصفها لعبة تدوينية:

تستثمر الكاتبة مجموعة من العناصر الفنية التي تتضافر في تنظيم الحكاية وتوجيه دلالاتها، ويمكن الوقوف عند أبرزها:

1- تكرار مفردة النظرات وتحول دلالاتها

تشكّل النظرات محورًا دلاليًا متصلًا بعنوان الرواية، وتتكرر في سياقات مختلفة، منها نظرات العتاب والتحدي والحب والانكسار. ولا تقتصر وظيفة هذا التكرار على تأكيد العنوان، بل تكمن أهميته في تغير المعنى الذي تحمله النظرة تبعًا للحالة النفسية وموقع الشخصية داخل العلاقة. فالنظرة التي تبدأ أداة للوم والضغط يمكن أن تتحول إلى علامة على الرفض أو المواجهة، كما قد تعكس انكسار الثقة بعد اكتشاف الخيانة.

2- التكثيف السردي والتلخيص والإبطاء

تستفيد الرواية من التفاوت في سرعة السرد، فتوجز بعض الفترات التي لا تحتاج إلى تفصيل واسع، وتمنح المواقف الأكثر تأثيرًا مساحة أكبر من العرض والحوار. ويساعد هذا التفاوت على إبقاء التركيز منصبًا على الأزمة المركزية، بدلًا من تشتيت الحكاية في تفاصيل لا تؤثر في مسارها الأساسي.

ويؤدي التلخيص وظيفة تنظيمية حين يختصر الزمن المتصل بالروتين أو المراحل السابقة، بينما يتيح الإبطاء السردي التوقف عند لحظات المواجهة واكتشاف الخيانة والتحولات التي تعيد تشكيل وعي البطلة. ومن ثم، فإن قيمة هذا التكنيك لا تكمن في الاختصار وحده، بل في توزيع الاهتمام السردي وفقًا لأهمية الوقائع وتأثيرها في الشخصية.

3- الرسائل الرقمية والهواتف بوصفها محركًا للحبكة

توظف الكاتبة الوسائط الرقمية، ومنها الهاتف وتطبيق واتساب والصور والمحادثات، في الكشف عن معلومات تغير مسار الأحداث. ويكتسب هذا التوظيف أهميته من أن الوسيط الرقمي لا يظل تفصيلًا من تفاصيل الحياة المعاصرة، بل يتحول إلى أداة تكشف ما تخفيه العلاقة، وتضع البطلة أمام حقيقة لم تكن قد واجهتها بصورة مباشرة.

 الشخصيات والتفاعل مع الحدث

 تؤدّي الشخصيات دورًا أساسيًا في تشكيل الصراع وتوجيه مساره، إذ تتحدّد ملامحها من خلال مواقفها من العمل والحب والمسؤولية الزوجية. ولا تقتصر وظيفتها على تحريك الأحداث، بل تكشف عن تصوّرات متباينة للعلاقة الإنسانية، تتراوح بين الرغبة في امتلاك الآخر، والقدرة على احترام استقلاله، الأمر الذي يجعل التفاعل بين الشخصيات وسيلة لتجسيد الفكرة المركزية للرواية.

أولًا: الراوية، الشخصية المحورية ورحلة استعادة الذات:

تمثل الشخصية المركزية التي تنتظم حولها الأحداث، فهي امرأة جادة ومجتهدة، تسعى إلى النجاح المهني من دون أن تتخلى عن حبها لزوجها أو مسؤولياتها تجاه بيتها. غير أن محاولاتها المتكررة لتحقيق التوازن بين حياتها العملية والزوجية تصطدم بإصرار معتز على اعتبار انشغالها تقصيرًا عاطفيًا، فتجد نفسها محاصرة بشعور مستمر بالذنب، على الرغم من النجاحات التي تحققها:

"أشعر أني بالرغم من كل نجاحاتي فاشلة في إرضاء حبيبي، هو يريدني أن أدلله، وأشعره أني دونه لا أحيا.. أنا أحبه أكثر من نفسي، حاولت تغيير الكثير من عاداتي" (ص5).

