انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مأتم في حافلة المصلحة

عامر كامل السامرائي
عامر كامل السامرائي

قاص ومترجم عراقي

4 دقائق للقراءة
7 مشاهدة
مأتم في حافلة المصلحة
مشاركة:

حين كانت أمانة العاصمة تُسيّر تلك الأيقونات الحمراء الإنجليزية ذات الطابقين، كانت حافلة المصلحة رقم 28، طقسي اليومي المألوف الذي يربط بين عالمين، ذهابي إلى ثانوية الثقافة والفنون الأهلية في الباب الشرقي، وعودتي إلى بيتنا.  كنت أحرص دائماً على أناقتي التي تميز طلبة الثانويات الأهلية آنذاك، وأحمل حقيبتي ودفاتري مستنداً قرب مدخل الطابق الأسفل، أراقب بحسٍّ اعتاد تأمل الوجوه والظلال حركة الركاب وتذاكر الجابي الملونة.

في تلك الظهيرة، كانت الحافلة محتشدة بالركاب كعادتها. وعند محطة قريبة من ساحة الطيران، صعد شيخٌ بغداديٌ جليل، كأن لحيته البيضاء ومسبحته العالقة في معصمه قد نُقلتا من باحة الحضرة الكيلانية، وبيده كيس ورقٍ بني تفوح منه رائحة التين والرمان، يتمايل مع حركة الحافلة الضخمة ويحاول تثبيت قدميه بتعبٍ ظاهر.

غير بعيدٍ عنه، جلس شابٌ مهندم، نظارته الطبية تمنحه ملامح موظفٍ دقيق في إحدى الدوائر. رمق الشاب الشيخ بنظرةٍ فاحصة، ثم أتبعها بأخرى متأملة استقرت على وقاره ولحيته البيضاء، وتيقن (كما بدا لي وأنا أراقبهما) أن هذا الشيخ مستجاب الدعوة، وبوابات السماء أمامه مشرعة بلا حجاب.

هبّ الفتى واقفاً بحفاوةٍ بغدادية أصيلة، وقال بأدبٍ جمّ:

- تفضل عمي، استريح بمكاني، البركة بأمثالكم!

تهلل وجه الشيخ، ودعا له بالستر ولأهله بالرحمة، ثم استقر في المقعد متنفساً الصعداء وواضعاً كيس الفاكهة بين ركبتيه.  غير أن هذا الكرم الحاتمي لم يكن مجانياً على إطلاقه، بل كان افتتاحاً لمزادٍ روحي طريف لم أشهد له مثيلاً في رحلاتي اليومية!

لم تكد الحافلة تجتاز ساحة الطيران نحو ساحة الأندلس حتى انحنى الشاب برأسه نحو الشيخ، وقال بصوت خفيض ملؤه الأدب والمقايضة التجارية:

- عمي العزيز، الطريق إلى بغداد الجديدة طويل وأنا هادّني التعب، فما رأيك أن نقتسم المسافة مناصفة؟ تجلس نصف الطريق، وبالمقابل تتفضل بقراءة الفاتحة على روح الوالد؟ فقد توفاه الله قبل شهرين ودعوة مثلك مستجابة.

ابتسم الشيخ بأريحية، وهز رأسه موافقاً، فالدعاء لموتى المسلمين سجية، وفاتحة الكتاب هينة وبركة في كل درب. رفع كفيه بخشوع، وقرأ السورة بصوتٍ رخيم سمعه الركاب القريبون، وترحم على الوالد، بينما مسح الشاب على صدره بتأثر وامتنان.

مضت الحافلة رقم 28 تتهادى في مسارها المعهود، وقبل أن نبلغ ساحة 62، عاد الشاب وانحنى ثانية، وقال برجاءٍ أرقّ ونبرة مستثمرٍ يطمع في المزيد:

- عمي الله يحفظك، ما دامت قراءتك مباركة وصوتك يفتح النفس، ما رأيك بالربع الثاني من الطريق؟ تهب فيه ثواب الفاتحة لروح الوالدة، فقد لحقت بأبي قبل شهر والمسكينة تستحق الرحمة؟

تطلع الشيخ إليه بدهشة لطيفة لا تخلو من ابتسامة، ثم رفع يديه ثانية امتثالاً لحسن النية، وقرأ الفاتحة لأم الشاب ودعا لها بالفسحة والجنة.

