كانت الاحتفالات والمسيرات تُنظَّم بين فترة وأخرى، كجزءٍ لا يتجزأ من المناسبات الحكومية. كانت إجبارية إلى حدٍّ لا يجد فيه الموظف مفرًّا من الهروب، سواء كان مريضًا أم لا. الجميع ملزمون برفع الشعارات واللافتات التي تكتبها الجهات المعنية، وتشرف عليها الدوائر الحكومية التي لا يسلم رؤساؤها من المشاركة، خوفًا أو تملقًا للنظام. حتى المرضى لم يكونوا مستثنين من هذه الطقوس؛ فالجميع يجب أن يُظهر "وطنية" لا تقبل التأجيل، وفقًا لفهم الأجهزة الأمنية التي كانت تراقب أدق التفاصيل.
لكن كان هناك استثناء واحد، وهي "أم آراس"، زوجة شخصية غير مرحب بها من قبل الأجهزة الأمنية. كان اسم "آراس" وحده كافيًا ليعفي والدته المربية من المشاركة في المسيرات الإجبارية.
في أحد أيام الشتاء القارص، اجتمع المدير "العميل" مع المدرسين ليخطب فيهم بكلمات حماسية مقتضبة، تحثهم على "الوفاء للوطن". بكلامه الرنان والموجّه، الذي كان يفيض بالخطاب الثوري المبتذل، طلب منهم الاستعداد جيدًا للمشاركة في المسيرة القادمة. حذّرهم من التهرب والاختباء بين الحشود بعد بضع خطوات، مشددًا على ضرورة الالتزام بالأوامر، وإلا ستكون العواقب وخيمة، تبدأ بالتحقيق وقد تصل إلى عقوبة السجن أو الفصل من الوزارة.
قال، وهو يضبط نظارته السميكة متظاهرًا بالتفكير:
"أعيد وأكرر، عليكم أيها الرفاق، البقاء إلى نهاية الاحتفال. وأنتِ يا أم آراس، بإمكانك التريث قليلًا، ريثما يحين استعدادنا. أولادك صغار، وهم بحاجة إليك، ولكن الاهتمام بالصغار أيضًا جزء من رسالتنا. كلنا نكمل بعضنا البعض في النضال ضد التخلف والاستعمار."
أثناء كلامه، ارتدت أم آراس معطفها، متأهبة للمغادرة. ولكن زميلتها استوقفتها، وهي تلوك اللبانة في فمها، وقالت لها بصوت يحمل تذمرًا:
"الجو في الخارج لا يُحتمل، زمهرير! أنا لا أطيق البرد! لو سمحتِ لي بارتداء معطفك... أنتِ محظوظة، يبدو أنكِ مدعومة من المدير. أما نحن المساكين، فنحن ملتزمون، كما تعلمين. نحن في جبهة واحدة، غصبًا عنّا!" قالتها بابتسامة ساخرة.
ردت أم آراس، ضاحكة:
"تكريمي، أيتها الرفيقة المناضلة والمشاكسة!" ثم خلعت معطفها بسرعة وسلمته لها، ملوحة بيدها، واتجهت نحو منزلها.
في تلك الأثناء، كان الباقون قد خرجوا إلى الشارع، يوجهون التلاميذ صوب المسيرة. كانت الهتافات تضج في المدينة، رغم الجو القارس الذي كان يرافقه صرير الرياح كموسيقى صاخبة. كانت أسلاك الكهرباء تتمايل بشكل عشوائي، والسحب تتسابق في السماء، والشوارع تغطيها البرك والمياه الراكدة. كان البرد يتسلل إلى أجساد الحضور والمارة، والهواء يلسع الوجوه فتُحمرّ الخدود، وتخرج من الأفواه والأنوف أبخرة كثيفة.
لم تعد "الرفيقة المشاكسة" تتحمل البرد، فوضعت يديها في جيب معطف أم آراس لتقي يديها من زمهرير الشتاء، بينما كانت تسير بثبات في الصف المنتظم. كانت محط أنظار الذكور، ليس فقط بسبب روحها الخفيفة وكلماتها الحلوة، بل أيضًا لجمالها الأخاذ. بشرتها البيضاء كانت كنسمة باردة في يوم حار، تكسو خديها صبغة وردية ناعمة، وكأن أنامل فنان بارع قد صَغَتها.
بينما كانت تسير، شعرت بشيء في جيب المعطف الداخلي. سحبته بسرعة وبفضول، وحين فتحت الورقة وقرأت ما فيها، تغيرت ملامح وجهها بشكل مفاجئ. تحولت حمرة وجهها إلى شحوب، وجفت ريقها، وارتجفت يديها. قرأت بسرعة، وعيناها تكادان تنفجران خوفًا:
"يا للهول! ما هذه المصيبة التي بين يدي؟ نشرة حزبية معارضة، من جهة حزبية كردية! سيظنون أنني أعمل لصالحهم. ربما سيتهمونني كما يتهمون الكرد بأنهم يسعون لاقتطاع جزء من الدولة! يجب أن أتخلص من هذه الورقة فورًا وإلا سيكون السجن مصيري!"
كانت ترتجف. محاولاتها للتمزيق في هذا الحشد الجماهيري ستكون غير مجدية. إذا مزقتها إلى قطع صغيرة، فسيجدها أحدهم، وقد يظن أنها رسالة غرامية. وفي حال اكتشف محتواها المعارض، ستكون النهاية الحتمية لها. كان عليها الخروج فورًا من الصف والتوجه إلى أحد الشوارع الجانبية.
أخذت خطوات متسارعة، لكن حدسها كان صائبًا، فقد كانت عين تراقبها. من شارع لآخر، ومن زقاق لآخر، كان الرقيب يراقبها عن كثب. وعندما اقتربت من باب منزلٍ لتدق عليه، كانت عين الرقيب قد سقطت في الفخ.
هزّ الرقيب رأسه منتشيًا بما وقع بين يديه من "صيد" ثمين.







التعليقات