انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

كهنة اليقين: تشريح العقل الدوغماتي وجريمة الهندسة الاستعمارية في الشرق الأوسط

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

6 دقائق للقراءة
14 مشاهدة
كهنة اليقين: تشريح العقل الدوغماتي وجريمة الهندسة الاستعمارية في الشرق الأوسط
مشاركة:

من التواضع التساؤلي إلى توحش الامتلاك

يقوم التمايز الدلالي والمعرفي بين مفهومي "الفيلوسوفيا" (حب الحكمة) و"السوفوفيليا" (عشق امتلاك المعرفة) على افتراق بنيوي حاسم في تموضع الذات الإنسانية إزاء الحقيقة، وإدراك حدود الجهاز الإدراكي البشري. فبينما تتأسس الفلسفة في منطلقاتها السقراطية الأولى على الوعي الجذري بالنقصان الإنساني، ومحبة الحكمة بوصفها مساراً تساؤلياً لا ينغلق، تميل السوفوفيليا إلى شغف حيازة المعرفة وتحويلها إلى مقتنى ذاتي ناجز. وحينما ينفصل هذا الشغف عن مباضع النقد الذاتي، يتعرض لتحول وظيفي مدمر، ينقله من فضاء الاستكشاف الفكري المفتوح إلى نمط من "التمركز المعرفي" المتغطرس، الذي يوهم العقل بقدرته الزائفة على الإحاطة الكلية بالحقائق واحتكار الصواب المطلق.

يستحيل هذا الولع بامتلاك المعرفة، في حال غياب المساءلة العقلية الصارمة، إلى ما يُعرف بـ "الصلف المعرفي"؛ وهو المفهوم الذي صاغه الفيلسوف كويفي كاسام لتفسير الرذائل الذهنية التي تُفرخ التعصب والنزوع الدوغماتي. إن هذا الصلف لا يقف عند حدود الاعتزاز بالرأي، بل يمثل تشوهاً إدراكياً يرى فيه الفرد ذاته منزّهة عن الخطأ والزلل، مما يورثه استعلاءً ينفي الحاجة الوجودية إلى الإنصات للآخر أو إعادة فحص المسلمات الموروثة. وعند هذه العتبة، تنقلب السوفوفيليا من رغبة بريئة في التنوير إلى إدمان نفسي-عصبي تغذيه مشاعر النشوة الزائفة المتأتية من وهم الوصول إلى الإجابة النهائية، وامتلاك صكوك الحقيقة المطلقة.

يتسق هذا الطرح جوهرياً مع ما بلوره المفكر اللبناني علي حرب في مشروعه النقدي حول "نقد الحقيقة"، حيث عرّى آليات "العقل المطابق" الذي يفترض مطابقة ساذجة وحتمية بين المدركات الذهنية الذاتية والواقع الموضوعي الخارجي. ويؤكد حرب أن التعصب للحقيقة هو اغتيال صريح لجوهرها الحي؛ فالأفكار تتحول إلى منظومات قمعية واستبدادية كبرى متى ما توهم حملتها أنهم ينطقون بالحق الإلهي المفارق، أو يجسدون مسار الحتمية التاريخية، الأمر الذي يشرعن استئصال المخالفين ورميهم بالضلال والزيغ.

التواطؤ الاجتماعي: تشييد غرف الصدى والتماهي الهوياتي

إن الرؤى المعرفية المتصلبة لا تحيا في فراغ تجريدي، بل تتجسد وتتغذى من خلال اندماجها في نسيج العلاقات المجتمعية؛ فالإنسان كائن علائقي يصوغ قناعاته الفكرية داخل حواضن تؤمّن له الشعور بالانتماء والأمان الوجودي. وفي هذا الإطار، يقدم الفيلسوف المعاصر سي. ثي نغوين تمايزاً تحليلياً دقيقاً بين نمطين من الهياكل المشوهة للإدراك:

 "الفقاعات المعرفية" و"غرف الصدى".

تتشكل الفقاعة المعرفية نتيجة العزلة الشبكية والاستبعاد غير المقصود للروايات البديلة، وتتسم بقابليتها للانهيار والتفكك بمجرد تدفق المعلومات والحقائق المغيبة. أما غرف الصدى، فتمثل بنية أكثر خطورة وشراسة؛ إذ لا تكتفي بحجب المعلومات المغايرة، بل تعتمد آلية استباقية تقوم على "النسف المسبق للثقة" بمصداقية ونوايا أي صوت ينبع من خارج الدائرة المغلقة. وبذلك، تصبح غرفة الصدى حصناً نفسياً منيعاً ضد البرهان؛ حيث يُعاد تفسير كل دليل عقلاني مناقض بوصفه مؤامرة خبيثة تستهدف هدم العقيدة، مما يقود الأفراد إلى مزيد من التمترس والتعنت الفكري.

