انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

طاولة لشخصين في ركن خافت

أنوار حسين الدليمي
أنوار حسين الدليمي

قاصة وأديبة عراقية

8 دقائق للقراءة
31 مشاهدة
طاولة لشخصين في ركن خافت
مشاركة:

تندفع على أسفلت الشارع كروح هائمة لا تعرف وجهتها في عتمة الليل، يبتلعها الظلام بكل ما يحمله من وحشة،

السيارة تدرج بسرعة، كأنها تهرب من الزمن، من الذكريات، من كل هذا الهم الذي يثقل الروح..

خلف المقود، فتاة تكاد عيناها تفيضان في محتبس من الدموع التي تنبجس من أبعد نقطة في أعماقها، الزجاج نصف مفتوح، والهواء يتلاعب بخصلات شعرها، لكن قلبها كان أبعد من أن يشعر بشيء. في صراع ممض مع روحها، والجراح التي لا تريد أن تلتئم.

ضجيج المحرك هو الشيء الوحيد الذي يعلو عن دقات قلبها المضطربة، والأضواء الخافتة التي تنثرها السيارة على الشارع المعتم تعكس ظلالًا متوترة على الأسفلت، هي فقط ما يشاطر وحدتها، الطريق أمامها كان نفقًا ممتدًا من الظلام، لكنه بدا أقل عتمة مما يجثم على صدرها. تقود السيارة بجنون، كأنها تطارد شيئًا يتخابأ خلف الأفق، أنفاسها متقطعة، تسابق الزمن الذي لا يرحم، وتفرّ من لحظةٍ لم تكتمل ومشاعر وئدت قبل أن تزهر.

قبل دقائق فقط من الآن، كانت هناك، وحيدة، في ركنٍ خافت الضوء من المقهى البعيد عن كل ما تعرف، حيث أرادت أن تتقنع بما لا يشبه حياتها السابقة، الحياة التي لن تعود.

تتصاعد أصوات الضحكات والحديث بين الطاولات، ولكنها كانت وحيدة، غارقة في الفراغ الذي يملأ قلبها. والقهوة أمامها، تبعث بخارًا ضئيلًا يختلط مع رائحة العطور المتطايرة من الزبائن، المكان يعج بالحياة، لكن في داخلها كان كل شيء ساكنًا، كما لو أنَّ الزمن قد توقف.. جزيرةٌ معزولة في بحرٍ من الأصوات. كل شيء من حولها كان يتنفس، إلا هي.. كانت تشعر وكأنَّ الحياة تمضي من دونها، جزءٌ من مشهدٍ عابر لا يوجد فيه من يهتم إن كانت جزءًا منه أم لا.

كان هذا المقهى ملاذًا ملائمًا لتبدأ لتتحسس فيه ملامح الأيام التي اختارت أن تستكشف عيشها، هاربة من ذكرياتها، والوحدة التي بدأت تلتهم أيامها. مكانًا لا يعرفها فيه أحد، ولا تتوقع فيه مفاجآت تنغص عليها تطلعاتها بأن تجد لنفسها من خلاله موطئا بين الزحام، أن تشعر بأنَّها على قيد الحياة، أن كانت على يقين بات هناك أشياء ستظل تفتقدها دومًا، أشياء لا يمكن تعويضها.

ثم جاء هو متأخرًا بعض الشيء عن موعده.. لم يكن سوى شخصٍ قد سبقه الكثير ممن كانت تلتقيهم عبر الشاشات المضيئة، والذين لم يكونوا أكثر من كلمات تائهة في بحر من الحروف، ولكن كلماته بالذات كانت كفيلة هذه المرة أن تزرع في قلبها شعورًا غريبًا.. وتولد أحاسيس ما دفعت الأمور إلى هذا اللقاء الأول الذي لم يكن إلا امتدادًا لذلك التواصل البعيد، حيث تبادلوا الكلمات في مساءات متعددة، دون أن يدرك أي منهما أن هذه الكلمات قد تتحول إلى تجسد مادي، إلى لحظةٍ يمكن أن تكون بداية لشيءٍ ما لا يمكن تحديده بعد.

