في ربيع 2003 كانت المدينة تشبه رجلا استيقظ من عملية جراحية طويلة ولم يجرؤ بعد على لمس وجهه. يتحسس ملامحه بحذر، كأنه يخشى أن يكتشف أن الأنف لم يعد في مكانه، أو أن العينين صارتا لشخص آخر. التماثيل اختفت من الساحات كما تختفي الأسنان من فم عجوز. القواعد الحجرية بقيت وحدها، عارية ومحرجة، ترفع أعناقها نحو الفراغ. الجدران التي كانت تحمل صورا عملاقة تحولت إلى بقع باهتة. حتى الهواء بدا مختلفا. كان محملا بغبار جديد، غبار لا يأتي من الصحراء، بل من انهيار اليقين.
في تلك الأيام صار الناس يتكلمون كثيرا. أكثر مما ينبغي. كأن الكلمات كانت مثل سجناء خرجوا دفعة واحدة من زنزانة ضيقة. كل واحد يحمل قصة. وكل قصة تطلب مكانها في الضوء. وكل صاحب قصة يريد أن يقنع الآخرين بأنه كان طوال الوقت يقف في الجانب الصحيح من التاريخ.
كنت أتردد على المسرح القديم. هناك، في إحدى الزوايا، رأيته. محاطا بعدد من الممثلين، أغلبهم من الشباب. كان جالسا في المنتصف مثل شيخ قبيلة يروي أمجادا بعيدة. أما هم فكانوا ينحنون نحوه بإصغاء يكاد يكون طقسيا.
اقتربت. سمعت كلمات مألوفة تتساقط من فمه. ملاحقة. تضييق. تقارير أمنية. مراقبة. ثم قال بصوت خفيض، لكنه محسوب بدقة:
"لقد صدر بحقي حكم بالإعدام."
ساد الصمت. ذلك الصمت القصير الذي يسبق الإعجاب. فتح أحد الشبان عينيه حتى حسبت أنهما ستسقطان على الأرض. هز آخر رأسه بإجلال. أما الثالث فتمتم:
"لم نكن نعرف ذلك."
عندما سمعت الجملة شعرت بشيء يتحرك في داخلي. لم نكن نعرف ذلك. نعم. هم لم يكونوا يعرفون. أما أنا فكنت أعرف شيئا آخر. شيئا مختلفا تماما. كنت أعرف الرجل منذ سنوات طويلة. ولم أره مرة واحدة هاربا من أحد. لم أره يختبئ في قبو. لم أره يحمل منشورا سريا أو يطرق باب بيت آمن في منتصف الليل. كنت أعرفه راقصا. وهذا فرق كبير. عرفته تحت الأضواء لا في الظلال. عرفته محاطا بالموسيقى لا بالمخبرين. عرفته يرتدي أزياء مطرزة بألوان زاهية، ويتحرك بخفة طائر يعرف تماما متى يرفرف ومتى يهبط.
كانت ذاكرة قديمة تنهض في رأسي مثل قطة عجوز خرجت من تحت سرير مهجور. رأيته من جديد عبر شاشة التلفاز في إحدى أمسيات التسعينيات، وكانت المناسبة احتفالا بعيد ميلاد الرئيس. القاعة مكتظة. المراوح تدور بكسل فوق الرؤوس. الستارة ترتفع ببطء. ثم تبدأ الموسيقى. وفي قلب الخشبة يظهر هو. طويلا، ممشوقا، واثقا. يدور مع الراقصين في دائرة واسعة. يضرب الأرض بقدمه في اللحظة المناسبة تماما. يرفع ذراعيه كأنهما جناحان. يبتسم للجمهور، والجمهور يبادله الابتسام.
لم يكن مطاردا. كان محبوبا. ولم يكن مختبئا. بل كان في أكثر الأماكن ظهورا. في منتصف الضوء تماما. لهذا بدت حكايته الجديدة غريبة. لكن الغريب لم يكن ما يقوله. الغريب أن الآخرين كانوا يصدقونه بسهولة. شيئا فشيئا بدأت ألاحظ أن الأمر لا يخصه وحده. العدوى انتشرت في المدينة كلها. موظف حكومي صار مناضلا قديما. صحفي كان يكتب المديح كل صباح تحول إلى ضحية للرقابة. مسؤول محلي اكتشف فجأة أنه كان عاشقا للحرية منذ طفولته المبكرة. كنت أستمع إليهم وأشعر أحيانا أنني أمشي داخل سيرك ضخم لتبديل الأقنعة. الوجوه نفسها. لكن الأقنعة تتغير بسرعة. المدينة كلها بدت كأنها ورشة هائلة لإعادة تصنيع الذاكرة. لم يعد السؤال: ماذا فعلت؟ . بل أصبح: أي ماض تحتاجه اليوم؟.
كل شخص أخذ يختار الماضي المناسب له كما يختار ربطة عنق قبل مناسبة مهمة. عندها فهمت شيئا عن المسرح. المسرح لا يكذب دائما. أحيانا الحياة هي التي تتعلم منه.
ذلك الممثل القديم أدرك أن العرض الأول انتهى. وأن جمهورا جديدا دخل القاعة. جمهور لم يشاهد الفصل السابق، ولم يعرف شيئا عن الأدوار القديمة. فلماذا لا يبدأ المسرحية من جديد؟ ولماذا لا يوزع الشخصيات بطريقة أكثر فائدة؟
في النسخة الجديدة لم يعد يريد أن يكون الراقص. الراقص لا يكسب الكثير في الأزمنة المضطربة. أما الضحية فكانت بطلة الموسم. الجميع يبحث عنها. الجميع يصفق لها. الجميع يفتح لها الأبواب. وهكذا تحول الراقص إلى ضحية. وتحولت الذكرى إلى مادة قابلة للتشكيل. وتحول الماضي إلى عجينة بين الأصابع.
في تلك الأيام أدركت أن الحقيقة نفسها تغيرت. لم تعد شيئا حدث وانتهى. صارت سلعة. ورواية. ومادة للتفاوض. وكلما كان الراوي أكثر براعة، بدت حكايته أكثر صدقا.
ومنذ ذلك الربيع، كلما سمعت رجلا يتحدث بثقة مطلقة عن ماضيه، لا أصغي كثيرا إلى ما يقوله. أبحث في مكان آخر. في صورة قديمة. في حركة يد. في ابتسامة منسية. في ظلٍ ترَكَه وراءه ذات يوم. فالظلال أكثر أمانة من أصحابها أحيانا. والذاكرة، مهما شوهها الرواة، تحتفظ دائما بشيء صغير يرفض التغيير. شيء يشبه حبة حصى في حذاء التاريخ. صغيرة جدا. لكنها تمنع الكذبة من المشي براحة كاملة.







التعليقات