أوَ لستَ من أودعَ أسرارَهُ
في جرَّةٍ من النسيانِ
فكسرتها الأيامُ
ولم تعد تذكر من أيامِكَ
سوى تواريخِ الموتى
وأغاني العاشقينَ؟
لكنك لم تكنْ مِنهم أبداً
أولئكَ الذينَ حفظتَ أيّامَهم
ثم نسيتَها حينَ أوشكتَ على الرحيلِ
إلى بلدٍ كانَ خلواً من الناسِ
وعامراً بالمواقيتِ الزائفةِ،
ألم تكُنْ تُكاتبُ الملائكةَ
حينَ تصليّ؟
ألم تكنْ تغنّي لهم
أنَّك سعيدٌ بوحدتكَ اللّانهائيةِ؟
ألم تأنفْ أنْ تخبرَهم
أنك جائعٌ حينَ يأتمرونَ بأوامرِكَ؟
وحينَ سخّر اللهُ لكَ غيمةً حسناءَ
قطعتَ الطرقَ جميعَها
في رحلةٍ مجهولةٍ
تحتَ شمسِ تموزَ
دون أن تحترقَ حروفُكَ
فلماذا صدَّقتَ الغيومَ
حين تطوَّعتْ جميعُها لمرافقتِكَ
في رحلةٍ ظننت أنَّها ستطولُ؟
لماذا بُحتَ للغيمِ
بكلَّ ماكنتَ تعرفهُ عن المطرِ؟
لماذا لم تتَّخذْ صمتَكَ مظلّةً
حين ابتلَّ رأسُكَ
بمطرٍ يشبهُ الرصاصَ؟
لماذا لم تكنْ أكثرَ حكمةً
وتعترفْ أمامَ مراياكَ
بأنَّكَ ضعيفٌ
لا يمكنكَ مُجالدةَ هذهِ الرّيحِ؟
لماذا خُنتَ استسلامَكَ للموتِ
وتشبثتَ بحياةٍ
مرسومةٍ بألوانٍ مائيةٍ
تذوبُ كلّما قرّرتَ أن تبتل
بغيمتِكَ الوحيدةِ؟
لماذا أيها السيدُ،
الغارقُ في عبوديَّتِهِ؟
لماذا تنكَّرتَ لِلسانِكَ
ولم تَعُدْ ذلكَ الولدَ الصامتَ
في صخَبِ المواعيدِ
واشتعالِ النيرانِ في حطبِ الأدعيةِ؟
لماذا؟
هلْ كنتَ تستعيدُ يوماً مارقاً
من عمرٍ لم تكنْ فيهِ
سوى جنديٍّ في معسكرِ الهزائمِ؟
-أنت ذليلٌ كما يجبُ
ومنكسرٌ كما يجبُ
وغريبٌ كما يجبُ-
هكذا أسمعُ النداءَ،
طالعاً من طين الدعاء
واضحاً مثل أذانِ المسجدِ المجاورِ
لكنّني لا أذعنُ له
كأي أبكمٍ سعيدٍ بسكونِ العالمِ
يُشيرُ إلى السَّماءِ
بيدينِ تقولانِ كلَّ شيءٍ
ولسانٍ ينامُ فيه كل شيءٍ
لكنَّه لا يسمعُ اللهَ
حين يخبرُهُ
أنَّهُ سيموتُ كما يَجبُ
ولا يعرفُ لغةً تُسعَفهُ
ليخبرَ النّاسَ،
كلَّ النّاسِ،
عن أسبابِ موتهِ







التعليقات