بعد موت انكيدو ، صار النوم بابا يخشاه كلكامش .
كلما اغمض عينيه عاد انكيدو ، وكلما فتحهما ، لم يجد سوى الغرفة الفارغة . كان الضوء يتسلل الى المكان بحذر ، كأنه يخشى ان يوقظ الماضي . اما الغبار فظل يتراكم في زوايا الغرفة ، حتى العنكبوت لم يبق من بيتها سوى بضع خويطات متهرئة . لم يجرؤ كلمكامش على إزالة أي شيء منذ رحيل انكيدو ، لم يكن مجرد غبار فحسب ، بل كان اخر ما تبقى من الأيام التي عاشاها معا . كان يخشى ان تمحو المكنسة ما لم يستطع ان يمحوه الموت بعد : صورتهما ، الضحكات ، خطواتهما معا .. في تلك اللحظة بدأت الدموع تنزل على خديه دون ان يشعر ، تسرق بعض الألم الذي كان يمتص من عمره شيئأ فشيئا دون ان ينتبه . بدأ يصرخ بصوت عال : انكيدو لماذا لم تأخذني معك ؟ __
لم يجبه احد..
وللمرة الاولى ، لم يكن الصمت عدوا حتى يستطيع جلجامش قتله ، ولا بابا يستطيع تحطيمه ، ولا سورا يستطيع القفز فوقه كان الصمت شيئا لا يهزم بالقوة ، لانه لم يكن يقف امامه ، بل كان شيئا يقف داخله..
هناك في تلك الغرفة ، اكتشف جلجامش هزيمته الأولى..
لم يهزمه رجل ، ولا وحش ، ولا اله . تجرع الهزيمة من شيء لم يكن يعرف كيف يواجهه ، شيء لا يحمل سيفا ، ولا يحتاج ان رفع صوته كي ينتصر..(الموت )
قال جلجامش : سأبحث عن الخلود ___
لكنه لم يكن يبحث عن حياة لا تنتهي ، ولم يكن يريد ان يعيش الى الابد ، كان يريد ان يعود انكيدو . كان الخلود في تلك اللحظة ، اسما اخر للمستحيل . وكان الطريق اليه حلما يائسا لاقناع العالم ان ماحدث لم يكن نهائيا ،وان الموت مهما بدا قاطعا لابد ان يكون قد ترك ثغرة صغيرة يمكن ان ينفذ منها الملك خرج من المدينة .. لم يكن يعرف الى اين يذهب لم تكن
لديه خريطة ، ولم يكن هناك شيء يدل على نهاية الطريق . ومع ذلك ، سار كما لو ان خطواته تستطيع ان تسبق الحقيقة ، وكانه اذا ابتعد بما يكفي عن المكان الذي مات فيه انكيدو فسوف يصل الى مكان لم يمت فيه بعد ..
كان يظن ان الطريق سوف يقوده الى صديقه ، لكنه كان يقوده الى شيء اخر .. كان يقوده ، خطوة بعد خطوة ، الى نفسه ، الى الرجل الذي سيبقى بعد ان يتخلى عنه وهم القوة ، والى الملك الذي سيكتشف ان امتلاك العالم لا يمنح صاحبه القدرة على الاحتفاظ بانسان واحد . فما قيمة المملكة اذا كان صاحبها عاجزا عن اعادة صوت واحد الى الحياة ؟ وما هي جدوى ان يخضع البشر الى امر الملك ، اذا كان قلبه عاجز عن اصدار امر واحد الى الموت ؟ لم يكن جلجامش يعرف ان رحلته للبحث عن الخلود تبدأ من عجزه عن قبول موت انكيدو . كان يريد استعادة انكيدو لكنه لم يفهم بعد ان الحزن لا يعيد من في القبور ، وان الحزن لا يمنح الحياة مرة اخرى مهما كانت شدته .. وكلما ابتعد ، حمل سؤالا لم يستطع ان يتركه خلفه ..
ماذا يبقى للانسان عندما يخسر من يحب؟ .. ربما لا يكون الخلود ان يبقى الجسد حيا الى الابد . وربما لا يكون ان يحفظ اسمه في ذاكرة الناس ، او ان تظل الممالك تردد اسمه بعد رحيل صاحبه . لعل الخلود يبدأ عندما يتغير الانسان بفعل فقدان او موت ، وحين يتعلم ان يحمل الغياب من دون ان يسمح له بتحويله الى غياب اخر . فهناك من يموت مرة واحدة ، وهناك من يواصل الموت كل يوم ، لانه لا يستطيع ان يتخيل الحياة بعد فقدان من يحب ؟ كان انكيدو قد مات .. لكن جلجامش ما زال لم يتعلم كيف يعيش بعد خسارة انكيدو ؟ ولهذا واصل السير ..لم يكن الطريق الذي اختاره يعيد اليه صديقه ، ولم تكن المسافة تقربه من الموتى . ومع كل خطوة ، كانت الحقيقة تقترب اليه اكثر : قد يستطيع الانسان ان يقطع المسافات في جميع انحاء العالم بحثا عن الخلود ، لكنه لا يستطيع ان يعود الى اللحظة التي كان يجهل فيها انه سوف يفقد يوما ما من يحب ؟ لقد خرج جلجامش بحثا عن حياة لاتنتهي ..ولم يكن يعرف ان ما ينتظره ليس جوابا يعيد اليه انكيدو ، بل سؤالا سيغير معنى الحياة نفسها.
كان انكيدو ميتا.
اما السؤال ، فكان حيا.







التعليقات