انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أطراف الضوء

ولام العطار
ولام العطار

قاصة عراقية.

6 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
أطراف الضوء
مشاركة:

(الحرية هي ما تفعله بما فُعِل بك.!!)

                          "سارتر"

لم تك الشظايا هي التي أصابتها.

كانت الفكرة.الفكرة التي مرت في السماء كطائر أعمى، ثم هبطت في جسدها لتستقر.منذ ذلك اليوم، صار جسدها وثيقة سياسية، وصارت روحها سؤالًا لا تجيب عنه نشرات الأخبار.في الصباح، لا تستيقظ؛

 تُستخرج من نومها كما تُستخرج اعترافات من فم متهم بريء.

تمد يدها إلى العربة، تتحسس المعدن البارد، وتدفع.العجلات لا تصرخ، بل تئن.والأنين أكثر لباقة من الصراخ.الشرفة ليست شرفة.

هي منصة انتظار. حدّ فاصل بين ما كان يمكن أن تكونه وما صارت إليه.

 قبل الإصابة تمشي بخفة من يعرف أن الأرض تحبه. تؤمن أن الطرقات تتشكل تحت قدميها امتنانًا لمرورها قال لها ذلك ذات مساء:— تمشين وكأنكِ تعلمين سرًّا لا يعرفه العالم…!!

ضحكت يومها.لم تك تعلم أن السرّ الوحيد هو هشاشة كل شيء.السياسة ، تلك الكلمة الثقيلة لم تدخل حياتها كخطبٍ نارية ولا شعارات. بل دخلت خطأ حسابي.قرارٍ وُقِّع في غرفة مكيفة.حبرٍ جفّ قبل أن يصل صوت الانفجار إلى نافذتها.عندما أفاقت في المستشفى، لم تسأل عن قدميها.سألت:—هل كنتُ السبب؟!!

هكذا يفعل بنا العهر العام…يجعل الضحية تتفحص أخلاقها بدل أن تتفحص الجريمة.في الساعة ذاتها كل صباح، يمرّ.لا تعرف إن كان يعرف توقيتها، أم أن التوقيت صار قدرًا مشتركًا بينهما.يمشي كما  يمشي دائمًا:ظهر مستقيم، خطوات واثقة، وجهٌ يحفظ ملامحه جيدًا.قال لها قبل الحادث بأسبوع:—لا تخافي.المستقبل واضح أمامنا..!!

 مشيراً إلى امام بيده. لم تنتبه أنه لم يك يشير إليها.تدفع عربتها نحو حافة الشرفة.تثبتها.رافعة رأسها.ها هو.يمرّ تحتها كأن السماء لا تحتوي على شرفات.و الهواء ليس مثقلاً بذكرى امرأة كانت يومًا تمشي إلى جانبه.لا يرفع رأسه.وهنا يبدأ الحوار الذي لا يسمعه أحد.

- هل تخجل مني؟

- أخجل من ضعفي.

- وهل ضعفي أنا أم ضعفك؟

- لا أحتمل أن أراكِ هكذا.

- هكذا كيف؟

- ناقصة…!!

- أنا ناقصة الجسد… اما أنت ناقص الشجاعة…!!

تبتسم.الحوار كله يحدث في داخلها، ومع ذلك تشعر أنها انتصرت.

لم يك تخليه عنها حدثًا مفاجئًا.كان انسحابًا تدريجيًا، مثل انسحاب دولة من وعدٍ قديم.في البداية، يأتي محمّلًا بالأسئلة الطبية.ثم صار يأتي محمّلًا بالصمت.ثم صار لا يأتي.في آخر زيارة، وقف قرب سريرها، ولم يجلس.

قال:—الأمور تغيّرت.!!

أجابت:

- نعم. اكتشفتُ أني كنت أمشي على وهم.!!

