"فتنة" و"مسرور" جروان حديثا الولادة أبيضان ببياض الحليب وبعمر واحد حتى يصعب التمييز بين من هو الذكر "الجرو" ومن هي الأنثى "الجروة"، كانا ينعمان بعيش رغيد برعاية "صابر" و"مزيونة" الشاب والشابة القرويين اللذين أسسا لهما عشاً جديداً بعد أشهر من زواجهما وانفصالهما عن عائلتيهما الأم، حيث ابتنى لهما أهل القرية في "عونة" كوخاً جديداً على ضفة النهر متصدراً بستاناً من النخيل الممتدة أشجاره صفوفاً منتظمة على شكل مستطيلات تحد ألواح الرز الذي تشتهر بزراعته قريتهم "الهارمية"، وقد شجعهما على تأسيس بيت جديد حصولهما على قطعة أرض زراعية على وجهٍ بعد ثورة تموز.
"فتنة" و"مسرور" أبناء "وردان" و"موزة" اللذين يعيشان في كنف عائلة "صابر" أباً عن جد ولعدة أجيال متوالية للعائلة. فإن لعائلة "مسرور" وعائلة "صابر" تاريخاً مشتركاً!
"فتنة" و"مسرور" ممتلئان بهجة وسروراً ومتعة في اللعب والمرح والشبع التام وكأنهما يشاركان أهل القرية فرحهم وابتهاجهم ورفيف راياتهم الحمراء التي أخذ يزداد ظهورها في كل مكان لتحل محل بيارق القبائل والعشائر و"السادة". كانا فرحين ومسرورين وهما يقعيان أو يتوسدان باب الكوخ ويراقبان مشاهد الغزل ومظاهر النشوة والحب والحميمية بين "صابر" و"مزيونة" التي ما إن تخمد جذوة حرارتها حتى تتجدد ثانية بين العروسين، يحاولان تقليد سيديهما بحركات اللمس واللحس والشم والتمرغ في المرج الأخضر البهيج الممتد بجانب الدار، يتسحبان حينما تبدأ مرحلة العري الممهدة للالتحام بين الشابين عبر إشارة من "مزيونة" عندما تنهض لإغلاق باب الكوخ قبل الغيبوبة الكبرى.
مزيونة تراقب حركة الجروين الرشيقة الحميمة الشبقة الساخنة الودود وهما على أبواب مرحلة النضج، فقد قارب عمراهما الشهر السادس أو السابع.
كانا يتمرغان في الحقل محتضناً أحدهما الآخر مثيرين أصواتاً ناعمة كأنها كركرات أطفال صغار يمرحون، تتذكر أيام طفولتها وصباها ومرحها ولعبها مع ابن عمها وحبيبها حينما كانا صغاراً مما يؤجج داخلها نار الشوق لحبيبها صابر؛ إنها لا تريد أن تنهي لعبة الحب بينهما أبداً فتكاد لا تحتمل ساعات غيابه في العمل.
"فتنة" و"مسرور" يتقافزان حول مزيونة عندما تعمل في باحة الدار أو تذهب لغسل الأواني في النهر من على "الشريعة"، يتوددان لها ويلحسان أصابع قدميها المخضبتين بالحناء كأنهما يلتذان بملمس نعومتهما، وحجليها الفضيين وبريقهما المثير، يجهدان في محاولة القفز ليتمكنا من تطويق رقبتها ووضع منخريهما بين نهديها النافرين وعطرهما الليلي المنعش.
لم تكن مزيونة تنهرهما ولا تبخل عليهما بالخبز أو ببعض الأسماك وبقايا بعض الطيور المائية التي كان يصطاد منها صابر الكثير، حيث يوجد منها الكثير في الهور المشاع القريب منهما، الأسماك كانت تلعب بين أقدامهما أثناء العمل في الحقل.
شب الجروان على أصوات الهلاهل والأعراس وفائض العزائم والولائم شبه اليومية، كانت القرية تعيش أعراساً وأفراحاً دائمة، طغى الفرح على الناس على حين غرة بعد عشرات السنين من الحزن والبؤس والحرمان، كانت روح التضامن والحميمية في أروع أشكالها بين الناس، تحاكي حالة احتضان المنجل للمطرقة في الرايات الحمراء التي كانت ترفرف في كل مكان من القرية والمدينة. يتمثلان نفسيهما، متحدين في نوبة عشق حميم، "مزيونة" و"صابر" في عناقهما الذي لا ينقطع.
أخذا يلاحظان ظهور انتفاخ في بطن سيدتهما "مزيونة" وثقلاً في حركتها مع مزيدٍ من البشر والمرح والأمل ظاهراً بيّناً على محياها.
لا أعرف ما هذا الانتفاخ في بطن سيدتي، ولكنها مسرورة على أية حال.
بدأ مسرور يشم رائحة مثيرة من جسم "فتنة" وهما يدخلان ربيعهما الأول، رائحة لم يألفها من قبل، تثير لديه إحساساً بالرعشة والنشوة ودفقاً غير مسبوق في عواطفه وفي بعض أعضائه، وكأنه يكتشف شيئاً جديداً في جسم "فتنة"، خصوصاً وأنه لاحظ تبدلاً في مشاعرها وسلوكياتها وعواطفها وتوددها له.
