أحيانا أجلس مع شخص يتحدث عن الكتب، فأكتشف أنني أمام قارئ جيد. يعرف أسماء المؤلفين، ويتذكر عناوين الكتب، وقد يسرد لك أفكارا كثيرة دون أن يتوقف. لكنني، وأنا أستمع إليه، أتساءل أحيانا إن كان قد قرأ كل ذلك ليعرف، أم ليكون لديه ما يقوله حين يجلس مع الآخرين.
هناك من يقرأ ثم ينتظر فرصة الحديث. ما إن يجد من يصغي إليه حتى يبدأ في سرد ما عرفه، وكأنه يخشى أن يضيع شيء من معلوماته إن لم يروه لأحد. وهناك من يحب أن يرى الإعجاب في عيون من حوله، فيختار من الكتب ما يمنحه مادة للحديث، ويحفظ من الأقوال ما يترك أثرا في المجلس. لا أقول إن هؤلاء لا يستفيدون مما يقرؤون، لكنني أتساءل عن تلك المعرفة التي تجعل صاحبها حريصا على أن يراه الناس مثقفا أكثر من حرصه على أن يفهم ما يقرأ.
والكتابة لها حكاية أخرى.
قد تقرأ مقالا يعجبك، فتشعر أن صاحبه أمضى وقتا طويلا يفكر في موضوعه. ثم تقع على كتاب يتناول الفكرة نفسها، فتجد أن ما قرأته في المقال كان موجودا هناك، وإن اختلفت العبارات. عندها تسأل نفسك أين ينتهي أثر القراءة وأين يبدأ جهد الكاتب؟ لا يمكننا أن نطلب من أحد أن يكتب من فراغ، لكن تغيير الكلمات لا يعني بالضرورة أن الفكرة أصبحت ملكا لمن أعاد صياغتها.
وأعرف أن بعض الناس يقرأون لأنهم يريدون تعلم الكتابة. يفتحون الكتب ليتعلموا كيف يبدأ الكاتب مقاله، وكيف يبني الجملة، وكيف يجعل القارئ يتابع ما يكتب. لا عيب في ذلك، بل هو جزء من التعلم. غير أن المشكلة تظهر عندما يقلد الكاتب من يعجبه حتى في طريقة التفكير، فيصبح صوته شبيها بصوت غيره، وموضوعاته امتدادا لموضوعاته. يظل يتعلم كيف يكتب مثل الآخرين، وينسى أن عليه يوما أن يكتب بطريقته هو.
ولعلنا نرى هذا في أكثر من مجال. نقرأ لابن خلدون، ونتحدث عن أفكاره، لكن كم مرة نحاول أن نفهم ما يجري حولنا بالطريقة التي تجعلنا نصل إلى تفسيرنا الخاص؟ نقرأ لمالك بن نبي عن مشكلات النهضة، ثم نعود إلى واقعنا ونكتفي بتكرار ما قاله. وقد نحفظ آراء الغزالي أو ابن تيمية، لكننا ننشغل أحيانا بمن قال ماذا، أكثر من انشغالنا بفهم المسألة التي نناقشها.
حتى في الفن، يعجبنا بيكاسو لأنه لم يرسم كما رسم الآخرون، ونتحدث عن تجربة فان غوخ، ثم نرفض كل عمل لا يشبه ما اعتدنا عليه. وفي السيناريو، قد يشاهد المرء مئات الأفلام ويعرف كيف تُبنى الحكايات، لكنه حين يجلس ليكتب لا يجد إلا قصصا رأيناها من قبل. كأنه تعلم الصنعة، لكنه لم يجد بعد ما يريد أن يقوله.
ربما لأننا نطمئن إلى الأفكار حين نعرف أصحابها. الفكرة التي تحمل اسم شخص مشهور تجد طريقها إلينا بسهولة، أما الفكرة التي يقولها شخص لا نعرفه، فنحن أكثر استعدادا للشك فيها. وهذا لا يحدث مع القراء وحدهم، بل قد يحدث مع الكاتب نفسه. أحيانا يكون الاستشهاد باسم كبير أسهل من أن يقول رأيه ويتحمل مسؤولية ما يكتب.
لا أعتقد أن كل قارئ مطالب بأن يصبح مفكرا، ولا أن كل مقال يجب أن يقدم اكتشافا جديدا. لكنني أعتقد أن من حقنا أن نسأل أنفسنا ماذا بقي فينا بعد القراءة. هل تغير شيء في فهمنا؟ هل أصبحت لدينا أسئلة لم تكن تخطر لنا؟ أم أننا خرجنا بمعلومات جديدة، لنستخدمها في المجلس القادم، أو لنملأ بها مقالا آخر؟
فالحياة حولنا مليئة بما يستحق الكتابة. نرى الناس يتغيرون، ونشهد مشكلات في بيوتنا وأعمالنا وشوارعنا، ونعيش أمورا لم تكن مألوفة قبل سنوات. ومع ذلك، قد نقضي وقتا طويلا في شرح ما قاله الآخرون عن الحياة، ولا نتوقف بما يكفي عند ما نراه نحن
لا بأس أن نتعلم من ابن خلدون ومالك بن نبي، وأن نقرأ للعلماء، وأن نتأمل أعمال الفنانين وكتاب السيناريو. لكن لا ينبغي أن تتحول هذه الأسماء إلى سقف نقف تحته، ولا أن تصبح الكتب مكانا نختبئ فيه كلما طُلب منا أن نقول رأينا
أحيانا لا يحتاج الإنسان إلى كتاب جديد بقدر ما يحتاج إلى أن يفكر في شيء رآه بعينيه، أو مر به في حياته، أو عجز عن فهمه. قد يكتب عنه كتابة بسيطة، وقد يخطئ، وقد يكتشف بعد مدة أنه لم يكن على صواب. لا بأس. المهم أنه حاول أن يفهم، ولم يكتف بإعادة ما فهمه غيره
أثبت أنك تفكر. ليس بأن تذكر أسماء أكثر، ولا بأن تملأ مقالك بالاقتباسات، وإنما بأن تجلس أمام ورقة وتسأل نفسك ماذا أريد أن أقول أنا؟
إذا لم تجد جوابا، فلا تتعجل في استعارة جواب من كتاب. ربما كان عليك أن تقرأ أكثر، وربما كان عليك أن تنظر إلى حياتك بعين مختلفة. المهم ألا تخلط بين أن تعرف ما قاله الآخرون، وأن يكون لديك ما تقوله
أثبت أنك تفكر!

آخر تحديث: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٢:٥٨ ص






التعليقات