ثانيًا: معتز، الزوج ومصدر الصراع:

يمثّل الطرف المقابل للرواية في الصراع المركزي، فهو زوج لا يستطيع التعامل مع نجاحها المهني بوصفه امتدادًا لشخصيتها وطموحها، بل ينظر إليه من زاوية ما يعتقد أنه انتقاص من حقه في اهتمامها. ومن هنا تتكرّر نظرات العتاب واللوم، ويتحول الخلاف حول متطلبات الحياة اليومية إلى ضغط نفسي يحد من حرية البطلة ويضعها باستمرار في موضع المتهمة بالتقصير.

"من هي التي فضلتها عليّ؟ وجعلتها أساسًا أو احتياطيًا في حياتك بدلًا مني؟ لماذا لا تتكئ عليها، كما كنت تفعل معي، لماذا لم تطلب منها؟" (ص21).

ثالثًا: صالح، النموذج المقابل في العلاقة الإنسانية

وهو مدير العمل في فرع الشركة بباريس، وظيفة مقابلة لشخصية معتز، إذ يقدم تصورًا مختلفًا للعلاقة مع المرأة، يقوم على احترام كفاءتها ودعم طموحها، من دون محاولة عزلها عن عملها أو فرض الوصاية عليها. وتصفه الرواية بقولها:

"كان صالح بطريقته الراقية ينفذ لقلب أي امرأة، فهو يعتبرها رعيته، ويهتم بكل شؤونها دون أن يفرض نفسه عليها، دون أن يخرجها من عملها أو أي شيء يشغلها، يفعل دون أن يتحدث" (ص43).

رابعًا: جميلة، الشخصية المساندة والمرآة النقدية:

وهي زميلة الراوية في الشركة بباريس، شخصية مساندة تؤدّي دورًا في توسيع منظور البطلة إلى علاقتها بمعتز، إذ تعبّر عن موقف نقدي من سلوكه، وتلفت انتباهها إلى طبيعة العلاقة التي تجمعهما. وتقول جميلة:

"قالت: الحقيقة أنني منذ رأيته لم يعجبني، لا في صمته ولا في حديثه، لذا سألتك كيف تزوجتيه؟.. أتركيه هو، هو غير مناسب لك" (ص77).

 فاعلية الخاتمة والمستوى النفسي

 تأتي الخاتمة لتغلق المسار الذي بدأت به الرواية، إذ تتلقّى وثيقة طلاقها من معتز، فتطوي بذلك صفحة العلاقة التي أثقلت حياتها باللوم والشك والاستنزاف العاطفي. وفي المقابل، تتجه حياتها نحو مرحلةٍ جديدةٍ مع صالح، الذي يتقدّم لطلب يدها، وينتهي المسار بزواجهما. وبهذا تجمع النهاية بين إغلاق العلاقة السابقة وفتح أفق عاطفي جديد، بعد أن أعادت البطلة النظر في مفهومها للحب والتضحية.

وتنبع فاعلية الخاتمة من ارتباطها بالتحوّل النفسي الذي مرّت به، فالطلاق لا يأتي بوصفه واقعةً منفصلةً عن مجمل الأحداث، بل يمثل النتيجة النهائية لتراكم الخيبات وانكشاف الخيانة وتراجع الثقة. لقد بدأت البطلة حياتها الزوجية برغبةٍ شديدةٍ في إرضاء معتز، حتى إنها رأت في عجزها عن تحقيق رضاه فشلًا شخصيًا، لكنها تنتهي إلى موقف مختلف، تصبح فيه قادرة على الفصل بين قيمتها الذاتية وبين أحكام الزوج عليها. ومن ثم، فإن التحوّل الأهم لا يتمثل في انتهاء الزواج وحده، وإنما في تراجع سلطة العتاب عن تشكيل صورتها عن نفسها.