رافق كل هذا ظهور مجاميع من الكلاب بمختلف الأعمار والألوان متوددة ومتملقة، مستعرضة مواهبها وقدراتها أمام ناظري "فتنة" وعارضة خدماتها لها سعياً منها لكسب ودها، وقد بلغ الكرم ببعضها أن يأتي بالعظام أو بقايا الأسماك ليضعه أمامها.
ما هذا الذي يجري يا "فتونة"؟ ما الذي جذب إليك الكلاب المتطفلة هذه وما هذا الكرم المفاجئ الذي نزل عليها؟
تنبح "فتنة" بغنج تدوس بقدميها كل ما قُدّم إليها من الكلاب الغريبة، تضحك ضحكة عارفٍ بالسر وكأنها تجيبه:
إن الذي جذبهم إليّ هو نفس ما جعلك تُجن في حبي والالتصاق بي والغيرة عليّ كلما ازداد نفاذ رائحتي الأنثوية الجاذبة التي بدت لك غريبة لأول وهلة، لا تبتئس ولا تقلق يا حبيبي دعهم يتحرقون غيرة ووجداً وكمداً فأنا لك وحدك، وليكونوا شهوداً يوم عرسنا العظيم.
لثمها "مسرور" بقبلة شوق متلذذاً بطعم رضابها اللذيذ الذي أجج لديه نيران وفوران بركانه الذي يكاد أن ينفجر، يسألها:
ولمَ لا يتم عرسنا الآن يا حبيبتي، فقد طال غزلنا ولم أعد أحتمل المزيد؟
مهلاً... فنحن لسنا "صابر" و"مزيونة"؛ لهم في كل يوم أكثر من عرس بعد فصل غزل قصير، فنحن معشر الكلاب تمتد فترة غزلنا أكثر من خمسة إلى ستة أشهر، ولنا في العام موسمان للعرس فقط، ولكن حملنا لا يزيد على تسعة أسابيع بينما حملهم تسعة أشهر، وقد عوضتنا أمنا بولادة عدة جراء في كل مرة، بينما قلما تلد أنثى أسيادنا أكثر من طفل في كل مرة، فلك أن تتصور لو كانت لنا إمكانية ولادة هذا العدد من الجراء كل تسعة أسابيع لملأنا الأرض كلاباً!
هز "مسرور" ذنبه ورأسه إعجاباً برجاحة عقل ودراية حبيبته "فتونة"، وغاب في حلم وأطياف وتخيلات يوم العرس الموعود لأول مرة في حياته، مكشراً أنيابه مهدداً عشرات الكلاب التي تحوم حول حبيبته بالويل الثبور إن هي حاولت الأقتراب منها.
لم يتقدمه أحد من سرب الكلاب ليكون خلف "فتنة" مباشرة، متشمماً ومتشبعاً بعبق عطرها وهي تتنقل من مكان لآخر، تتمدد في ظل شجرة أو قرب ساقية ماء بارد حتى حان موعد اليوم الموعود، فالتحما ببعضهما وكأن أيادي خفية تلوي ذنبيهما على بعضهما ليغيبا في عالم من النشوة والسحر واللذة والمتعة التي تطول لعدة ساعات. ولأول مرة في حياتهما لم يشهدا مثلها من قبل، غاب عن عينيهما كل شيء حتى بعد أن هدأ وقع الانفجار الأكبر الذي أحسا أثنائه كأن الأرض اهتزت والطيور طارت، الأشجار والزهور رقصت من حولهما قبيل فك التحامهما الأول بنجاح، الذي لم يحدث أكثر من مرتين وليومين متتاليين، وبعدهما أصبحت "فتنة" تنفر من كل محاولة من هذا القبيل.
بدت "فتنة" بعد فترة تماثل سيدتها "مزيونة"، بدا عليها انتفاخ البطن وثقلت حركاتها، كثرت طلباتها، تنوعت شهيتها وتضخمت أثداؤها، وفي الوقت نفسه ازدادت جمالاً وتألقاً وتعلقاً بحبيبها الذي تفهم سر تغيرها ونزقها وغرابة بعض تصرفاتها بعد أن استمع لدرس في تجربة الحمل من أمه حين استفسر منها عن سر التبدلات في سلوك حبيبته بعد عرسهما.
راقب "مسرور" و"فتنة" بحيرة واستغراب التغيرات التي بدأت تظهر في القرية، حيث أخذت الأعلام الحمراء تختفي شيئاً فشيئاً، وخفت صوت الهلاهل وأصوات الدرابك والغناء، لم يشهدا سهرات السمر والحب والعشق بين سيديهما كعادتهما، مرت أيام لم يتواجد فيها "صابر" في الدار، وإن قدم خلسة يبدو حذراً مترقباً لا يخلع بندقيته من كتفه.
عند فجر أحد الأيام دارت معركة حامية الوطيس بين "صابر" وقوة مسلحة كبيرة أتت من المدينة صحبة السيد "مزبان" الإقطاعي المعروف، لم تنتهِ إلا بعد أن تناثرت جثث صابر ووالده وجثث أخرى من القوة المهاجمة.
