لماذا يميل الإنسان إلى تكرار العادات المؤذية؟ وأحيانًا يجد في هذا التكرار نفسه نوعًا غريبًا من المتعة، وكأنه يعرف طريق الألم ثم يختار أن يسلكه مرة أخرى؟
على خلاف الحيوانات الأخرى، الإنسان، يستطيع أن يأكل وهو شبعان، وأن يشرب وهو غير عطشان، وأن يسهر وهو بحاجة إلى النوم، وأن يعود إلى علاقة يعرف أنها تؤذيه.
يبدو أننا لا نكتفي أبدًا بمجرد البقاء على قيد الحياة، أو الاستقرار، نحن نفسد علاقاتنا، ونكرر عاداتنا المدمرة، ونخلق الصراعات،ونماطل دون أن يكون هناك مكسب واضح وراء ذلك. حتى عندما تكون حياتنا هادئة، نستطيع بطريقة ما أن نعثر على مشكلة جديدة. كما قال نيتشه: “في زمن السِّلم، يُهاجم المقاتل ذاته.”
أطلق سيغموند فرويد على هذا الميل اسم غريزة الموت (Death Drive)، ذلك الدافع الغامض اللاشعوري المتجذّر في صميم كل انسان إلى إيذاء ذاته من خلال تكرار عاداته السيئة. ويتناقض ذلك مع غريزة الحياة، التي تغذي الإبداع والتواصل والبقاء.يشكل هذا التفاعل المستمر بين غريزة الموت والحياة جزءاً كبيراً من التجربة الإنسانية.
وكأن في الإنسان نزوعًا لا يكتفي بالاستمرار، بل يدفعه أحيانًا إلى العودة إلى ما ينبغي أن يتجاوزه.
المعرفة بعواقب تكرار العادات السيئة لا توقفنا عن فعلها.
عند لاكان، يرتبط هذا التكرار بالطريقة التي تفصل بها اللغة الإنسان عن التجربة المباشرة. فنحن لا نختبر العالم من خلال حاجاتنا البيولوجية وحدها، بل نختبر أنفسنا من خلال الدوالّ (Signifiers)، والرموز، والمعاني التي بالعادة ترتبط بشكل اعتباطي غير مباشر بالكلمات
فاللغة تتيح لنا أن نمثّل ما نريده، لكنها في الوقت نفسه تخلق مسافة بيننا وبين ما نريد.
ويسمي لاكان السبب الجذري لهذه الرغبة بـ «الشيء أ» (objet petit a)، وهو ليس شيئًا يمكن امتلاكه، بل غيابًا يجعل الرغبة تستمر.
لذلك، قد نكرر علاقات أو سلوكيات نعرف أنها تؤذينا، لأن الهدف الحقيقي ليس الحصول على الشيء نفسه، بل الاستمرار في الدوران حول الرغبة المستحيلة.
وهنا يظهر مفهوم المتعة او النشوة (jouissance): نوع من الإشباع يتجاوز مبدأ اللذة، وقد يتضمن الألم والمعاناة وتدمير الذات. لذلك قد يستمر الإنسان في سلوك مؤذٍ رغم وعيه. لذلك، الرغبة الإنسانية لا تصل إلى إشباع نهائي لأن اللغة تخلق دائمًا فجوة بين الإنسان وما يرغب فيه.







التعليقات