انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

بين صدامَ حسينٍ وعريانَ السيدِ خلفٍ: مبارزةٌ بالـ " حسجة" في القصرِ الجمهوريِّ

ياسين غالب
ياسين غالب

شاعر وروائي

8 دقائق للقراءة
143 مشاهدة1 تعليق
بين صدامَ حسينٍ وعريانَ السيدِ خلفٍ: مبارزةٌ بالـ " حسجة" في القصرِ الجمهوريِّ
مشاركة:

تمتم صدام حسين باحترام وهو يراقبه بعين حادة كسكين وقاتلة كرصاصة:" حي الله عريان".

لم يقلها صدام لأحد من شعراء الجلسة حين توجهوا إلى المنصة وكان منهم سمير صبيح و خضير هادي ورحيم المالكي و صباح الهلالي وفاطمة الليثي  وغيرهم ممن صاروا نجوم المشهد الشعري الشعبي في عراق مابعد صدام بعد التغيير في ٢٠٠٣ تحلقت جوقة من الشعراء كعادتهم حول مجلس الرئيس، ليريقوا ماء وجوههم ليتكسبوا أو ليتقوا خطر السلطة كما درج عليه الشعراء العرب منذ أولهم وإلى ما شاء الله. لكن المثير في هذه الجلسة أن صدام حسين كان أمام شاعر يختلف عن الآخرين تمامًا، اسمه عريان، كائن أسطوري هذا الشاعر؛ نجا من الانقراض والتصفية كشيوعي من مذابح كثيرة في العراق، وتكيّف مع بيئة قاسية ليواصل البقاء، بينما مجايليه من شعراء شيوعيين تلاشى كثير منهم بين الاغتيال والمنفى.

أتذكر البث الأول لهذا اللقاء في أواخر التسعينات من القرن الماضي، وأستعيد حرارته في كل مرة، كأنني أراه للمرة الأولى. كنت يومها مراهقًا مولعًا بقصائد عريان السيد خلف، تلك القصائد التي كانت تلهب حماستنا نحن الشباب؛ إذ كنا نرى فيه شاعرًا تسكنه روح جيفارا وملامحه، لكن بنسخة جنوبية عراقية: بالشوارب، وبلهجة الجنوب، وبذلك المزيج الغريب من الكبرياء والبساطة. كان قد جرى ترويضه، كما يبدو، ليصبح مواطنًا بسيطًا يقرأ الدارمي والأبوذية  والموال في الكاسيت ، شاعرًا شعبيًا لا يثير القلق. لكنه كان، في كل مرة، يدس أفكاره بين مفرداته الصعبة، ويتسلل بها من بين أصابع الرقيب الحكومي العراقي، كمن يهرّب منشورات ممنوعة داخل قصيدة. كانت قصائده تقول شيئًا آخر تحت ما تقوله؛ ذلك الـsubtext الذي يختبئ بين السطور، والذي كنا نحن الشباب نلتقطه بحماس، وربما بشيء من الوهم الجميل بأننا نقرأ ما لا يستطيع الرقيب أن يقرأه.لذلك كنت متحفزًا، في مشاهدتي الأولى، لهذا اللقاء بين الرئيس الكهل والشاعر الكهل أيضًا. وكان عريان، في تلك المواجهة، يتحايل حتى على العمر نفسه: صبغة سوداء تغطي شعره وشواربه، وكلمات حية طازجة تفيض من فمه، كأنه يريد أن يقنعنا بأنه ما زال ذلك الشاعر الشاب، مهما تراكمت السنوات على كتفيه.

