انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

بقايا عطر

حميد الساعدي
حميد الساعدي

شاعر و أديب عراقي

6 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
بقايا عطر
مشاركة:

الذكريات لا تأتي دفعةً واحدة، إنها تتسلّل كما يتسرّب العطر من قارورةٍ قديمة، مكسورة الحواف، محتفظةٍ برائحتها رغم انكسارها. يجلس قرب النافذة التي تطل على شارعٍ لم يعد يعرفه، كأن المدينة استبدلت روحها، أو كأنه هو الذي تبدّل حتى لم يعد يرى الأشياء كما كانت.

أمسك بيده المرتجفة قطعة قماشٍ صغيرة، منديلٌ أبيض اصفَرّ مع الزمن، احتفظ به كما يحتفظ الإنسان بسرٍّ لا يُقال. قرّبه من أنفه، تنفّس بعمق، وأغمض عينيه، فعاد كل شيء. عاد صوتها أولاً.

صوتها يشبه الماء حين يمرّ فوق الحصى، ناعماً، شفافاً، لكنه يحمل شيئاً من الحزن الخفي، كأنها تعرف منذ البداية أن ما بينهما لن يكتمل. لم يكن يعرف كيف بدأت الحكاية تحديداً، فقط يتذكر أنه رأى عينيها، وفجأة صار العالم أقل صخباً، كأن الضجيج انحنى احتراماً لوجودها.

في ربيعٍ بعيد، حين كان كل شيء ممكناً، وحين كان قلبه لا يعرف الخوف من الفقد.

التقيا صدفة، أو هكذا بدا الأمر. في مكتبةٍ صغيرة، تقف أمام رفٍّ مليءٍ بالكتب التي لا يقرؤها أحد. يبحث عن كتابٍ لا يتذكر اسمه، وهي تبحث عن شيءٍ لا يشبه الكتب أصلاً، ربما كانت تبحث عن حياةٍ أخرى.

حين وقعت عيناه عليها، شعر بأن الوقت تعثّر. لم يتوقف، لكنه لم يمضِ كما كان. اقترب منها دون أن يعرف لماذا، وسألها عن كتابٍ لم يكن موجوداً، فقط ليخلق جملةً أولى.

ابتسمت. تلك الابتسامة بداية كل شيء ونهايته في آنٍ واحد.

قالت له بهدوء: "أحياناً الكتب تختارنا، لا نحن من نختارها."

لم يفهم الجملة تماماً، لكنه فهمها بطريقةٍ أخرى، بطريقةٍ لا تحتاج إلى تفسير. منذ تلك اللحظة، صار يبحث عنها في كل مكان، حتى حين تكون أمامه.

يمشيان طويلاً دون وجهة. الشوارع تتبدّل، المحلات تُغلق وتُفتح، الناس يعبرون، لكنهما كانا ثابتين في مكانٍ لا يراه أحد. يتحدثان عن كل شيء: عن الطفولة، عن الأحلام، عن المدن التي لم يزوراها، وعن الخوف الذي لا يعترفان به. تخاف من الزمن ويخاف من فقدها. لكنه لم يقل ذلك أبداً.

تقول له: "أشعر أن الأشياء الجميلة لا تدوم."

يضحك، يردّ عليها بثقةٍ مصطنعة: "نحن لسنا أشياء."

وفي أعماقه يعرف أن الأشياء لا تحتاج إلى أن تكون أشياءً كي تزول.

أهدته يوماً قارورة عطر صغيرة. لم تكن باهظة الثمن، لكنها تحمل شيئاً من حضورها. قالت له: "حين لا أكون هنا، رشّ قليلاً منه، ستجدني."

ضحك يومها، اعتبرها مبالغةً رومانسية، لكنه احتفظ بالقارورة. لم يكن يعلم أنها ستكون الشيء الوحيد الذي سيبقى.

جاء الفراق كما تأتي الأشياء الكبيرة دائماً: بلا مقدمات كافية.

لم تكن هناك خيانة، ولا كراهية، ولا حتى شجار حقيقي. فقط الحياة، تلك التي لا يمكن التفاهم معها. عائلتها قررت الرحيل، مدينة أخرى، مستقبل آخر، ترتيبٌ لم يكن له مكان فيه.

قالت له وهي تحاول أن تبدو قوية: "سنلتقي يوماً."

