في البدءِ، حينَ كان الطين ما يزال يحلم بصورةِ الإنسان، جلست الآلهة السومرية على ضفافِ دجلةَ والفرات، تُقسِّمُ الضوء بين النهار والليل،
وتزرعُ في الريحِ أسماءَ المدنِ الأولى.
كانَ (أنو) يرفعُ السماءَ كرايةٍ زرقاءَ فوقَ رؤوسِ البشر، فيما كانَ (إنليل) يحرِّكُ العواصفَ بيدٍ لا تُرى، فتنتفضُ الحقولُ كأنها قلوبٌ خائفة.
أمّا (إنكي) ، سيدُ الحكمةِ والمياهِ العذبة، فكانَ يُخفي أسرارَ الحياةِ في أعماقِ الأنهار، ويهمسُ للطين...
كنْ إنساناً.
وفي الليل، حينَ تنامُ المعابد وتخفتُ نارُ المواقد،
كانت (إنانا) تمشطُ شعرَ القمرِ بنجومٍ صغيرة، وتعلِّمُ العاشقين كيف تتحولُ القبلةُ إلى صلاة، والحربُ إلى أغنيةِ دم.
السومريون لم يروا الآلهةَ بعيدةً عنهم.. كانت تسيرُ في الأسواق، تعبرُ الحقول، وتجلسُ عند أبوابِ المدنِ الطينية.
كانوا يعتقدون أنَّ كلَّ شيءٍ يحملُ روحاً خفيّة، النهر، النخلة، الثور، وحتى الصمتُ الذي يهبطُ قبلَ العاصفة.
ومن ألواحِ الطينِ خرجتْ الحكاياتُ الأولى...
حكاياتُ الخلقِ والطوفانِ والبحثِ عن الخلود.
هناك،
في أور وأوروك ونفر، كان الإنسانُ يكتبُ خوفَهُ على الطينِ كي لا يضيع، ويرفعُ صلواتِهُ إلى السماءِ كي تتذكرهُ الآلهة.
لكنَّ الزمنَ، ذلكَ الإلهُ الأقدم، مرَّ فوقَ المعابدِ والأختامِ والتراتيل، وتركَ المدنَ أطلالاً تتنفسُ الرمل.
ومع ذلك، ما زالتْ الآلهةُ السومريةُ حيّةً في ذاكرةِ الحجارة، وفي ارتعاشةِ الماءِ حينَ يلامسُ ضفَّةً الهور، كأنَّ التاريخَ كلَّهُ لم يكنْ سوى حلمٍ طويلٍ رأتهُ بلادُ الرافدين.
غبار معبد،
على كفِّ تمثالٍ مكسور
يتساقط المطر
بوابةُ أوروك،
عشب ينمو بصمت
فوقَ أقدامِ الملوك
أطلال سومر،
ريح بينَ القصب تعوي
قمر يبزغ
بوابة قديمة،
يمرُّ منها الصمت
ولا يعود
قمر على الحجر،
كأنَّ المدينةَ تنسى
اسمها الأخير







التعليقات