وأنا، الشاعر المراهق الذي كنتُه، شعرت منذ اللحظة الأولى أن عريان السيد خلف  أمام اختبار بالغ الصعوبة . بدا  لي  محشور  مصادفةً بين ما لا ينتمي له قلباً ولاقالباً : كيف سينجو الشاعر من خطر الرئيس، من دون أن يهدر دمه أو يهدر كرامته؟ ففي حضرة صدام  لم يكن لديك ترف المناورة أو الأختيار ،كان عليك أن تخسر شيئًا منك، دمك أو كرامتك، لكي يشعر هو بتلك العظمة الأسطورية التي رسمتها له حاشيته، وأقنعته بأنه لا يليق به أن يرى أمامه إلا من ينحني ولهذا كنت أراقب عريان لا بوصفه شاعرًا فحسب، بل بوصفه رجلًا يحاول أن يعبر حبلًا مشدودًا فوق الهاوية: أن يقول ما يريد، وأن يظل واقفًا؛ أن ينجو بالكلمة، من دون أن تتحول  إلى انحناء؛ وأن يخرج من حضرة السلطة محتفظًا بشيء أثمن من سلامته: صورته وتاريخية  المعنوي في عيوننا وعقولنا نحن الذين كنا نقرأ قصائده ونبحث، بشغف المراهقين، عما تخفيه الكلمات بين سطورها.هل كان صدام حسين بقوة كاريزما عريان السيد خلف ؟ سؤال يبدو  منحازًا وتغلبه العاطفة ولكنه حقيقي.قلت في نفسي ساعتها: لو كنت في موضع صدام، لما وضعت نفسي بالضد من تاريخ و شعبية عريان  السيد خلف ولما دعوته وسجلت هذه المباراة بالصورة والصوت. ربما كانت الدعوة مصدرها وزارة الإعلام أو ديوان الرئاسة، وربما كانت فكرة صدام نفسه؛ أن يطلب عريان بالاسم لتوريطه بقصيدة  مدح رخيص تكون وثيقة  بالصوت والصورة وتكون شهادة وفاة معنوية للشاعر.

نعود للمشهد .. تموضع صدام  في جلسته ليرى ما يحويه هذا الساحرعريان في جرابه بينما  توجه الشاعر عريان إلى المنصة، وعرّف بنفسه وموضوع قصيدته.قدم عريان السيد خلف نفسه : سيدي الرئيس القائد، قصيدتي إلى الأكرم منا جميعًا ،الشهداء. الشاعر عريان السيد خلف. حركة شطرنجية أولى يبدأها عريان السيد خلف في لعبة الشطرنج الشعرية مع صدام. فكر صدام مع نفسه: حسناً، هذه العبارة من بنات أفكاري ،لا يهم ولنرى هل تدجن جيداً، هذا الشاعر   الثوري اليساري الجنوبي ؟ هل صيرته الايام الى مهوال مداح يقول ما يشتهيه الرئيس فقط؟ بدأت المباراة. تمترس الشاعر عريان خلف المنصة  و هو يوجه صوته العميق إلى صدام مثل مدفع رشاش بينما يديه وكتلته الجسدية تهيمن على المشهد وتتفاعل مع الكلمات ، يبدو أن عريان مؤدي ماهر ولديه لغة جسد متناغمة مع  كلماته الحادة صوته  وحتى صمته. لكنها مبارزةٌ بين رجلين؛ أحدهما أعزل، والآخر مدجّجٌ بمليون شفرةِ سيفٍ يمكن أن تنطلق كلّها مرةً واحدةً، وتمزّق جسدَ الشاعر وقصيدتَه لو تجاوز الحدّ. لكن من قال إن عريان "عريانٌ"  بالكامل؟ كان عريان مدجّجًا بسلاحٍ لا يملكه صدام: ... الحسجةُ الجنوبيةُ..

لكن كيف يمكن هزيمة دكتاتور بالكلمات؟ هنا تبدو المفارقة بأوضح صورها: أحدهما يملك الدولة والجيش والسلاح والقدرة على إصدار القرار، والآخر لا يملك سوى اللغة، والذاكرة، والصوت، وشعبية لا يمكن إصدار أمر بإلغائها والكلمة، في لحظات معينة، قد تصبح سلاحًا لا تستطيع السلطة مصادرته بسهولة.

اندلعت القصيدة:

"سلام اعله الدمع حاير بالعيون

وسلام اعله النزف حد صفرة اللون

وسلام اعله الذهول بعين الأطفال

ارضعوا ديس الوفه وباجر يكبرون

وسلام اعله النشامه الوفوا للكاع

ومثل موت الشجر شاخص يموتون"

ردد صدام مع نفسه:إذا هكذا... تختبئ خلف " سلام" ، وتعني بها ما تعني، تعني بها سلامك... سلام عادل طبعًا، سكرتير الحزب الشيوعي المقتول تحت التعذيب في قصر النهاية. يعلم الجميع، والبعثي خصوصًا، أن "سلام" بالنسبة للشيوعي المهزوم تميمة يرددها في صدره سراً. حركة موفقة من عريان في لعبة الشطرنج اللامرئية هذه.

