انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أقفاص الكلمات

كفاح الزهاوي
كفاح الزهاوي
2 دقائق للقراءة
44 مشاهدة
أقفاص الكلمات
مشاركة:

    في ساحةٍ غامرةٍ بالظلال، لم تكن الأقفاص من حديدٍ ولا من خشب، بل من نصوصٍ تُتلى كتعويذاتٍ قديمة. كل كلمةٍ تتحوّل إلى قيدٍ غير مرئي، وكل آيةٍ تُصبح سلسلةً تُكبّل الأرواح. النساء يجلسن كظلالٍ بلا أسماء، والأطفال ينامون في صناديقٍ من الحروف، كأنهم بضاعة تنتظر المشتري.

    السوق لا يبيع أجسادًا فحسب، بل يبيع شرعيةً مغلّفة بالقداسة، حيث يتحوّل النص إلى سلعة، والإنسان إلى هامشٍ في كتابٍ لا ينتهي.

 

دخل الراوي الساحة بخطواتٍ مترددة، كأن الأرض نفسها ترفض أن تحمله. كان الهواء مشبعًا برائحة الورق المحترق، والكتب الممزقة تتطاير كأجنحةٍ مكسورة. وقف أمام قفصٍ من الكلمات، حيث امرأة تحدّق فيه بعينين لا تعرفان النوم، كأنها تسأله بصمتٍ:

ــ هل أنا نصٌ أم إنسان؟

 

اقترب أكثر، فسمع أصوات الباعة تتداخل مع تلاواتٍ قديمة، كل صوتٍ يعلن أن البيع مباح، وأن الأسر شرعي. لكن في داخله ارتفع صوتٌ آخر، لم يكن صوتًا بشريًا بل صدى الحرية نفسها، يقول:

ــ الكلمات ليست قدرًا، إنها أقفاص، وإن كسرتَها عاد الإنسان إلى نفسه.

 

فجأة، ارتفع صوت الحرية كريحٍ عاتية، فاهتزت الأقفاص المصنوعة من الكلمات، وتساقطت الحروف على الأرض كرمادٍ بلا معنى. الباعة تراجعوا مذعورين، والنساء خرجن من ظلالهن كأطيافٍ تستعيد أسماءها.

لم يكن السوق بحاجةٍ إلى سيوفٍ أو جدرانٍ لتنهار، بل إلى كلمةٍ واحدة تُقال بصدق:

ــ الإنسان ليس نصًا، بل حياة.

 

حين انطفأت الأضواء، لم يبقَ في الساحة سوى فراغٍ واسع، كأن الأرض نفسها تنفست أخيرًا. وقف الراوي في الوسط، ينظر إلى الرماد المتناثر، ويسأل نفسه:

ــ هل انتهى السوق فعلًا، أم أن النصوص ستعود لتبني أقفاصًا جديدة؟

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٣١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

شَرْخٌ فِي الجِدَارِ الرَّابِع: النَّصُّ يَبْصُقُ مَوْتَاه
سرد

شَرْخٌ فِي الجِدَارِ الرَّابِع: النَّصُّ يَبْصُقُ مَوْتَاه

غالب المسعودي في بَدء التّكوين، يَومَ كانَت طاقَةُ الهَيُولى تَموجُ كَسَديمٍ لَزِجٍ فَوقَ مَاءِ العَدَم، لم تَكُن تِلكَ التَّجاويفُ مُجرَّدَ مَجارٍ لِلتَّصريف، بَل كانَت أمعاءً صِناعيّةً عَمياء تَمْتَدُّ كأورامٍ مُستَحكَمةٍ تَحتَ قِشرةِ الأَرض، تَجتَرُّ نُفاياتِ الزَّمَنِ وسَوائِلَ النِّظامِ…

· 7 د
الميت الحي
سرد

الميت الحي

ثقيلة كانت تلك الظهيرة الخانقة من صيف 2003، الرصاص أصبح متقطعًا، ولم يعد ضمن الروتين اليومي لمدينة بغداد، ولكن العيون لم تعرف بعد معنى الطمأنينة.. غبار ودخان خفيف يملأ الجو، حركة هادئة بالشارع، يقطعها بين الفينة والفينة بعض الصخب الذي تنثره الأرتال العسكرية.. أو سيارة إسعاف، دراجة نارية.. أو أي…

· 13 د
قصة " نرجسية كاتب"
سرد

نرجسية كاتب

شكري وامتناني العميق لحرصكم وحسن رعايتكم لما اشارككم من لفحات قلمي ويُنشر على صفحات مجلتكم الغراء. تحية ود طيبة بطيبة عطاءكم الوافر، بكل الود ابعث اليكم قصة بعنوان نرجسية كاتب"... النص: نرجسية كاتب تجاوزتُ في تلبيتي دعوةَ صديقتي وزميلتي "أستاذة علم الاجتماع التي تقاسمتُ معها مظلةَ الجامعة وسنواتِ…

· 5 د