المساء بصمته المريب، مختلفاً عن أمسياته التي اعتادت المضي مثقلة بترقب صامت. بعد انقطاع طويل، قرر مغازلتها،البنت العابقة بهيامات
أيامها.لم يكن القرار مفاجئاً، ولا يملك له سبباً يمكن روايته لأحد. ربما لأنه رآها واقفة عند الشباك الأثير إلى روحها، معيدة ترتيب الستارة، وربما لأن المساء هادئاً أكثر مما ينبغي، أو لأن شيئاً في وجهها أعاده إلى وقت لم يستطع تحديده.اقترب منها بحركة رشيقة ذكّرته بأيام فتوته. كانت ترتدي ثوباً مغطى بزهور النرجس، رافعة شعرها الموشوم بالبياض إلى الخلف، تاركة بعض خصلاته عند عنقها. حين شعرت به خلفها، التفتت ناظرة إليه لحظة قبل أن تبتسم.بادلها الابتسام برقة.— ما أجملك!
ضحكت.— ما زلت؟كان ينتظر السؤال، لكنه لم يعد يعرف لماذا.— نعم، ما زلتِ.
اقترب منها، وبحركة اعتاد فعلها مد يده إلى كتفها، لكنه توقف.أصبح وجهها قريباً منه، إلى درجة جعلته يشعر أن عليه معرفة شيئاً أساسياً: اسمها، ومنذ متى يعرفها، ولماذا تقف في بيته عند هذه الساعة من الليل. نظر إلى عينيها طويلاً. شاعراً أن شيئاً ما انسحب من داخله بهدوء ودون ألم، كما تنسحب قطعة أثاث من غرفة أثناء نوم صاحبها.لم يعرف من تكون.
بقيت ابتسامته في مكانها، كأنها لم تتلق الخبر بعد.قال:— يبدو أننا التقينا من قبل؟
تلاشت ابتسامتها:— ماذا قلت؟
أعاد السؤال بنبرة أكثر جدية:— التقينا من قبل؟
نظرت إليه مستفهمة.
— نعم.
سكت قليلاً.
— أين؟
ابتعدت عن الشباك جالسة على الكرسي القريب من السرير:— في مكان تعرفه .
حاول التذكر، فلم يجد ما يثير انتباهه.
كان يعرف الغرفة، والسرير، والشباك، والستائر البيض، وخزانة كتبه الصغيرة في الزاوية. يعرف المفتاح في جيبه، و معطفه معلّق خلف الباب،و في المطبخ كوباً مكسور المقبض يعتز به ويحرص على أن يبقى قريباً منه دائماً. رغم بحثه المضني، لم يجد لها مكاناً في رأسه.لكنه لم يشعر بالخوف.
ثمة شيء آخر، أكثر غرابه ،شعر أنها تنتظر منه قصة.قال:— أظن أني رأيتك في الجامعة.
قالتها دون تردد:— لم نلتقِ هناك.
ابتسم.
— إذن أين؟
فكر قليلاً. لم يبحث عن ذكرى. تعمد بمكر اختراع واحدة، بشيء من المهارة والفهم:— في محطة قطار.
نظرت إليه.— ماذا أفعل هناك؟
نظر إلى الستارة، محاولاً الاستعانة بها.
— تنتظرين شخصاً.
— من ذلك الشخص؟
عاد إليها بعينيه.— أأأ ننننا.
ضحكت.منذ بدأ حديثه شعر، على نحو لا يستطيع تفسيره، أنه قال شيئاً صحيحاً.لم تسأله كيف عرف إنها كانت تنتظره، لم تبد عليها الدهشة التي يتوقعها من امرأة يسمعها زوجها، أو هكذا افترض.قالت:— متى كان ذلك؟
أجاب بعد لحظة:— في يوم ماطر شديد العتمة!.
— الإيام الماطرة كثيرة؟
نظر إليها مبتسماً.
— اليوم الذي تزوجنا فيه.
ابتسمت، دون أن تصحح له شيئاً.
غدا الصمت بينهما مريحاً على نحو غريب. مد يده إلى علبة السجائر فوق الطاولة، أخرج واحدة، ثم تذكر أنها تكره التدخين في غرفة النوم. فتوقف قبل إشعالها.قال:— تكرهين التدخين.
قالت:— ما زلت.
أعاد السيجارة إلى العلبة.
— جيد.
— لماذا جيد؟
— لأني تذكرت شيئاً.
لم تقل شيئاً.شعر أنه نجح في امتحان لا يعرف أسئلته.أخذ نفساً عميقاً وقال:
— كنت ترتدين معطفاً رمادياً في المحطة.
هزت رأسها.
— لم أملك معطفاً رمادياً.
— أسود؟
— كان أزرق.
— صحيح.
ابتسمت.
— ولم نلتقِ في محطة قطار.
توقف.كان ينبغي عليه الشعور بالإحراج، لكنه شعر بالفضول.
— أين التقينا إذن؟
قالت:— في بيت أهلي.
رفع حاجبيه.
— ماذا أفعل في بيت أهلك؟
— جئت مع صديقك.
— من صديقي؟
فكرت قليلاً.
— لا أعرف.
— كيف لا تعرفين؟
— لأنك لم تقل اسمه.
أحس أن شيئاً منطقياً بدأ يتشكل بينهما، مع أن كل شيء بدا مختلقاً.
قال:— كنت أبحث عنك.
— لماذا؟
— لأني رأيتك من الشباك.








التعليقات