لفظ عريان كلمة "ديس"  بتخفيف السين، حتى كادت لا تُسمع. من يجرؤ على قول ديس/ثدي في حضرة صدام وعدد من النساء الشاعرات، في قصيدة مفروض أنها وطنية وتمجّد الرئيس دون مراعاة البروتوكول  الرئاسي والمكان؟

"وحگ ملحچ و طيبچ و المسافات

وحگ حرچ و بردچ و الچوانين

لون ليل الهوارف رادنه انشيل

نشّيلهم جثث و انتي التظلين عزيزه انتي اشكثر! واكثر تعزين”

  القصيدة  ليست جديدة ولم تكن خصيصاً للرئيس، كتبها عريان في بداياته عن ثورة العشرين ، تمجد شعلان أبو الجون أحد رجال الثورة كما يبدو، لكن الإلقاء رائع منحها دفق وحياة جديدة، مع هذا تبقى القصيدة  كثوب قديم يعرضه عريان للرئيس بهيئة جديد ! هل عريان يغشه ؟ يخدعه؟ لماذا لم يكلّف الشاعر نفسه بصنع ثوب/قصيدة جديدة، على الأقل تليق…بفارس الأمة العربية المنصور بالله صدام حسين!! غامت ذاكرة صدام ، مع سيل من الكلمات التي لا تعطي نفسها من المرة الأولى.

: "وزعل مثل النمر لو واكحه الذيب".

ما معنى هذا ؟ مدح ؟ شتيمة ؟ ماذا يقصد  بها هذا الشاعر " الشروگي"؟ هكذا  فكر صدام مع نفسه.

 يبدوا أن كل فذلكة (القائد الضرورة) في عالم السياسة تتعطل أمام هذا العبث بالكلمات والدلالات، والتوظيف الغريب على أذن  الرئيس المتمرس بالتلاعب بالجمهور بالكلمات وهاهو  يفشل في التقاط المدلول الجنوبي الملغز كما لو انها احجية . وعليه افتراض حسن نية عريان في المعنى والاشارات والا انقلبت القصيدة لذم مباشر وهذا ما لا يغتفر وعقابه الموت.

مع هذا كان صدام  متحفزًا و هو ينتظر اسمه ولو في  "القفلة" الشعرية الأخيرة . كان على  عريان أن يقدم نصًا يمكن أن يمر في المجلس، وأن يخدم المناسبة، وأن يظل في الوقت نفسه (عريان) الذي نعرفه ، الجنوبي المترع بقيم المضيف والكرامة ،  الشيوعي العتيد العنيد. أن يقول شيئًا في حضرة "الدكتاتور" دون أن يتحول إلى مجرد بوق للسلطة ، أن يلمح دون أن يصرح بمبادئه وأن يحتفظ بكرامته الشعرية وهو يقف أمام رجل لا يسمح حتى  بالتفكير بمعارضته؟ هنا يصبح الخوف جزءًا من لعبة  القصيدة نفسها.الحذر الذي  يجعل الإنسان أكثر براعة في اختيار كلماته من خلال الشعر الذي لا يقدم دائمًا موقفًا سياسيًا هجومياً مباشرًا  ولكن يكفي أن يصوغ عبارة ما واحدة شجاعة لتقول ماصمت الرجال عنه ومن هنا يمكن فهم وتفسير  سلوك كثير من شعراء تلك المرحلة فلم يكن جميعهم منافقين بالضرورة، كما قد يبدو لنا اليوم.كان بعضهم خائفًا والخوف، في الأنظمة القمعية،طلباً للنجاة على الأقل،  قد يدفع الإنسان إلى المديح، أو الصمت، أو الهرب، أو حتى إلى البحث عن كلمات قابلة للتأويل. أما عريان، فكان يقف في المسافة الخطرة بين الاثنين فهو  لم يكن معاديًا للسلطة تمامًا في القصيدة ، ولم يكن داخلها تمامًا.ولم يكن حرًا تمامًا بالطبع، ولم يكن في موقع يسمح له بأن يقول كل ما يريد. لكنه لم يكن أيضًا شاعرًا مستسلمًا بالكامل ، كان يعرف أن السلطة تسمع، وأن الجمهور يسمع، وأن الكاميرا تسجل، وأن كل تفصيل يمكن أن يُقرأ على أكثر من وجه.