طاولة لشخصين في ركن خافت

سحب كرسيه معتذرًا وجلس أمامها على الطاولة، بينما كانت تتفحصه بسرعة، لم يكن سيئًا، ويمكن أن يعد وسيمًا بعض الشيء، ومريحًا، لولا نظراته تلك التي كانت تحمل شيئًا غامضًا، شيئًا غير معبرٍ بالكلمات.. ولكنه طوقها بنوع من عدم الراحة، لم يكن يهمها ما كان يخبئه ما بين جوانحه، بقدر ما كانت تتعطش لعلاقة تنتشلها من هذا الخواء.. فهي تعلم في أعماقها أن هذا اللقاء – وقد يكون غيره - ليس إلا سعيًا للهرب، ومحاولة للتغلب على وحدةٍ طالت أكثر مما تحتمل.

استرسل بالحديث، ناثرًا ابتساماته على طول اللقاء، كلماته تتوشح بإغواء ناعم يتسلل ما بين الحروف، شعرت به كوخز خفيف ينتاب جسدها، ويوقظ مكامن عميقة افتقدتها منذ زمن، تراخت قليلا لهذا الشعور لكن في داخلها كانت هناك مقاومة ونفور لم تستطع تفسيره لأول وهلة، شيءٌ ما كان يمنعها من الاستسلام، ويذكّرها بأنها ما زالت تملك بعضا من نفسها، ذكريات تربطها بعالمٍ آخر تمامًا بعيدًا عن تلك الطاولة.. كانت تبتسم وتشاطره الأحاديث، ولكن قلبها يصرخ في صمتٍ عميق، يتساءل إن كانت في طريقها لتضل الطريق في هذه اللحظة، أو أنَّها في طور التحول إلى شخصٍ آخر لا تستطيع تبين ملامحه.

اقترب منها أكثر، أكثر مما يجب، كلماته كانت ناعمة كهمس الريح، تحمل دعوةً للاندفاع، للتحرر، للتخلي، للهرب معًا في لحظةٍ قصيرة من الزمن. كان الإغراء حاضرًا، يدٌ خفية تحاول أن تسحبها نحو هاويةٍ مظلمة. للحظةٍ، شعرت بأنها قد تستسلم، أن تترك نفسها تنجرف في دوامة النسيان، أن تهرب من هذا الثقل الذي يسحقها يومًا بعد يوم.

وها هي الآن، بين يدي هذا الرجل الذي لم يكن سوى انعكاسٍ لحاجةٍ مؤقتة، لحظةً من الهروب التي كانت تبحث عنها في تلك الوحدة القاتلة. الكلمات كانت مغرية، الإيماءات أكثر وضوحًا، واللحظة تحمل إغراءً عاصفًا كريحٍ تريد اقتلاع جذورها.. لكنها توقفت فجأة.. لا.. لا يمكن أن يكون هذا هو الحل، ليس لأحدٍ أن يملأ فراغات تركها من رحلوا، ولا لأي كلمة أن تعيد الحياة إلى ما ضاع.

لم تستطع أن تخطو تلك الخطوة. كأنَّ شيئًا عميقًا في داخلها أيقظها، عندما اخترقت ذكرى ابنها الراحل وعيها مثل ومضةٍ خاطفة. تدافعت الصور إلى ذهنها كشلال جارف، تذكّرت ذلك اليوم المشؤوم.. كان يركض في الحديقة، ضاحكًا، يلاحق فراشةً صغيرة. صوته كان يملأ المكان حياةً، حتى بدا وكأن الزمن توقف للحظة ليحفظ تلك الصورة. طلب منها شيئًا بسيطًا يومها:

- "أمي، هل يمكننا أن نقضي اليوم معًا؟"

اعتذرت، بابتسامةٍ هادئة:

-"غدًا، أعدك."

لكن "الغد" لم يأتِ أبدًا. حادثٌ مفاجىء خطفه من بين يديها، كريشةٍ انتزعها إعصار جارف، ذلك "الغد" انقلب إلى صرخةٍ تمزق روحها كلما أغمضت عينيها. الحادث كان سريعًا، عنيفًا، كأنَّه صفعةٌ من القدر.. جسده الصغير كان راقدًا بلا حراك، ودماؤه امتزجت بلعبته المفضلة. كل شيء توقف عند تلك اللحظة، حتى الزمن بدا كأنه جمد في مكانه.

