انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

خارج الضوابط

أنوار حسين الدليمي
أنوار حسين الدليمي

قاصة وأديبة عراقية

4 دقائق للقراءة
21 مشاهدة
خارج الضوابط
مشاركة:

أطالت (سعاد) وقفتها أمام المرآة، تتأمل انعكاس وجهها بوجل، وكأنها تراه لأول مرة. لم تكن مجرد لحظة عابرة هي تلك التي تسبق الخطوة الأولى نحو حياة جديدة لا تسبقن ملامحها بعد.. راجعت كل تفاصيل وجهها، وتجانس المساحيق عليه كما تعلمت لسنين، تيقنت من ثبات الصبغة على رأسها وعدم تسلل بعض الشعيرات الثلجية التي بدت تطرق رأسها بعناد، أمسكت أطراف وشاحها، رتّبته فوق كتفيها بعناية، فتلت بنصف استدارة إلى الجانبين لتتبين اتساق ملابسها، جالت بعينين تلمعان طربا في أنحاء الغرفة، تتفقد كل تفصيلٍ صغير: الطاولة المستديرة، الزهور، فناجين القهوة المرتبة بعناية، الستائر المسدلة بلطف كأنها تخجل من كشف سرّ الفرحة التي تملأ المكان.

تنفست بارتياح، أخيرا.. كل شيء على ما يرام، التفتت إلى أمها التي ما زالت على سجادتها في زاوية الصالة، تراقبها بصمتٍ لا يخلو من دهشة.. وإن كانت قد استنتجت بخبرة أعوامها الكثير جزء مما سوف يقال بالتأكيد بعد قليل.

كانت قد رأت (نزار) أول مرة في مكتبها، وسط زحام المراجعين، حين جاء يطلب معاملةً لا يمكن تمريرها وفقًا للضوابط وينقصها الكثير.. اعتذرت بلطف يتناسب مع ما أبداه من تلطف ومجاملة، لاحظت أنه لم يكن كغيره، لم يُظهر ضيقًا ولا انزعاجًا، بل عاد في اليوم التالي ليستفسر عن إمكانية تسوية الأمر، ثم الذي يليه، ورغم شرحها المطول له بأن لا مجال لإسعاف طلبه، الا انه بقي متسلحا بنفس الابتسامةٍ الهادئة والحديثٍ المنمق العذب الذي بدأ يحفر بإبرة دقيقة في الحصون التي شرنقت بها نفسها لسنين.. ولم تستطع إهمال تفخيخ كلامه دوما بكلمات عرضية تسألها عن يومها، أو تثني على التزامها، وعبثا كانت تحتفظ بثباتها حين كان يتأملها حين تتحدث، وعندما يُطرّز صوته رتابة الأيام العادية بوهجٍ مختلف.

ثم، ذات يوم، قالها بصوته العميق، وكأنه يلقي في قلبها بذرة حلمٍ لم تعرفه من قبل:

"أريد أن أزورك مع أهلي."

تقدمت نحو والدتها وجلست عند قدميها، تلاعبت بأطراف ردائها، ثم همست بخجلٍ لم تعتده:

"أمي... قد يتقدم لي أحدهم قريبًا."

رفعت الأم حاجبيها بدهشةٍ دافئة، متصنعة بعض الشيء ،وكأنها لم تتوقع أن تسمع تلك الجملة يومًا من ابنتها التي كانت دائمًا منشغلة بالعمل، غارقةً في روتين الأيام. لكنها لم تسأل، فقط اكتفت بمسحة حانية على رأس الابنة المفضلة، وتمتمت بدعاءٍ لم يتجاوز شفاهها، ولم تسمع الفتاة ،لكنه لامس قلبها كنسمةٍ رقيقة.