تكتسب هذه الغرف المغلقة طابعها التدميري عبر تضافرها مع ما أثبته عالم الاجتماع والطب النفسي مارك سيجمان في أطروحته حول "مجموعات الرفاق". فقد برهن سيجمان على أن الانزلاق نحو التشدد العنيف لا ينطلق في الغالب من قراءة لاهوتية معقدة للنصوص المتطرفة، بل يتبلور في بداياته عبر شبكات الصداقة الأفقية والقرابة العضوية التي يجمعها إحساس مشترك بالمظلومية والاغتراب الاجتماعي. وداخل هذه الأنوية المغلقة، تجري عملية "إعادة تنشئة" مكثفة تُعطل فيها المنظومات الأخلاقية الإنسانية العامة، لتحل محلها معايير حدية صارمة تعيد تصنيف العالم إلى ثنائية فسطاطية قاتلة:

" نحن الصالحون، وهم الأعداء"!

تصل هذه الحالة إلى أوجها النفسي بما يُعرف في أدبيات ويليام سوان بـ "التماهي الهوياتي المطلق"؛ إذ تتلاشى التمايزات النفسية بين الأنا الفردية والكيان الجمعي للجماعة. وعندئذ، يُختزل التقدير الذاتي للمرء في انصهاره الكامل داخل الجماعة ومعتقداتها، ويغدو أي نقد عقلاني يُوجه إلى المنظومة الفكرية للجماعة بمثابة تهديد وجودي موجه إلى الذات مباشرة، مما يعطل ملكة النقد الذاتي بالكامل، ويجعل التضحية بالنفس أو اللجوء إلى التصفية الجسدية للمخالف دفاعاً واجباً عن البقاء.

الجريمة التأسيسية

إذا كانت الآليات النفسية والاجتماعية تُفسر قابلية الفرد للاستلاب، فإن الانفجار التكفيري والدوغماتي في الشرق الأوسط لا يمكن فصله بحال من الأحوال عن الجريمة التأسيسية التي رسخها الاستعمار الغربي الحديث. إن الشرق الأوسط لم يستيقظ فجأة ليجد نفسه غارقاً في صراعات مذهبية عفوية؛ بل كان ضحية مسار طويل من الهندسة الإمبريالية المتعمدة التي حطمت أشكال التعايش التاريخية الهشة، وزرعت بذور الشقاق الدائم.

بدأت هذه المأساة مع تمزيق المنطقة عبر اتفاقيات التقاسم الاستعماري (سايكس بيكو وما تلاها)، حيث جرى اصطناع حدود جغرافية اعتباطية قطعت أوصال المجتمعات الطبيعية، وفصلت المكونات الثقافية دون أدنى اعتبار لتماسكها الحضاري. لم يكتفِ الاستعمار برسم الخرائط، بل اعتمد سياسة بنيوية واضحة قوامها "فرّق تسد"؛ حيث دأبت سلطات الانتداب والاستعمار على تفضيل أقليات معينة، أو تسليط إثنيات محددة على أخرى، وإعادة كتابة التاريخ المحلي بلغة طائفية وعرقية متناحرة، لضمان استدامة التبعية ومنع قيام أي كتلة وطنية موحدة قادرة على التحرر الفعلي.

ولم يكن الانسحاب العسكري الأجنبي سوى انتقال إلى استعمار وظيفي غير مباشر؛ إذ خلّف المستعمر وراءه أنظمة استبدادية هجينة تبنت نموذج "الدولة الأمنية" التسلطية. هذه الأنظمة، الخاضعة في عمقها لمنظومة المصالح الغربية والتدخلات الإمبريالية المتتالية، أجهضت كل مشاريع النهضة والديمقراطية، ودمرت فكرة المواطنة الدستورية المتساوية. وأمام قمع الدولة الوطنية المشوهة، وتورط القوى الكبرى في حروب تدميرية واحتلالات عسكرية مباشرة - كما حدث في احتلال العراق وغيره من أزمات المنطقة - تعرضت المجتمعات لصدمات وجودية عنيفة، ترافقت مع تفكك المؤسسات الضامنة للحياة.