قررت "مزيونة" الرحيل من القرية مكللة بالسواد، مصطحبة والدة زوجها وطفليها دون أن تنسى اصطحاب "مسرور" و"فتنة" اللذين بلغا عامهما الرابع من العمر ومعهما بقايا جرائهما وأحفادهما ممن لم يتبناهم أحد من القرية أو من خارجها، لتحط الرحال على مشارف المدينة في كوخ صغير تأوي إليه مساءً بعد عودتها من العمل في البناء لإعالة أطفالها وجدّتهم التي هدها الحزن والمرض. حصل هذا بعد أن بصقت بوجه "مزبان" الذي حاول أن يعرض خدماته وإغراءاته عليها بعد استشهاد حبيبها طامعاً أن يضمها إلى جواريه وخدمه في قصره.
أخذ الجوع يأخذ مأخذه من "فتنة" و"مسرور" وجرائهما، فقررا أن يدخلا شوارع المدينة وأزقتها عسى أن يوفرا قوتهما وقوت جرائهما من فضلات سكان المدينة، على الرغم من أنهما أخذا يفقدان جراءهما واحداً بعد الآخر، إما قتلاً أو دهساً أو الهروب إلى جهات مجهولة، بعضهم حظي بعشيق ثري أو عشيقة ثرية في أحد القصور...
أخذت "فتنة" تزوغ إلى أماكن مجهولة بعيداً عن "مسرور" الذي يعود إلى الكوخ خائباً بعد طول تفنيش وترقب وانتظار عودتها، يجد "مزيونة" في حالة من القلق لغيابهما، لا يعرف بأي شيء يعتذر وبماذا يبرر تركهما للدار وغياب "فتنة".
يظل يترقبها مقعياً طوال الليل على ظهر الكوخ، تظهر أحياناً عند الفجر متعبة ظاهر على محياها الانكسار، بياض شعرها أخذ يتحول إلى بقع رمادية أو سوداء، ترفض الإجابة عن تساؤلاته وعن روائح كلاب غريبة عالقة في فروة جسدها.
قرر أن يضع حداً لهذا الاستهتار واللامبالاة التي طغت على تصرفات حبيبته؛ في ضحى أحد الأيام لم يجد فيه "فتنة" في الدار أو الجوار، قرر أن يتتبعها عبر حاسة شمه التي لا تخطئ رائحتها ورائحة الكلب الغريب التي علقت بها، ارتد من الشرق لأن الرائحة بدأت تخبو وتخف فاستدار صوب الغرب، وبالفعل أخذت الرائحة تزداد أكثر فأكثر كلما تقدم باتجاه الغرب حيث اقترب من سوق المدينة وبالأخص سوق القصابين في مركزها، بلغت الرائحة المزدوجة أشدها بالقرب من عرصة مهجورة قبالة أحد القصابين في طرف السوق.
توقف قليلاً ليسترد أنفاسه ويروي ظمأه من بركة ماء وسط الشارع، حيث بلغ به العطش والتعب والغضب أشده بعد أن تأكد له وجودها مع عشيقها في هذه الخربة، شحذ فكره وأسلحته استعداداً لمعركة حاسمة!
نط على حائط الخربة فلاحظهما في وضع فاضح، "فتنة" والوضيع "بكوع" هذا الذي طردته القرية بعد أن ثبتت سرقته وأكله فراخ دجاج أسياده وجيرانهم، فهرب إلى المدينة تخلصاً من قرار إعدامه الصادر من قبل سكان القرية.
هكذا تخونينني من أجل فضلة عظام يا "فتونة" ومع "بكوع" لا غيره!؟
الآن حسابه، وسيكون لي معك حساب آخر!
أحست "فتنة" برائحة "مسرور" فانسلت من حضن "بكوع" هاربة لا تلوي على شيء، في حين قفز "بكوع" متوجهاً إلى دكان القصاب محاولاً الاحتماء من "مسرور" الذي أطلق عواءً كالرعد أرعب كل من كان في السوق، وقد تمكن من الإمساك بـ "بكوع" عند باب المحل غارساً أنيابه في رقبته حتى التقيا مع بعضهما فتدفق دمه ميزاباً مع صوت نجدة ورعب مخنوقة، فاقداً القدرة على الرؤية حيث غرز مسرور مخالب قدميه الأماميتين في عينيه فأدماها وفصلهما عن محجريهما!
وسط ذهول الناس والمتسوقين... عاجل القصاب "مسرور" بضربة قوية بساطوره على رأسه منتصراً لكلبه، فتناثر دم رأسه على وجوه المتجمهرين دون أن ينزع أنيابه عن رقبة "بكوع"، أبعد عمال البلدية الكلبين جثتين هامدتين والقوهما في الخربة دون أن يعرف أحد سر صراعهما الدموي المميت.
يئست مزيونة من عودة "مسرور"، أقفلت باب كوخها وأخلدت للنوم استعداداً ليوم عمل جديد.







التعليقات