لم يصدقها، لكنه لم يكذّبها أيضاً. يقف أمامها كمن يحاول أن يحفظ ملامح وجهٍ قبل أن ينطفئ الضوء. لم يبكِ، لم يقل شيئاً عظيماً، فقط أمسك بيدها قليلاً، ثم تركها.

ذلك الترك هو الشيء الوحيد الذي لم يستطع أن يغفره لنفسه.

بقايا عطر

مرت السنوات. لم يكن الزمن سريعاً كما يقولون، بل ثقيلاً، يمرّ ببطءٍ مؤلم، كأنه يصرّ على أن يجعله يشعر بكل لحظةٍ من غيابها. حاول أن يحبّ مرةً أخرى، أكثر من مرة، لكنه يقارن دون أن يقصد، ودائماً يجد أن هناك شيئاً ناقصاً، شيئاً لا يمكن تسميته.

صار رجلاً. ثم صار كهلاً. ثم صار شيئاً بين الاثنين، يحمل ملامح التعب أكثر مما يحمل ملامح العمر.

تغيّرت المدينة، تغيّرت الوجوه، تغيّر كل شيء، إلا ذلك الشعور الذي بقي معلقاً في مكانٍ ما في داخله، لا يكبر ولا يشيخ، فقط ينتظر. لم يتزوج. لم يكن ذلك قراراً واعياً، بل كان نتيجةً لتراكماتٍ صغيرة، لاعتذاراتٍ مؤجلة، لقلوبٍ لم يستطع أن يفتح لها الباب بالكامل. يعيش حياةً عادية، يعمل، يأكل، ينام، يبتسم أحياناً، لكنه في داخله يعيش حياةً أخرى، حياةً لم تكتمل. يحتفظ بالقارورة. لم يستخدمها كثيراً، يخاف أن تنفد، كأن نفادها يعني اختفاءها تماماً. يرشّ منها أحياناً، في لحظاتٍ محددة، حين يشتد عليه الحنين، أو حين يشعر أن العالم صار خالياً أكثر مما يحتمل. العطر يفعل ما وعدت به. تعود مع العطر.  ليس جسداً، انما حضوراً، ذكرى، إحساساً، شيئاً لا يمكن الإمساك به، لكنه واضحٌ كالشمس.

وهو في الستين من عمره، وجد نفسه يسير في شارعٍ لم يزره منذ عقود. لم يكن يقصد ذلك المكان، لكن قدميه قادته كما تقود الريح ورقةً يابسة. توقف أمام المكتبة.

تبدو أصغر مما يتذكر، أو ربما هو الذي كبر. دخل ببطء، كمن يدخل إلى ماضٍ يخشى أن ينهار بمجرد لمسه. كل شيء مختلف، لكن الرفوف ما زالت هناك، والهواء ما زال يحمل رائحة الورق القديم.

وقف أمام نفس الرف. لم يكن يتوقع شيئاً، لكنه كان ينتظر كل شيء. فجأة، شعر بشيءٍ غريب. رائحة. رائحة عطر.

لم تكن قوية، لكنها كانت واضحة، مألوفة، كأن الزمن قرر أن يعود لحظةً واحدة فقط. التفت بسرعة، قلبه يخفق بطريقةٍ لم يعرفها منذ سنوات طويلة. لم يكن هناك أحد.

فتاة صغيرة، تقف في نفس المكان تقريباً، تنظر إلى الكتب كما كانت تنظر هي. اقترب منها دون أن يفهم لماذا، وسألها: "هل تبحثين عن شيء معين؟" ابتسمت. كانت الابتسامة تشبهها بشكلٍ مؤلم.

قالت: "أحياناً الكتب هي التي تختارنا."

تجمّد. نفس الجملة. نفس النبرة. نفس الهدوء. شعر بأن العالم يدور حوله، أو ربما هو الذي عاد إلى نقطةٍ قديمة لم يغادرها أصلاً. نظر إلى الفتاة جيداً، في ملامحها شيءٌ منها، ليس تطابقاً، بل امتدادا، كأن الزمن لم يمحِها، بل أعاد تشكيلها.

سألها بصوتٍ خافت: "من علّمك هذه الجملة؟"

قالت ببساطة: "أمي."

توقف قلبه للحظة.

"وأين أمك؟"

أشارت إلى الخارج: "تنتظرني."

خرج معها. كانت هناك. ليست كما كانت. لكنها هي.