وحين شارفت الحافلة على دخول مشارف بغداد الجديدة، انحنى الفتى للمرة الثالثة، وقال باعتذارٍ بالغ الرقة:

- عمي، بقي ربع الطريق الأخير...  ولديّ جدةٌ فاضلة ربتني وكانت تحب القرآن حباً جماً، فهل تكرمني بسورة لروحها، وتكمل المشوار جالساً حتى نهاية الخط؟

هنا، التقت عينا الشيخ بعينيّ مباشرة، فرأيت فيهما بريق حيرة ضاحكة واستدراكاً خاطفاً للموقف. نظر إلى الشاب ثم نظر إلى امتداد الشارع أمامه، وبدا كأنه يحسبها بعقلية تاجر، فإن وافق على الجدة الآن، فربما تذكر الفتى عمه الذي غرق في دجلة أو خاله الذي توفي أيام زمان، ولن تصل الحافلة إلى محطتها الأخيرة إلا وقد أتم ختمة قرآن كاملة على روح شجرة العائلة فرداً فرداً.

نهض الشيخ بخفةٍ لافتة، وحمل كيس الفواكه، ثم ربت على كتف الفتى وقال له بلهجة بغدادية دافئة تفيض دعابة:

- بارك الله ببرّك يا ابني وجزاك خيراً، تفضل اجلس بمكانك معافى، فقد خشيتُ إن بقيتُ جالساً أن تنقلب حافلة المصلحة إلى مجلس عزاء متنقل، وأنا على موعد ينتظرني فيه صاحبي على استكان شاي.

استأذن الشيخ الجابيَ بلطف، فضغط الأخير على الجرس الأحمر في سقف الحافلة ليصدر تلك الرنّة المألوفة المنبهة للسائق، وتهادت الحافلة حتى توقفت عند المحطة القادمة لينزل الشيخ مبتسماً، بينما وقفتُ أنا بكامل هندامي أبتسم في سري من فرط الظرف، ممتناً لتلك الحافلة الحمراء التي لم تكن تنقلني من مقاعد دراستي إلى بيتي فحسب، بل كانت تمنحني كل يوم لوحة حية من طبائع الناس وطرائف بغداد التي لا تُنسى.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٤٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

ستائر بيض
سرد

ستائر بيض

المساء بصمته المريب، مختلفاً عن أمسياته التي اعتادت المضي مثقلة بترقب صامت. بعد انقطاع طويل، قرر مغازلتها،البنت العابقة بهيامات أيامها.لم يكن القرار مفاجئاً، ولا يملك له سبباً يمكن روايته لأحد. ربما لأنه رآها واقفة عند الشباك الأثير إلى روحها، معيدة ترتيب الستارة، وربما لأن المساء هادئاً أكثر مما…

· 3 د
العاقل الوحيد
سرد

العاقل الوحيد

قُصي الشيخ عسكر الثور راود الفلاحة (نجمة) فضول حين وجدت صاحب الثور الفحل يملأ سطلا بالماء فيخلط معه شيئا ابيض ناعما مثل الطحين ليقدمه لثوره كلما انتهى من تلقيح بقره فاقتربت منه بعد ان أسدلت نقابها على وجها وسألته هامسة عن هذا الشيء الذي يخلطه فعرفت انه سكر وماء إذاً هو سكر وماء لا شيء اخر! في البيت…

· 2 د
كنت أعرفه راقصا
سرد

كنت أعرفه راقصا

في ربيع 2003 كانت المدينة تشبه رجلا استيقظ من عملية جراحية طويلة ولم يجرؤ بعد على لمس وجهه. يتحسس ملامحه بحذر، كأنه يخشى أن يكتشف أن الأنف لم يعد في مكانه، أو أن العينين صارتا لشخص آخر. التماثيل اختفت من الساحات كما تختفي الأسنان من فم عجوز. القواعد الحجرية بقيت وحدها، عارية ومحرجة، ترفع أعناقها…

· 4 د