صمت. يريد منها أن تعفيه من الاعتراف. تعرف أن الرجل الذي لا يحتمل امرأة جريحة، لا يحتمل وطنًا جريحًا .الناس ينظرون إليها بشفقةٍ مدرَّبة.هي لا تكره الشفقة؛تكره أن تختزل في سببها، تقرأ الآن أكثر.فلسفة، تاريخ، سير النساء اللواتي خسرن شيئًا وربحن بصيرة.اكتشفت أن الحركة ليست شرطًا للعبور.وأن بعض الذين يمشون، لا يصلون أبدًا.هذا الصباح، حين انعكس ضوء الشمس على زجاج سيارته، رأت وجهه بوضوح.لم يك متبخترًا كما ظنت طويلًا.كان مشدودًا، يسير فوق أرضٍ غير مستقرة.للحظةٍ قصيرة… رفع رأسه.تقاطعت أعينهما.لم يبتسم.ولم يلوّح.لكن عينيه خانتاه. فيهما شيء يشبه السؤال.

همست ، لا له، بل للهواء بينهما:

-أنا لم أُصب لأصبح عبرة.أُصبتُ لأفهم…!!

 سحبت عربتها إلى الداخل.ببطءٍ متعمد.كأنها تُنهي مشهدًا في مسرحية لم يعد لها دور فيها.في الداخل، وضعت كتابها على الطاولة.فتحت صفحة  وضعت عليها علامة.قرأتها بصوتٍ مسموع:—أقسى ما في الخذلان أنه يعرّي الوهم، لا الحب…!!

أغلقت الكتاب.للمرة الأولى منذ الإصابة، لم تشعر أنها تنتظر مرور أحد.

فكرت بشيء آخر.بكتابة.بشهادة.

بفضحٍ لا يشبه الصراخ، بل  الضوء.ربما لم تستطع أن تمشي معه الطرقات الموعودة.لكنها تكتبها.تكتب كل الورد الذي داسوه،كل الوعود التي انهارت تحت توقيعٍ رسمي، الرجال الذين أحبّوا النساء كاملات…وخافوا منهنّ حين صرن حقيقيات.وفي مكانٍ ما داخلها، بدأت تخطو.لم تكتب فورًا.

جلست أمام الورق كما تجلس امرأة أمام مرآة لا تعكس الوجه، بل الاحتمالات.النافذة خلفها، الشرفة ساكنة، الشارع يواصل تمثيله اليومي للبراءة.وضعت القلم.رفعت يدها.

أنزلتها.قالت في سرّها:

- إذا كتبتُ، أصير مسؤولة عن الحقيقة.والحقيقة ليست سهلة…لا تتعلق بقدمين مبتورتين، ولا بحبيبٍ جبان.الحقيقة تتعلق بتواطؤٍ طويل، شاركت فيه حتى دون أن تدري…!!

 تتذكر نفسها قبل الإصابة:امرأة تؤمن بالنقاش، بالمقال، بالمنبر الثقافي. تكتب عن الحرية كأنها مفهوم نظري، لا جسدًا يمكن أن يُخرق. تؤمن أن السياسة انحراف أخلاقي يمكن إصلاحه بالحوار.ثم جاء الانفجار ،لم يك انفجاراً صاخبًا كما في الأفلام ،كان صامتًا في داخلها.في تلك اللحظة، لم تفقد ساقيها ؛فقدت سذاجتها.عندما تركها، لم تصرخ.الصرخة تحتاج جسدًا يندفع. كانت ثابتة  مثل تمثالٍ مشقوق.

قال لها في آخر حديث بينهما ،في المقهى الذي اختاراه قديمًا ليكون مكانهما:— لا أريد أن أظلمك.

ابتسمت يومها ابتسامة ضيقة.وقالت بهدوء أربكه:—أنت لا تظلمني. أنت تخلّص نفسك مني…!!

هزّ رأسه.كان يبحث عن جملةٍ بطولية ينقذ بها صورته.لم يجد.أضاف بصوتٍ منخفض:—الحياة تحتاج قوة.!!