يكفي أن  يستفز ذاكرة صدام  بمفردة " سلام"  التي كانت لعبة شعرية تحمل التحية ونقيضها، الإدانة بقتل " سلام عادل" على يد حزب صدام نفسه. ونجا  بعدها عريان من لعبته المميتة هذه وانتصر بال" حسجة" على صدام معنوياً ،رمى قصيدته الملغزة بطريقته الخاصة وترك  وراءه مشهدًا ظل الناس يتداولونه بعد سنوات طويل.  كان  صدام يمتلك القوة التي لا يمتلكها الشاعر لكن الشاعر كان  يمتلك المبدأ، يعي شرف الكلمة وأنها أطول عمراً من القوة التي  تستطيع أن تفرض عليك أن تصفق لها ولكن لا تستطيع أن تضمن أن الناس سيحبون ما صفقوا له وتستطيع أن تجعل شاعرًا يمدحك لكنها لا تستطيع أن تجعل القصيدة العظيمة ملكًا لك . القصيدة الحية والحقيقة تصنع للناس لا لرئيس مهما كان ، تحيا بهم بذاكرتهم  لا بسلطة ولا بجائزة ولا بمرسوم جمهوري .

 لهذا، نشاهد في اللقاء حيرة (الرئيس) بكل سطوته  أمام مجرد قصيدة شعبية لاهو يفهمها ولاهي تمنحه فرصة لقمعها أو إسكاتها في حضرته .. قوة الكلمة من قوة الموقف وكاريزما الشاعر طبعاً. لهذا السبب بقي المشهد بينما ؛ خُلِع صدام حسين ورحل عن عالمنا عريان السيد خلف، وبقيت القصيدة؛ تلك التي، في الأساس، لم تُكتب لصدام . مع أن الشاعر ذيلها ببيت شعر مضافا يربطها بصدام  ولكن بشكل ملغز و غامض أكثر وأكثر.

: “صدام وحالت الدنية من الوحام

وحالت واكتفت ما غيرك اتجيب”

 كلام عام عن الأيام التي لا تلد واكتفت  بصدام واحد ! ما معنى أن الدنيا عقمت بعد صدام؟ عقمت عن ماذا؟ ماذا عن ولدي صدام ؟  امتداده البيولوجي وورثة عرشه الجمهوري؟امتداده  لحكم العراق مئة قرن من الزمن وأكثر.هل يقصد عريان أن نسله مقطوع وليس بقوته وحكمته؟  كيف أفسد هذا العريان الجلسة بهذه الصورة فمدح بذم . هل  قصد إن لا وارث  لصدام  ولا آل صدام بعد صدام  ؟سم مدسوس في العسل في قعر القصيدة  ..

تتنقّل الكاميرا بين عيون الحضور الزائغة وعيون الرئيس الجاحظة؛ وجوهٌ متخشّبة، وتصفيقٌ بارد يؤدي واجبه في حضرة السلطة، وخوفٌ يتخفّى وراء الابتسامات، وشاعرٌ يغادر المنصّة مسرعًا، كأنما أدّى مهمته ونجا بجلده، تاركًا وراءه قطيع الشعراء يواجه المجهول.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٦:٤٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال
آراء

هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال

هشاشة الحب الحديث: حين يصبح الآخر خيارًا قابلًا للاستبدال أ.محمد إبراهيم الزموري لم يعد الحب يموت بالضرورة لأن أحدًا توقف عن الحب. أحيانًا يموت لأن العالم من حوله أصبح سريعًا إلى درجة لا تسمح له بأن ينضج. يبدأ الحب اليوم في زمن يريد كل شيء فورًا: الاستجابة الفورية، المتعة الفورية، الاختيار الفوري،…

· 9 د
واقعية الثبات والسيولة الرقمية
آراء

واقعية الثبات والسيولة الرقمية

أ.د محمد كريم الساعدي في عالم اليوم، لا يوجد فضاء حاكم بين الواقعي والافتراضي إلا بعملية التكوين الخاص بحدود السلوك والأخلاقيات في المجالات كافة، سواء أكان على المستوى النخبوي أم على المستوى الشعبي. لكن لكل فضاء من الفضائيين حدوده ومتبنياته الفكرية التي تنعكس على بناء الرؤية المرتبطة بتشكيل الفهم…

· 15 د
التحليل السوسيولوجي للمِلْكِيةِ
آراء

التحليل السوسيولوجي للمِلْكِيةِ

بداية أقول: حتى لا أتهم بأني من الذين يؤمنون بالنزعة الاقتصادويّة في تفسير حركة التاريخ المجتمعي, فأنا أومن بالعلاقة الجدليّة بين الواقع والفكر أولاً., وبأن كل مستويات الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة تؤثر ببعضها بعض بعلاقة جدليّة ثانياً, كونها كلها تسير عبر سيرورتها وصيرورتها…

· 5 د