في العتمة التي لا يراها أحد
يتعلّم بعض البشر كيف ينكمشون
حتى يصيروا أثراً بعد عين .
يتدرّبون طويلاً على فنّ الاختفاء
لا لأنهم لا يملكون ما يقولون،
لأنهم يخشون أن يكون حضورهم عبئاً على هذا العالم.
يقبضون على رغباتهم بأيدٍ ترتعد خوفاً من الإزعاج،
يطوونها بهدوءٍ خائف،
ثم يخفونها في أعمق موضعٍ من صدورهم ؛
حيث يلتفّ الصمت حول الشغف حتى يخنقه بلا صوت،
كي لا يسترقّ أحدٌ السمع إلى أنينهم .
يعيشون أحياناً على سذاجة إيمانٍ قديم ؛
" أن العالم خُلق بموازين عادلة"
وأنه يكافئ الصامتين الذين يبتلعون نكباتهم دون صراخ،
ويربّت على أكتاف المنسيين الذين يعبرون الحياة بخفةٍ
دون أن يتركوا خدشاً في جدار الآخرين .
ثم يكتشفون متأخرين
أن العالم لا يمنح الصامتين دائماً مكافأة
وأن الطيبة وحدها لا تكفي لحماية القلب
والرغبة تتراجع في الركض داخل ميادين السعي
ولا يعود الفوز مهماً،
ولا إثبات الوجود للآخرين غايةً تستحق كل هذا التعب .
كل ما يبقى هو أمنية بسيطة
أن تمرّ الحياة دون أن تصدر حكماً جائراً
عليهم لأنهم اختاروا الصمت،
وألا تطالبهم بدفع ثمنٍ باهظ
لأنهم عاشوا دون أن يزعجوا أحداً.
فهل يُعاقَب الإنسان لأنه اختار أن يحترق ببطء،
دون أن يرفع دخاناً؟







التعليقات