أدرك تمامًا أن العشرات قد كتبوا عن (فان خوخ )وأعلم أن مكتبتنا العربية شهدت ترجماتٍ لنتاجه وهي جهودٌ يُشكر أصحابها رغم أنها لم تقدم كل ما كتبه وظل الكثير منه طيَّ الخفاء. لعلّ أبرز تلك المحاولات لم تتجاوز ترجمة نحو 400 إلى 500 رسالة فقط من أصل أكثر من 800 رسالة تركها فينسنت، ناهيك عن أن معظم هذه المحاولات اعتمدت على لغاتٍ وسيطة كـالفرنسية والإنجليزية، ولم تُنقل مباشرةً من نصوصها الأصلية باللغة الهولندية التي ينبض بها أصل هذا الإرث. لستُ هنا في معرض تقييم جودة تلك الترجمات، ولا بصدد الحديث عن أسباب عدم اكتمال ترجمة أرشيفه الكلي،فلِكل مترجمٍ ظروفه وعوائقه الخاصة التي قد تقف حائلًا دون إتمام مشروعه. ومع ذلك، أوجّه كل التقدير والامتنان لكل من سعى ويسعى لنقل هذا الأدب الرفيع إلى القارئ، سواء بالعربية أو بأي لغةٍ أخرى.
أريد أن أتحدث عن تجربتي الشخصية هنا، حتى لا يبتعد القارئ بتأويلاته. لقد اكتشفتُ كتابات فان خوخ حين بدأتُ عملي في أحد المتاحف الهولندية منذ أكثر من ثلاثين عاماً. كان مدير المتحف لروحه السلام والسكينة مستغرقًا في حب فن فان خوخ ولغته. كان يحدّثني عنه بشغفٍ لا ينقطع، حتى غدا فان خوخ جزءًا لا يتجزأ من أحاديثنا اليومية، سواء في أروقة العمل أو في اللقاءات العائلية. كان ذلك الرجل أستاذًا في النحت، وزوجته فنانة تشكيلية لها وزنها في الساحة الفنية الهولندية،ومن خلال هذه العلاقة الوطيدة، حظيتُ بفرصة ملامسة أعمال فان خوخ ورؤية مقتنياتٍ وأشياء لا يضمها أي متحفٍ آخر. كنتُ وما زلت سعيدًا جدًا بهذه المعرفة وهذه الصحبة.
لقد قرأتُ كل رسالةٍ كتبها فان خوخ،وأعترف مع الاعتذار للجميع أنني لم أسافر إلى أي مكانٍ قط إلا وكانت تلك الرسائل رفقتي الملازمة، حتى فارقني الذهول وحلّ محله التآلف الشديد.
لماذا أحببتُ فان خوخ؟
ألف سؤال وسؤال طرحتُها على نفسي وأنا أفتح أبواب عالم هذا العبقري الذي جمع بين سحر الأدب وعمق الفن، ثم رحل عن عالمنا دون أن يحظى بفرصة الاعتراف بعبقريته وأسلوبه إلا متأخرًا.
إن لغة فان خوخ في رسائله ليست لغة شارحٍ للفن، بل لغة شاعرٍ يمسك الفرشاة،كان يكتب لثيو عن الأصفر وكأنه يصف كائناً حياً، وعن الليل وكأنه روحٌ ذات أعصابٍ ومشاعر. إنها لغةٌ عارية من التكلّف، صادقة إلى حد الألم، تجعل من يقرأها يرى الحركة خلف اللون.
ما علّقني به حقًا هو إيمانه الراسخ والأصيل بأن أعماله ستنال يومًا ما مكانتها المستحقة في ذاكرة الفن التشكيلي العالمي. أما النقطة التي غيَّرت علاقتي باللون إلى الأبد، فهي الارتباط الوجداني الخالص بين فان خوخ ولوحته،فقد كان يرسم بعيدًا عن سطوة النقاد، وبمعزلٍ عن تنظيرات المدارس وتجاذبات السوق وهذا ما ينبض به كل سطرٍ في رسائله.
ولعل الإجحاف الأكبر ينال تلك السيدة الهولندية الشجاعة(يوهانا فان خوخ-بونخر) (زوجة شقيقه ثيو) فلولا بصريتها وإيمانها بالرسائل التي كان زوجها يحتفظ بها كأنفاس شقيقه، لكان هذا الأدب الرفيع قد أُحرق أو أُهمل. لقد أدركت (جو)أن الكلمات في هذه الرسائل ليست مجرد شرحٍ للوحات، بل هي اللوحة ذاتها ولكن بمداد الحبر، فخاضت معركة مستميتة لنشر هذا الإرث أمام عالم لم يكن جاهزاً بعد لعبقريته.
هل كان فان خوخ قارئًا جيدًا؟
نعم، بل كان أكثر من ذلك بكثير. لم يكن فينسنت يقرأ ليزجي الوقت، بل كان يلتهم أعمال «إميل زولا»، و«تشارلز ديكنز»، و«غوستاف فلوبير»، ليُعيد نسج أفكارهم في خطوط لوحاته. كان يقرأ بالفرنسية والإنجليزية والهولندية بنفس السلاسة التي يمزج بها ألوانه، وتدويناته عن تلك الكتب لم تكن نقداً أدبياً بقدر ما كانت تشريحاً لروح الإنسان التي يحاول رسمها.
لكن وللأسف لم تصلنا هذه الانطباعات كاملة فهناك قدرٌ كبير من لوحاته، وتخطيطاته، وكتاباته ضاع بين يدٍ وأخرى لأسبابٍ عدة، كان على رأسها جهلُ من امتلكوها بحقيقة عبقريته في ذلك الوقت.
ما الذي أريده من هذا الكلام؟
أعلم أنني قد لا أضيف جديدًا، ولا أظن أن الوصول إلى القارئ العربي الشغوف بفان خوخ سيكون أمرًا يسيرًا،فالصعوبات أكبر من أن تُختزل في سطور. لكن ما أريده ليس مجرد رثاءٍ لعبقريٍّ غادرنا مبكراً، بل دعوة مفتوحة لمشروع ترجمة عربية مؤسسية وأمينة لأرشيفه الكامل من لغته الأم. إن وضع رسائل فان خوخ كاملةً بين يدي القارئ العربي ليس مجرد إضافة لمكتبة الفن التشكيلي، بل هو إهداءُ درسٍ عميق في الصبر، والشغف، والوفاء للإنسانية.
نقطة أخيرة
أُجدد شكري وامتناني لكل من ترجم كلمةً واحدة عن فان خوخ، حتى لا يظن أحدٌ أننا نكرر الخطابات المعتادة، بل هو وفاءٌ أخير لشغفٍ يُستحق.
فان خوخ: اللغة والفرشاة التي أعشق

آخر تحديث: ٣١ آب ٢٠٢٦ في ٠١:٣٤ م






التعليقات