سألته:

- وأنا ماذا أحتاج؟!!

لم يجب.عرفت في تلك اللحظة أن بعض الرجال يحبون فكرة المرأة،

لا المرأة حين تتجسد بكل هشاشتها ونقصها واحتياجها.في الأيام التالية، توقفت عن مراقبته.لا لأنها شُفيت، بل لأنها تعبت من انتظار أن يُخطئ في النظر إلى الأعلى.بدأت تراقب نفسها بدلًا منه.في الليل، تسمع صدى الانفجار يعود في أحلامها.ليس صوت، بل وميض.وميض يسبق دائمًا سؤالًا واحدًا:—من المستفيد؟!!

ضحكت ذات مرة من السؤال.قالت لنفسها:

- حتى أحلامي صارت تحقيقًا صحفيًا..،!!

لكنها لم تستطع الفرار من الفكرة:

أن ما حدث لها لم يك حادثًا معزولًا.

كان نتيجة نظامٍ كامل، شبكةٍ من الصمت، رجالٍ يرتدون البدلات نفسها التي  يرتديها هو.هل هو جزءًا من ذلك؟

لا تعرف.لكنها تعرف شيئًا أخطر:أنه لم يحتمل أن يكون شاهدًا على الجريمة.

الشهادة عبء.والحب، حين يُطلب منه أن يكون شاهدًا، يتعرّى.في أحد الصباحات، لم تخرج إلى الشرفة.

جلست في الداخل، واضعة العربة جانبًا.قررت أن تغيّر زاوية الرؤية.

إذا كان العالم يمرّ من تحتها، فلتدعْه يمرّ دون تصفيقٍ منها.سمعت خطوات في الأسفل.عرفت إيقاعها.القلب يعرف قبل الأذن.تقدّم إلى البناية.

توقّف.صعد…دقّ الباب.لم تتحرك فورًا…تركت الطرق يتكرر.ثم دفعت نفسها ببطء نحو الباب.فتحت.

كان واقفًا أمامها، أقل صلابة مما بدا من بعيد.العطر ذاته، لكن الرائحة الآن مختلطة بتردد.

قال:—اشتقتُ إليك…!!

نظرت إليه طويلًا.ثم قالت:

- إلى أي نسخة؟!!

ارتبك.سأل:

- ماذا تقصدين؟!!

أجابت:

- التي كانت تمشي إلى جانبك

أم التي تجلس الآن أمامك؟!!

صمت.دخل دون دعوة واضحة، كمن يعود إلى بيتٍ لم يعد متأكدًا أنه بيته.

جلس.لم يعرف أين يضع يديه.

قال:

- كنتُ ضعيفًا.!!

ابتسمت.لم يك في ابتسامتها شماتة، بل وضوح.

قالت :

-لا.كنتَ طبيعيًا.الضعف يحتاج وعيًا، و كنت خائفًا لاغير..!!

رفع رأسه إليها، كأنه تلقّى صفعةً غير متوقعة.همس:—أحببتك…!!

أجابت بهدوء:

-أحببتَ قدرتي على السير معك…لم تحب قدرتي على البقاء بدونك.!!

سقطت الجملة بينهما كثقلٍ لا يُرفع.

اقترب منها.مادّا يده نحو العربة.

لكنه تراجع قبل أن يلمسها.

سألها:

-هل تغيّرتِ كثيرًا؟!!

نظرت إلى قدميها الساكنتين، ثم إلى عينيه.

- نعم…لم أعد أبحث عمّن يحملني.

أبحث عمّن يحتمل أن أقف داخله.!!

لم يفهم تمامًا.أو ربما فهم وخاف من الفهم.قال:—يمكننا المحاولة من جديد…!!

ضحكت هذه المرة بصدق.ضحكة قصيرة، لكنها حاسمة :

-من جديد..أنا لم أعد هناك.