أخيرا.. رنّ جرس الباب، تسارعت أنفاسها، وقفت مترددة، تأخرت لثوان تتلمس شعرها ووشاحها بقلق المسافر الذي يراجع حقيبته كل مرة وهو يتوجه إلى البعيد.. تلاطمت مشاعرها ما بين بين رهبةٍ خفية وفرحةٍ مبشرة تشق طريقها بتؤدة وثبات، فتحت الباب بقلبٍ يضجّ باللهفة...

لم يكن "نزار".

"ليلى"، جارة قديمة، لم ترها منذ سنوات طويلة بعد أن افترقت بهم الأيام وانتقلت هي وعائلتها إلى سكنهم الجديد، نعم.. أنها ليلى نفسها التي لا تذكر إنها كانت تحبها تماما، ودائما كان بينهما ذلك الشيء الذي لم تفهمه يوما ولكنه كان يفقد تلك الجيرة الشغف اللازم لتتحول إلى صداقة، نعم أنها هي، تقف أمامها بوجهٍ باسم وعينين تلمعان بودٍّ مفتعل. وقبل أن تستوعب "سعاد" الصدمة، بادرتها "ليلى" بلهجةٍ ملؤها الامتنان:

"ما أجمل أن أراكِ! لم أصدق عندما ذكر نزار اسمك أمامي، كم كان فرحا عندما أخبرته أننا أصدقاء منذ الطفولة.. كم كان يائسا وهو يراجع دائرتك مرارًا ولم تُحل معاملته، قلت له لا يظل في بالك شيء، سعاد أختي ولن ترد لي طلبا؟"

زوجي... نزار...

ترددت الكلمات في أذنيها كصدى ضحكةٍ ساخرة، أطبقت على صدرها.. وهي تلاحظه بطرف عينها يقف خلف زوجته بنفس الشفتين المنفرجتين التي اكتشفت للتو أنها لم تكن سوى ابتسامة بليدة بلا روح.

عادت الذكريات تهوي عليها كالسيل الجارف..

"أريد أن أزورك مع أهلي.".. كم أطلقت العنان لتلك العبارة حتى توطنت في قلبها قصرًا من أملٍ هشٍّ لم يلبث أن انهار في لحظة.

بكل ما تبقى لها من قوة، ورغم الصفعة التي لم تكن تتوقعها، ابتلعت ألمها، وعادت إلى صديقتها الواقفة أمامها، تنتظر ردّها بثقةٍ عمياء، غير واعية للعاصفة التي اشتعلت في عينيها.. تماسكت، ثم قالت بصوتٍ بالكاد خرج منها:

"العفو.. طلبكم خارج الضوابط."

لم تنتظر جوابًا، أغلقت الباب ببطء كأنها تغلق خلفه أبواب قلبها إلى الأبد.

استدارت داخلة إلى المنزل، وقعت عيناها على الطاولة المرتبة بعناية، على الزهور، الفناجين، نظرت إلى أمها، شعرت بالخجل، كيف تسرعت وأخبرتها؟ كيف سمحت لنفسها أن تحلم؟

بكل هدوء، ذهبت نحو غرفتها، وأزاحت الشال عن كتفيها.. جلست على طرف سريرها، وضعت رأسها بين يديها، ثم ابتسمت بسخريةٍ مُرّة...

مشاركة:

آخر تحديث: ٣١ آب ٢٠٢٦ في ٠٥:١٥ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ
سرد

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ

اللوح الأول: رقيمُ السِّلكِ وتَقْدِيسُ الرَّحِمِ العَاقِر تبدأ الحكايةُ دائمًا من اعترافٍ صلبٍ: إنّ ما يجري في جوف هذا القفص السلكي ليس مجرد هزلٍ مسرحيّ عابر، ولا رتابة بيولوجية بريئة، بل هو طقسٌ كهنوتيّ مُحنّط، يعيد إنتاجَ حماقته بانتظامٍ ميكانيكيّ مريب؛ كأنّ الزمن موظفٌ أزليّ كسيح في ديوان بابل…

· 7 د
لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د