والآن، وهي على تلك الطاولة، بين كلماتٍ تحمل إغواءً منعشًا وذكرى تحمل ألمًا ممض، شعرت بأنَّها على حافة هاويةٍ جديدةّ. كأنَّ ابنها، بروحه الطفولية، يقف أمامها، ينظر إليها بعينيه الجميلتين الواسعتين، يقول بلا صوت:

- "أمي، لا تخذليني."

تراجعت خطوة إلى الوراء، ثم خطوة أخرى.. ثم خطوات.. انسحبت ببطء، كمن ينتشل نفسه من قاعٍ عميق. الكلمات التي كانت تغريها بالضعف تحولت إلى ضجيجٍ بلا معنى، كأنها أمواجٌ تتكسر على صخرةٍ صلبة. التفتت، تراجعت، وابتعدت عن الرجل الذي بقي في مكانه مذهولًا من انقلاب حالها، غادرت المكان بسرعة، وجعلت خطواتها تنساب بسرعة نحو الباب، تهرب من نفسها، من هذا الشعور الغريب الذي اجتاحها. كانت تعلم أن هذه اللحظة ليست سوى محاولة فاشلة للتهرب من الحقيقة، ولكنها كانت بحاجة إلى أن تفرّ، كانت تعرف في أعماقها أن هذه اللحظة لم تكن سوى هروب، هروب من الفراغ الذي يلتهمها، هروب من الذكرى التي لا تتركها.

ركبت سيارتها كمن يهرب من جحيمٍ مشتعل.. الطريق أمامها كان هو السبيل الوحيد للهروب من هذا الفراغ الذي يبتلعها. كانت تشعر بأنها تهرب من شيءٍ أعمق، تهرب من نفسها، من الوحدة، من الذكريات التي صارت تحاصرها في كل مكان.. لكنها لم تكن تقود... بل كانت تهرب.

ضغطت على دواسة الوقود بقوة، وكأنها تريد أن تمحو كل شيء، أن تفرّ من ذكرى، من ذنب، من واقعٍ لا يحتمل. الطريق صار شريطًا من الظلال، والرياح تصفع وجهها من النوافذ المفتوحة.

تذكرت في تلك اللحظة، صورة زوجها الراحل، ذلك الرجل الذي كان يقف دائمًا بجانبها، هو الذي كان سندها الوحيد في هذه الحياة. بعد الحادثة التي أودت بابنهما، كان يمسك بيديها كل ليلة، يهمس لها: "سنكمل الطريق معًا... أنا معكِ." كان يحاول أن يزرع في قلبها القوة، أن يضيء لها ولو شمعة صغيرة في ظلمات روحها.. يساندها في كل خطوة، يقيل عثرات قلبها. يهمس في أذنها قبل النوم: "أنتِ أفضل ما حدث لي في حياتي." كان صوته، الذي اختفى فجأة، هو الأمان الذي كان يحيط بها.  كان يمسك بيدها في الأوقات الصعبة، كيف كان يعزّيها بكلماتٍ قليلة لكنها عميقة، يده لا تفارق يدها، وكانت تبتسم له في لحظات الضيق، تطمئن نفسها به.

الموت الذي أخذه لاحقًا، بعد صراعٍ قصير مع المرض، كان القشة التي قصمت ظهرها.. رحل، وتركها وحيدةً تمامًا، معلّقةً بين حطام الذكريات وفقدان المعنى من العيش، فمنذ رحيله، كل شيء أصبح فارغًا، كل زاوية في المنزل كانت تذكرها بشيء مفقود. صوته، ضحكاته، حتى همساته قبل النوم، كل ذلك أصبح غبارًا في ذاكرةٍ متهالكة.