المرأة التي تركتها ماتت في غرفة العمليات…وهذه التي أمامك… لا تقبل أن تكون وعدًا مؤجلًا.!!

اقتربت من الطاولة.أمسكت بالأوراق التي بدأت تكتبها.ناولته صفحة.قرأ العنوان الصغير الذي كتبته في الأعلى:

(شهادة امرأة نجت من حبٍ  دونما شجاعة.).

رفع عينيه.سألها بصوتٍ يكاد يكون اعترافًا:

- هل أنا الشرير في قصتك؟

أجابت:

-لا.أنت العرض الجانبي.

الشرير أكبر منّا نحن الاثنين.!!

سألها:

-من هو؟”

نظرت نحو النافذة:

- الخوف.الخوف الذي يجعل الرجل يتخلى،ويجعل الوطن ينفجر،ويجعل الضحية تسأل إن كانت السبب.!!

ساد صمت طويل.ثم قالت بهدوءٍ لم تعرفه في نفسها من قبل:—أنا لن أمشي مرة أخرى كما كنت.لكنني أقف بطريقةٍ لا تستطيع أنت أن تبلغها.”

نهض.تردد لحظة عند الباب.سألها، كمن يبحث عن خيطٍ أخير:—هل سامحتِني؟

فكّرت قليلًا.ثم قالت:

-سامحتُ نفسي أولًا.أما أنت… ستسامحك الأيام أو لا تفعل.هذا ليس شأني بعد الآن.!!

أغلق الباب خلفه.لم تبكِ.دفعت عربتها نحو الشرفة ، لا لتراه، بل لترى السماء…!!

 السماء واسعة كما هي دائمًا.لم تسقط معها.لم تُصب بشظايا.رفعت وجهها نحو الضوء،شاعرة للمرة الأولى أن العجز ليس في الجسد،بل في القلب حين يختار السلامة بدل الحقيقة.وفي الداخل ،شيءٌ ما كان يمشي…!!

مشاركة:
ولام العطار
ولام العطار

قاصة عراقية.

آخر تحديث: ٢٨ تموز ٢٠٢٦ في ٠٥:٣٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

سيرة المرايا
سرد

سيرة المرايا

(1) المرآة ذاكرة المسافات التي تتهشم على حواف الزمن. تمامًا؛ ما يحدث في مرآة السيارة، فلا صورة تبقى في حاضرها، كل الزمان عجول ليكون في ماض هارب. في مرايا السيارات؛ مفارقة تلازمك، أنك ترى مستقبل حادثة تقع لك، فعندما تترجل ترى الذكرى لما جرى لك، فأنت قد كنت حاضرًا وشاهدًا فقط، ليس بمقدورك أن تلحق…

· 4 د
أقفاص الكلمات
سرد

أقفاص الكلمات

في ساحةٍ غامرةٍ بالظلال، لم تكن الأقفاص من حديدٍ ولا من خشب، بل من نصوصٍ تُتلى كتعويذاتٍ قديمة. كل كلمةٍ تتحوّل إلى قيدٍ غير مرئي، وكل آيةٍ تُصبح سلسلةً تُكبّل الأرواح. النساء يجلسن كظلالٍ بلا أسماء، والأطفال ينامون في صناديقٍ من الحروف، كأنهم بضاعة تنتظر المشتري. السوق لا يبيع أجسادًا فحسب، بل…

· 2 د
طوفان الكلمات
سرد

طوفان الكلمات

جلس قرفصاء في مكانه الذي يشعر فيه بالارتياح والدفء، والأمان، أدرك بأن شيئاً ما قد يحدث.. شيئاً مغايراً للمألوف أنها سيول جارفة ستزيل معالم القرية، ظل يتردد في البوح للأهالي، خوفاً من تكذيبهم له، كما في المرة السابقة. ففي يوم ما، أبلغهم بأن غرباناً سوداً ناعقة تمخر عباب السماء تنذر بالشؤم، فنعتوه…

· 3 د