وعلى المستوى النفسي، تنقل النهاية البطلة من الشعور بالذنب إلى استعادة القدرة على الاختيار. غير أن اقتران هذا التحرّر بزواجها من صالح يجعل الخاتمة تجمع بين مسارين، استقلال الشخصية عن العلاقة السابقة، وإمكان دخولها في علاقةٍ جديدةٍ تقوم على التقدير والدعم. وتكمن أهمية هذا الجمع في أن الرواية لا تترك البطلة في فراغ عاطفي بعد الانفصال، بل تمنحها أفقًا جديدًا للحياة، وإن كان من الضروري التمييز بين استعادة الذات بوصفها تحولًا داخليًا، وبين تحقق السعادة من خلال الارتباط بشريك آخر.

فالتعويض العاطفي الذي توفّره شخصية صالح، لا يلغي أنها استعادت جانبًا من وعيها بنفسها قبل اكتمال هذا الارتباط، حين بدأت تواجه معتز وتعيد تقييم سلوكه ومطالباته. ولذلك فإن القراءة الأكثر اتساقًا مع مسار الشخصية هي أن العلاقة الجديدة تمثل امتدادًا لاختيارها المتجدد، لا المصدر الوحيد لقيمتها أو استقلالها.

وتنسجم الخاتمة مع الفكرة التي تنتظم الرواية منذ بدايتها، فالحب الذي يدفع الإنسان إلى إلغاء ذاته لا يحقّق التوازن، والتضحية التي لا يقابلها تقدير تتحول إلى عبء، والعتاب الذي يتكرر من دون حوار حقيقي يصبح وسيلة للضغط بدلًا من أن يكون مدخلًا إلى الإصلاح. وفي المقابل، تتطلب الشراكة اعترافًا متبادلًا بالحقوق والطموحات، وقدرة على تقبل استقلال الطرف الآخر، من دون تحويل النجاح إلى تهمة أو الاختلاف إلى دليل على التقصير.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٤٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الهوية والانتماء..

في رواية (الرمادية ) للكاتب المختار الورغمي
قراءات

التهميش والبحث عن الانتماء في رواية (الرمادية ) للكاتب المختار الورغمي

الهوية والانتماء من خلال رواية الرمادية نموذجا للكاتب المختار الورغمي عندما يصبح المكان بوابة عبور وخرزة من خرزات الأحداث التي بنيت عليها الرواية، ويصير الواقع أكثر واقعية من الخيال وجزءا لا يتجزأ من ثراء المادة التي يعتمد عليها الراوي في حفز عوالم الكتابة الروائية ويصبح فيه التخييل القصصي والروائي…

· 11 د
العراق بين الجهاد والتمذهب السياسي

قراءة نقدية في كتاب الدكتور نضير الخزرجي (المرجعية الدينية في نصف قرن)
قراءات

العراق بين الجهاد والتمذهب السياسي قراءة نقدية في كتاب الدكتور نضير الخزرجي (المرجعية الدينية في نصف قرن)

ما قبل النقد: التاريخ بين التوثيق والتأويل يقدّم الدكتور نضير الخزرجي في كتابه "المرجعية الدينية في نصف قرن: عراق حر بلا تمذهب سياسي"، الصادر عن دار لندن للطباعة والنشر عام 2026، محاولة لقراءة نشاط المرجعية الدينية ومواقفها في العراق خلال المدة الممتدة من عام 1920 إلى عام 1970. يقع الكتاب في 165…

· 4 د
أقنعة الحب والموت والثورة ‏
قراءات

أقنعة الحب والموت والثورة ‏

لعقود طويلة شغل الشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي الأوساط الثقافية العربية بقصائده الباهرة في مضامينها والخلاقة جمالياتها، وبمواقفه ‏الكبرى التي لم يساوم فيها إزاء قضايا وطنه وأمته فلم يصمت إزاء ما تعرض له الشعب العراقي ‏من محن وسجون وقمع للحريات وأتون حروب. ورغم مورده المادي المحدود عاش البياتي…

· 5 د