دموعها الساخنة انهمرت على خديها وهي تستعيد كلماته الأخيرة: "أنا أحبكِ... لا تنسي ذلك أبدًا." كانت تلك الذكرى تُرافقها كظلٍّ لا يغيب. كلما قادت السيارة، كانت تشعر وكأنها تطارده، تسابق الريح لتحاول اللحاق بشيء لن يعود.

انطلقت السيارة كجناح طائرٍ مكسور يطارد عاصفة، تريد أن تهرب من ذاتها. أن تترك وراءها كل شيء، كل ما يثقل قلبها. وفي تلك اللحظة، بينما كانت تسرع نحو المجهول، شعرت بشيءٍ ما ينكسر في أعماقها، كأن ذكرى زوجها، تلك الذكرى التي كانت تلاحقها، قد انفجرت في ذهنها. همست لها، كأنها تناديها من بعيد: "لا تضيعي نفسك."

الطريق صار أكثر ظلمة، والسيارة انزلقت كأنَّها تسابق الريح. فجأة، شعرت بالفراغ يبتلعها، صوت العجلات صار صراخًا في أذنيها، انحرفت السيارة عن الطريق. انقلبت، واستقرت في حفرةٍ عميقة، تاركةً صمتًا ثقيلًا خلفها. لا يُسمع فيه إلا همسات الذكريات التي لن تغادرها أبدًا.

بينما كانت عالقة في ذلك الفراغ بين الحياة والموت، بدأت روحها تستعيد شريط حياتها. رأتها كلها، مشاهد من طفولتها، أيام المدرسة، لحظات السعادة مع عائلتها. تذكرت أول مرة قادت فيها السيارة، الحادثة الصغيرة التي ضحكت منها حينها، وأول رحلة قطعتها بمفردها، حيث شعرت بالحرية والانتصار.

الصمت الذي تلا الحادث كان ثقيلًا، كأنه امتدادٌ للفراغ داخلها. وفي ذلك الصمت، بدأت الذكريات تتسرب إليها من جديد. ضحكات ابنها، خطواته الصغيرة، لعبته التي كانت دائمًا ما يحملها. كلمات زوجها الراحل، الذي كان يدعمها في كل شيء، وكيف كان يحاول دائمًا أن يمنحها القوة، أن يذكّرها بأنها أقوى مما تعتقد.

اخترق صوت الإسعاف سكون الليل. فتحت عينيها بصعوبة، رأت المسعفين يقتربون، وجوههم غارقة في الجدية. حاولت أن ترفع يدها، فأمسكت يد أحدهم كأنها تبحث عن طوق نجاة. أغمضت عينيها من جديد، مستسلمةً لرحلةٍ غامضة بين الوجود والعدم، لكنها كانت تعلم أن تلك الذكريات، ضحكات طفلها، وكلمات زوجها، هي التي أنقذتها من الانحدار إلى هاويةٍ أخرى... هاويةٍ لا عودة منها.

عيونها نصف مغلقة، ورأسها يميل إلى الوراء، مستسلمةً لرحلةٍ غامضة بين الحياة والموت، تتأرجح بين أشباح الماضي ونداء المستقبل الذي لا تزال تجهله.. كانت تلك اللحظة، هي اللحظة الأخيرة التي قد تشعر فيها بأي شيء آخر سوى ذلك الهمس الخافت في قلبها: "أريد أن أراهم مرة أخرى، ولو للحظة." ثم أغشي عليها، بينما كانت سيارة الإسعاف تسرع بها نحو المجهول، في تلك الرحلة التي لا يعلم أحد إن كانت ستعود منها أم لا.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٣:٤١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ
سرد

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ

اللوح الأول: رقيمُ السِّلكِ وتَقْدِيسُ الرَّحِمِ العَاقِر تبدأ الحكايةُ دائمًا من اعترافٍ صلبٍ: إنّ ما يجري في جوف هذا القفص السلكي ليس مجرد هزلٍ مسرحيّ عابر، ولا رتابة بيولوجية بريئة، بل هو طقسٌ كهنوتيّ مُحنّط، يعيد إنتاجَ حماقته بانتظامٍ ميكانيكيّ مريب؛ كأنّ الزمن موظفٌ أزليّ كسيح في ديوان بابل…

· 7 د
لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د