لم يكن اللقاء كما تخيّله في أحلامه. لم يكن درامياً، مليئاً بالدموع أو الكلمات الكبيرة. كان بسيطاً، هادئاً، كأن الزمن تعب من المبالغة.

نظرت إليه. عرفته فوراً. لم تقل اسمه، لكنه كان واضحاً في عينيها. اقتربت خطوة، ثم توقفت، كأن المسافة بينهما لم تعد تقاس بالأمتار، بل بالسنوات.

قالت: "تغيّرتَ."

ابتسم بحزن: "وأنتِ بقيتِ."

ضحكت بخفوت: "لا أحد يبقى."

جلسا في مقهى قريب، الفتاة تلعب بهاتفها، تترك لهما مساحةً صغيرة من الماضي. تحدثا. عن كل شيء. وعن لا شيء.

عن الحياة التي عاشاها، عن الطرق التي سلكاها، عن الأشخاص الذين مرّوا، وعن الفراغ الذي بقي. لم يسألها لماذا رحلتْ، ولم تسأله لماذا لم يبحث عنها. بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات.

قبل أن يفترقا، أخرج القارورة. كانت صغيرة جداً الآن، شبه فارغة، لكنها ما زالت تحتفظ بشيءٍ من رائحتها. نظر إليها، ثم مدّها نحوها.

قال: "احتفظت بها."

نظرت إليها طويلاً، ثم قالت: "وأنا احتفظت بشيءٍ آخر."

فتحت حقيبتها، وأخرجت رسالة قديمة، مطوية بعناية.

قالت: "كتبتها لك يوم رحلت...لكني لم أرسلها."

أخذها بيدٍ مرتجفة. لم يفتحها. لم يكن بحاجة إلى ذلك.

قال: "ربما بعض الأشياء يجب أن تبقى غير مكتملة."

هزّت رأسها: "ربما لأنها لو اكتملت، لانتهت." ابتسم. وفهم.

عاد إلى بيته. جلس قرب النافذة. وضع القارورة على الطاولة. لم يعد يحتاج إليها. لأنها لم تعد ذكرى فقط. صارت حقيقةً مرّت، واكتملت بطريقتها الخاصة. أغمض عينيه.

شعر لأول مرة منذ سنوات طويلة، أن قلبه لا ينتظر شيئاً. لكن في الهواء، كان هناك شيءٌ خفيف. رائحة. بقايا عطر. لم تكن لها، ولا له. كانت للحكاية نفسها، التي عاشت، ثم رحلت، لكنها تركت ما يكفي لتبقى. كأن الحب لا يموت، بل يتحوّل إلى أثر، إلى ظل، إلى شيءٍ لا يُرى، لكنه يُشعَر. كان ذلك كافٍ، كافٍ جداً.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠١:٢٦ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دليفري
سرد

دليفري

كان الشتاء ثقيلًا في تلك الليلة، والوقت تأخر قليلا في الكرادة، وهذا قد يكون وراء امتعاض (عبد الله) من فكرة أن يوصل طلبية طعام، في هذ الجو البارد، إلى مكان بعيد بعض الشيء عن المطعم الذي يعمل معه كعامل توصيل - أم علي.. ببغداد الجديدة.. تطلب أن يصلها الطلب سريعا، وتقول أن عليك أن تطرق الباب - وهل هذا…

· 9 د
إسفلت بارد
سرد

إسفلت بارد

لم يحفل، ولم يحاول حتى، إخفاء ترنح مشيته على طول إسفلت الشارع البارد الذي أدمن -حد الضجر- وقع أقدامه خلال رحلاته اليومية عديمة الجدوى.. كل همه الآن كان التفكير في أن الحظ سيحالفه هذه المرة.. وأنه سوف يراها مرة أخرى، كانت في عينيه نظرة جادة قوية سكبت فيه الجرأة، كأنه عاش كل دقيقة من عمره، بكل كيانه…

· 3 د
محمصة العم صالح
سرد

محمصة العم صالح

محمصة العم صالح كان أول ما باغت حواسي، وأنا أنسلّ داخل السوق الشعبي في قلب المدينة، تلك الرائحة الكثيفة للفول السوداني المحمّص، رائحة لا تُشمّ بقدر ما تُستعاد، كأنها ذاكرة قديمة انفلتت من قبضتها وراحت تلاحق العابرين. لم تكن صاعدة من محمصة فحسب، بل من طبقات خفية في الروح، من مطابخ الطفولة، ومن ليالٍ…

· 4 د