انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

افعوان جد جده

مفصل من كتاب السيرة

هيثم بهنام بردى
هيثم بهنام بردى

قاص وباحث وناقد عراقي

4 دقائق للقراءة
25 مشاهدة
افعوان جد جده
مشاركة:

صيف عام 1957

كان ينظر إليه بعينيه الدافقتين بالحنان، هذه النظرات لمحها في مكان ما في هذه الدارة الواسعة التي تلعب بها أشعة الشمس برهاوة الرهوان في أقصى تجليات مرحه وفرحه، حالما وصل بخطاه الغضة إلى فم باب السرداب سمع صوتاً هامساً يناديه باسمه فالتفت ليجده بثيابه المزركشة وجسده العملاق ينظر إليه بحنان ومحبة لم يجدها سوى في عينيّ جده المتصقر على كرسيه الخشبي كجارح في أوج عنفوانه، والنساء والاطفال يتهيبن من الاقتراب منه خشية من البريق الوامض والناث من عينيه كالأسياخ المحماة التي تخرج من بطون التنانير المشتعلة أوارها في الاصباحات والأماسي وهي تنث رائحة الخبز الجني إلى سابع جار، وحنية ومحبة لم يجدها سوى في وجه ذلك الشيخ المختبئ وراء زجاج يحدده إطار خشبي وزجاج ناصع وهو يطل من غرفة المضيف الواسعة، بلحيته البيضاء وبشرته ناصعة البياض وقلنسوته السوداء الطويلة، وتحته ثمة كتابة بخط جذب لونه الأزرق ذائقته مثلما جذب الآن هذا الكائن المسترخي على أرضية السرداب المغطاة بالقش الرطب، تقرفص على العتبة معطياً وجهه اللدن لعمق السرداب وظهره للنسوة المتربعات جنب التنور وهن يثرثرن بأمور حياتية شتى، رشق أمه التي ترتدي ثياباً عصرية خلافاً لما ترتديه الأخريات التي تتميز بخصوصية قرى سهل نينوى الضاربة في العمق الرافديني التليد والخالد عبر الحقب والسنين والقرون.... فوجدها فرصة سانحة أن يتخلص من العسس الماثلين بالنساء القريبات للوالدة ومن والده المنشغل بحديث ودي وأثير مع والد زوجته والقهوة تنتقل بتؤدة من الأصابع إلى الفم ورائحتها الحريفة تزكم الأنوف.... فنقل خطواته الحذرة نحو الدرج الأول، ثم أقعى على مقعده وهبط درجات السرداب تباعاً وحين عانقت قدماه أرضية السرداب وجده في استقباله فعانقه عناق الأخوة الذين افتقدوا بعضهم لسنين طوال ثم أخذ وبلسانه المشطور يلحس وجنتيه الطريتين وبعد أن انتهيا من مراسيم الاستقبال الحميم جلس بأعوامه الثلاثة واحتضن رأس رفيقه ووضعه على حجره وصار يمسد رأسه بمحبة باذخة... وجفلاً معاً على صوت صياح الديك ونقنقة دجاجاته بصخب جنوني وأعناقهم تشرأب نحو السرداب ما جعل الرجال والنساء يجفلون ويتوجسون من الآتي، فسمع من مكانه صوت صوات أمه وهو يقترب...

ولدي.... ولدي.....

وسمع صوت أم أمه وهي تقول.

الافعوان.

وكان الوالد أول الواصلين ليجد وقلبه يود الطفر من اضلاعه طفله جالساً وكأنه يجلس في حضنه بأمان لا يضاهي وفي حجره رأس الأفعوان بوداعة حمامة بيضاء وجسده الأرقط يلتف حول جسده اللدن وأنامل الطفل تمسد قرنيه الصغيرين ورقبته البالغة النعومة، وحين عاد صواب الوالد إليه هرع إلى التنور وأمسك بسيخه الحامي المقدد وجاء ركضاً إلى السرداب، بيد أن الجد أوصد بجسده الضخم الطريق عليه وهمس له بهدوء عجيب.

لا تتهور..

قال الوالد وهو ينظر إلى زوجته المغمى عليها والنسوة يرششن الماء على وجهها..

سيلتهمه.

قال الجد بهدوء أكبر.

لن يفعل.

ماذا تقول...؟

واندفع نحو جسد عمه بجنون بغية ازاحته، ولكن العم قال.

سيأمره الآن بالذهاب.

من...؟

قال الجد.

تماسك واهدأ وسترى.

ورفع الأفعوان رأسه ونظر إلى العمق القصي للسرداب وانقاد بكليته ناشراً جسمه الأرقط على أرضية السرداب وزاحفاً نحو بؤرة ائتلفت لوهلة وامضة ببريق ماضٍ ساطع ثم اختفت وسط همس هو مزيج من نبرة زجر من العمق وأخرى اعتذار من الزاحف، فالتفت الجد نحو الأب وقال.

إليك ابنك.... خذه.

وحين استوى الطفل بين ذراعي والده كان منقاداً بكليته نحو النقطة التي سطعت وانطفأت برمشة عين وحتى عندما بلغ الوالد أعلى الدرج كانت رقبة الطفل متوترة تحمل وجهاً وعينين بارقتين باحثتين بلجاجة ما بعدها لجاجة، وعندما وضعوه في حضن امه  في المضيف والتي عاد إليها هدوءها وصارت تقبله بحنون، كانت عيناه تسافران وتستقران على صورة الرجل صاحب القلنسوة بدهشة طفولية لا حد لها، ثم سمع صوت جده وهو يهمس له.

هو الذي ناداه..؟

هز الطفل رأسه موافقاً، فهمس الجد بوداعة لم يألفها أحد ممن عايشوه من قبل.

إنه جدي.

وبعد هنيهة

إنه افعوانه.

وحين تمعن الطفل في الصورة ومن ثم في جده وفي صورته اللدنة المرتسمة على المرآة قبالته، رأى ثلاثة وجوه تحمل سمات وجه واحد هو وجه الجد الأكبر.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ آب ٢٠٢٦ في ٠٥:٠٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ
سرد

إِيلُوهِيمُ القَفَص: هَذَيَانُ الرِّيشِ أَمَامَ آلِهَةِ الفُولَاذ

اللوح الأول: رقيمُ السِّلكِ وتَقْدِيسُ الرَّحِمِ العَاقِر تبدأ الحكايةُ دائمًا من اعترافٍ صلبٍ: إنّ ما يجري في جوف هذا القفص السلكي ليس مجرد هزلٍ مسرحيّ عابر، ولا رتابة بيولوجية بريئة، بل هو طقسٌ كهنوتيّ مُحنّط، يعيد إنتاجَ حماقته بانتظامٍ ميكانيكيّ مريب؛ كأنّ الزمن موظفٌ أزليّ كسيح في ديوان بابل…

· 7 د
لحظة حب
سرد

لحظة حب

صحيح أنك تأخرت عن اللقاء... ورغم انتظاري قرب تلك الشجرة التي طالما عشقناها... تلك التي تسمع حديثنا ولا تشي به لأحد... على أية حال، تركت لك رسالة على جذعها، اقرأها إن حضرت... اقرأها بقلبك قبل عينيك، فالحروف لم تُكتب بحبرٍ مجرد، بل بنبضٍ أرهقه طول الانتظار. كتبتُ لك عن البرد الذي تسلل إلى أطرافي،…

· 2 د
إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د