وهكذا، كان تدمير المجال السياسي العام على يد الاستبداد المدعوم خارجياً سبباً مباشراً في دفع الشعوب المقهورة إلى الارتداد القهري نحو الهويات الأولية والولاءات الطائفية والقبلية بوصفها ملاذات حماية أخيرة. لقد حوّل العنف الإمبريالي المنظم المنطقة إلى بيئة طاردة للأمل، تُنتج "فقدان القيمة الشخصية والجمعية"، وتخلق أرضاً خصبة التقطتها الجماعات المتطرفة لتوظف مظلوميات التدمير الاستعماري، وتعيد تدويرها داخل سرديات ثأرية مغلقة.

التسييج الفكري واستعادة العقل الحر

تلاقت هذه الشروط التاريخية والسياسية مع تراث تأويلي محكوم بما أطلق عليه المفكر الجزائري محمد أركون "السياج الدوغماتي المغلق". فقد أوضح أركون أن السلطات السياسية والدينية، عبر التاريخ العربي والإسلامي المتشابك مع صدمات الحداثة المفروضة قسراً، عمدت إلى بناء أسوار إبستمولوجية تحيط بنصوص معينة وتأويلات أحادية، مانعة إخضاعها للمساءلة التاريخية أو التفكيك المعرفي. وقد نتج عن هذا التسييج تشكل مساحات واسعة من "المسكوت عنه" و"اللامفكر فيه"، بما يحمي مصالح النخب المهيمنة، ويصادر حرية الاجتهاد الفكري لصالح نصوص جامدة تغذي التعصب المتبادل.

إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب تجاوز المقاربات الأمنية السطحية والتدخلات العسكرية الأجنبية التي ما فتئت تزيد الطين بلة وتعمق الاحتقانات الدفينة. إن التفكيك الحقيقي للنزعات الدوغماتية يستدعي ثورة معرفية وسياسية متزامنة؛ تبدأ بمواجهة الهيمنة الاستعمارية وأدواتها الوظيفية، وإسقاط نموذج الاستبداد الداخلي، وبناء فضاء عمومي ديمقراطي يستعيد كرامة الإنسان وحقوق المواطنة الشاملة.

وعلى الصعيد الفكري، تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ "إعادة التأسيس المعرفي التحرري"، الذي يقوم على إحياء روح الفيلوسوفيا بوصفها ممارسة نقدية وتواضعاً فكرياً مستمراً، وتفكيك العقل المطابق والمحاضن المغلقة، وتصفية تركات الفكر الاستعماري وأوهام الاصطفاء العقائدي، لصالح عقلانية حوارية منفتحة تؤسس لأخوة إنسانية رحبة ومتعددة.

مشاركة:

آخر تحديث: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١١:٠٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

ديمقراطية القوة... هل يولد نظام دولي جديد دون شروط المنتصر؟
آراء

ديمقراطية القوة... هل يولد نظام دولي جديد دون شروط المنتصر؟

ديمقراطية القوة... هل يولد نظام دولي جديد دون شروط المنتصر؟ نشأ النظام الدولي القائم في أعقاب واحدة من أكثر الصفحات دموية في التاريخ الإنساني حين خلفت الحرب العالمية الثانية دمار شامل طال مختلف مظاهر الحياة بدءا بالإنسان وانتهاء بالنظم البيئية وأصغر الكائنات الحية وكانت الكارثة التي حلت بمدينتي…

· 2 د
كركبة الروح.. ومخطوطات الحياة
آراء

كركبة الروح.. ومخطوطات الحياة

ليست كل الفوضى التي تسكننا مرئية، فبعض الفوضى لا تحدث ضجيجاً، ولا تترك أثراً على ملامحنا، لكنها تربك أرواحنا بصمت، وتثقل قلوبنا بأشياء لا نستطيع البوح بها، مهما حاولنا أن نبدو بخير أمام الآخرين. كركبة الروح ليست ضعفاً، بل هي حكاية طويلة من المشاعر المتداخلة، والخيبات المتراكمة، والذكريات التي لم…

· 3 د
نيتشه وماركس والإشتراكية
آراء

نيتشه وماركس والإشتراكية

نيتشه فيلسوف ألماني وُلِدَ في 15 أُكتوبر 1844 وتوفي في 25 آب ( أٌغسطس ) سنة 1900 . [ أُصيبَ نيتشه في عام 1889 بنوبة حادة من الشلل الجنوني العام ومن أعراض هذا المرض هذيان العظمة . المصدر 1 هامش الصفحة 23 والمصدر الثاني ]. قيل الكثير وكُتب الكثير عن هذا الرجل الذي ( ملأ الدنيا وشغل الناس )…

· 9 د