انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مُذَكِّرَاتُ كُرْسِيٍّ فَارِغٍ

مجيدة محمدي
مجيدة محمدي

قاصة وشاعرة تونسية

1 دقائق للقراءة
2 مشاهدة
مُذَكِّرَاتُ كُرْسِيٍّ فَارِغٍ
مشاركة:

لَسْتُ أَذْكُرُ مَتَى أَصْبَحْتُ فَارِغًا.

أَذْكُرُ فَقَطْ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ غَادَرَنِي لَمْ يُغْلِقِ الْبَابَ، تركه مواربا ، وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنَا أَجْمَعُ الْغِيَابَ كَمَا يَجْمَعُ الْبَحْرُ أَمْوَاجَهُ الْمُتَكَسِّرَةَ.

مَرَّ عَلَيَّ عَاشِقٌ، وَتَرَكَ عَلَى خَشَبِي رَعْشَةَ يَدٍ أَحْجَمَتْ عَنِ الْعِنَاقِ فِي اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ...

وَجَلَسَ عَلَيَّ شَاعِرٌ، وَنَسِيَ بَيْتًا كَامِلًا بَيْنَ مِسْمَارَيْنِ، فَصِرْتُ أُرَدِّدُهُ لِلْغُبَارِ كُلَّمَا دَخَلَتِ الشَّمْسُ مِنَ النَّافِذَةِ.

وَأَتَتْنِي امْرَأَةٌ تُخْفِي دَمْعَهَا خَلْفَ ابْتِسَامَةٍ مُهَذَّبَةٍ، وَتَبْكِي أَيَّامَهَا الْمَهْدُورَةَ. وَحِينَ نَهَضَتْ، بَقِيَ الْحُزْنُ جَالِسًا، وَرَحَلَتْ هِيَ.

أَنَا الْوَحِيدُ الَّذِي يَعْرِفُ أَوْزَانَ الْأَرْوَاحِ ، فَالْأَجْسَادُ مُتَشَابِهَةٌ، أَمَّا الْخَيْبَاتُ، فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَزْنُهَا الْخَاصُّ.

كَمْ مِنْ إِنْسَانٍ جَلَسَ مُنْتَصِبًا، وَكَانَ مِنْ دَاخِلِهِ يَنْهَارُ كَبِنَايَةٍ مهجورة .

وَكَمْ مِنْ آخَرَ ضَحِكَ حَتَّى ارْتَعَشَتْ قَوَائِمِي، بَيْنَمَا كَانَ الْمَوْتُ يُرَتِّبُ لَهُ مَقْعَدًا فِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى مِنَ الْحَيَاةِ.

أَنَا لَا أَشْكُو الْفَرَاغَ.

الْفَرَاغُ، هو أَنْ يَمُرَّ بِكَ الْجَمِيعُ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ أَثَرًا يُشْبِهُهُ.

أَعْتَقِدُ أَنَّ الْبَشَرَ يُشْبِهُونَ الْكَرَاسِيَّ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْتَرِفُونَ؛ يَقْضُونَ أَعْمَارَهُمْ فِي حَمْلِ الْآخَرِينَ، ثُمَّ يَكْتَشِفُونَ، مُتَأَخِّرِينَ، أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا مَنْ يَجْلِسُ دَقِيقَةً وَاحِدَةً إِلَى جَوَارِ وَحْدَتِهِمْ.

لَيْلًا، حِينَ يَنَامُ الْمَنْزِلُ، أَسْمَعُ الْخَشَبَ يُصَلِّي لِلشَّجَرَةِ الَّتِي كَانَتْهَا رُوحِي يَوْمًا، وَأَسْمَعُ الْمَسَامِيرَ تَعْتَذِرُ لِلْجُرُوحِ الَّتِي أَسْكَتَتْهَا.

فَأَحْلَمُ بِذَلِكَ الْإِنْسَانِ الَّذِي سَيَجْلِسُ عَلَيَّ يَوْمًا لِيُصَالِحَ قَلْبَهُ.

عِنْدَهَا فَقَطْ...

سَأَتَوَقَّفُ عَنْ كِتَابَةِ هَذِهِ الْمُذَكِّرَاتِ.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٨ تموز ٢٠٢٦ في ٠٣:٢٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

سيرة المرايا
سرد

سيرة المرايا

(1) المرآة ذاكرة المسافات التي تتهشم على حواف الزمن. تمامًا؛ ما يحدث في مرآة السيارة، فلا صورة تبقى في حاضرها، كل الزمان عجول ليكون في ماض هارب. في مرايا السيارات؛ مفارقة تلازمك، أنك ترى مستقبل حادثة تقع لك، فعندما تترجل ترى الذكرى لما جرى لك، فأنت قد كنت حاضرًا وشاهدًا فقط، ليس بمقدورك أن تلحق…

· 4 د
أقفاص الكلمات
سرد

أقفاص الكلمات

في ساحةٍ غامرةٍ بالظلال، لم تكن الأقفاص من حديدٍ ولا من خشب، بل من نصوصٍ تُتلى كتعويذاتٍ قديمة. كل كلمةٍ تتحوّل إلى قيدٍ غير مرئي، وكل آيةٍ تُصبح سلسلةً تُكبّل الأرواح. النساء يجلسن كظلالٍ بلا أسماء، والأطفال ينامون في صناديقٍ من الحروف، كأنهم بضاعة تنتظر المشتري. السوق لا يبيع أجسادًا فحسب، بل…

· 2 د
أطراف الضوء
سرد

أطراف الضوء

(الحرية هي ما تفعله بما فُعِل بك.!!) "سارتر" لم تك الشظايا هي التي أصابتها. كانت الفكرة.الفكرة التي مرت في السماء كطائر أعمى، ثم هبطت في جسدها لتستقر.منذ ذلك اليوم، صار جسدها وثيقة سياسية، وصارت روحها سؤالًا لا تجيب عنه نشرات الأخبار.في الصباح، لا تستيقظ؛ تُستخرج من نومها كما تُستخرج اعترافات من فم…

· 6 د