للبياتي صوته الشعري البسيط الخاص، الهادئ والمختلف حتى عن السياب، ذلك الصوت الهادر الضاج بالألم الحقيقي. وهنا تكمن المفارقة: البياتي يكتب عن (طَلْقٍ صناعي) بمحفزات لا (ولادة حقيقية )، صوته ناتج عن ألمٍ مصطنع في وقت راحة واسترخاء لا معاناة ولاهم حرارة ما تنتقل للقارئ من بين السطور؛ يكتب عن الصوفية والفقر، وعن التصوف والروحانيات؛ الله، النور، الروح، العشق، الفناء، الكشف، الحلاج، ابن عربي، الرومي، العطار وعن الثورة والمنفى والألم… لكنه يفعل ذلك من خارج التجربة ومن دون أن يترك الألم أثره الحقيقي في اللغة وبلا مصداق حسي روحي في حياته الخاصة.ففي نفس الوقت كان مرتبطًا بالشيوعية والحركة اليسارية العراقية وكانت الماركسية والالتزام السياسي حاضرين بقوة في شعره ومواقفه الثقافية.
هناك هوّة وتصنع بين ما يقول وما يعيشه ويمارسه في يومه العادي ، بين ما تكتبه القصيدة وما يمكن أن تسنده التجربة الشخصية. البياتي يتحدث بلسان الفقراء والثوار والمقهورين ورجال التصوف، ويستعير قاموسهم وذاكرتهم وآلامهم، لكنه عاش، في المقابل، حياة مهاجر مترف. ومن هنا يبدو أن التجربة في شعره ليست تجربةً معاشة بقدر ما هي تجربة مستعارة؛ مادة جاهزة يعيد البياتي صوغها شعريًا، ويمنحها نبرة ثورية وصوفية وفلسفية، لكنها ليست صادقة وابنةً للبيئة كما في شعر ناظم حكمت ولوركا وبابلو نيرودا وبول إيلوار وماياكوفسكي.وربما كان جزء من "ترند" تلك الحقبة هو حقن هذه الأسماء، أسماء هذه النخبة من الشعراء العالميين ذوي التجارب الحقيقية في القصيدة، للربط مع قصصهم ونضالهم بشكل سطحي، كوميدي، مزيّف.
ولهذا لا أشعر، في شعره، بذلك التطابق بين الكلمة وصاحبها الذي نجده عند السياب أو مظفر النواب؛ لا أشعر أن الكلمة خرجت من جرح عاشه الشاعر، وإنما من وعيٍ بالشعر قادر على إعادة تمثيل جراح الآخرين. الفرق هنا جوهري: أن تكتب عن الألم شيء، وأن تكون اللغة نفسها قد خرجت من الألم شيء آخر.خصوصاً في الشعر لأنه ذاتي ، صوتك الداخلي وعدا هذا الشاعر مدعي هذه المشاعر. في السرد يمكن بسبب، تعدد الشخصيات بين نساء ورجال، يباح للسارد التماهي وتصنع مشاعر شخصياته لوصفها من الداخل وعمل أقنعة لها وهذا غير ممكن في الشعر كما في رسم اللوحة .. العمل قصيدة أو لوحة أنت تماماً.
وهذا ما يجعل شعر البياتي، في جانب منه، يبدو لي (محاكاة) لا تصدّقها حتى لغته الجسدية نفسها: شعرًا عن الألم أكثر منه شعرًا قادمًا من الألم؛ شعرًا يعرف كيف يستعير مفردات التجربة ويوظفها، لكنه لا يحمل بالضرورة ثقلها الوجودي.
ثم تأتي مسألة حضوره داخل المشهد الثقافي العراقي: فالبياتي لم يكن شاعرًا قائمًا في فراغ، بل كان جزءًا من منظومة ثقافية وسياسية وفّرت له المنابر والاحتفاء، ولا سيما منابر اليسار العراقي، في مرحلة أخذت فيها الساحة تخلو من السياب وخروجه منها. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى صعود البياتي أيضًا بوصفه نتاجًا للمشهد الثقافي والسياسي المحيط به، لا نتاجًا لشعره وحده.
وهنا تكتمل المفارقة: شاعر يكتب عن الصوفية وتجلياتها و الفقراء والثوار والمنفيين والمقهورين، بينما تأتي تجربته من موقع مختلف عن مواقعهم؛ شاعر يستعير حرارة التجربة وجوع ودموع ومكابدات الآخرين، لكن كلماته لا تحترق بها كما احترقت كلمات السياب، وما زال صغيرًا مختنقًا بشعره، ولا تحمل ذلك الاحتكاك المباشر بالحياة الذي يجعل القصيدة شهادةً، لا مجرد إعادة صياغة شعرية.







التعليقات