في تلك الشقة الواسعة التي كانت يوماً تضجّ بالحياة والإيقاع المتواصل للضحكات والخُطى، لم يتبقَّ لـ "عائشة " سوى صدى خافتاً لمشيتها ومساحات شاسعة من الصمت الثقيل. كانت الجدران تتنفس ذكريات قديمة: صوراً معلقة بعناية يُغطّيها غبار ناعم، وطاولة طعام لم يعد يجلس إليها أحد.
بدأ الأمر كله برحيل زوجها وشريك عمرها. رحل فجأة، تاركاً خلفه مقعده الخشبي المفضل في زاوية الغرفة المعتمة، وفراغاً مهولاً في قلبها لا يمكن لشيء أن يملأه. كانت تطيل النظر إلى ذلك المقعد، وتتخيل وجوده يتصفح جريدته الصباحية ويرتشف قهوته كعادته. لم يمضِ وقت طويل على رحيله حتى بدأت الشقة تُفرَغ من صخبها ببطء؛ حزم الأبناء حقائبهم واحداً تلو الآخر، متوجهين نحو حيواتهم الجديدة، غارقين في دوامات الزواج والعمل ومشاغل المستقبل. غادروا جميعاً، تاركين خلفهم غرفاً مغلقة، وأنواراً مطفأة، وألعاباً قديمة نسيها الزمن.
بقيت وحيدة تواجه مرارة الساعات الطويلة. ولأن العقل البشري كائن حي لا يطيق الفراغ المطلق ولا يحتمل وطأة الوحشة، بدأت ذاكرتها تفعل شيئاً غريباً ومأساوياً.. بدأت تقضم نفسها ببطء، وكأنها تمارس آلية دفاع أخير للهرب من واقع يلتهمه الجفاء والوقت.
لم تلحظ في البداية ما يحدث داخل رأسها. كانت الحكاية تبدأ بتفاصيل صغيرة لا تُذكر، تُعزى دائماً إلى تقدم السن أو شتات الذهن العابر:
مفاتيح البيت التي تجدها فجأة داخل الثلاجة بجوار علبة الحليب.
براد الشاي الذي تضعه على النار ثم تنساه تماماً، حتى يجف ماؤه، وتتصاعد منه رائحة الحرق لتملأ أرجاء البيت، فتسرع مخترعةً ألف سبب وسبب لغفلتها.
أو ذلك الاتصال الهاتفِي مع ابنتها، حين تتصل بها بصوت يعصره الشوق:
" متى ستأتين لزيارتي؟ لقد اشتقتُ إليكِ كثيراً!"
فترد الابنة بتعجب ودهشة مشوبة بالإرهاق:
"أمي! ماذا تقولين؟ لقد كنتُ عندكِ بالأمس، وقضيتُ معكِ النهار بطوله وشربنا الشاي معاً!"
كانت تلك الإرهاصات الأولى لمرض الزهايمر وهو يقتات على أيامها الخالية. كانت الوحدة هي البيئة المثالية، والصوبة الدافئة ليتحرك هذا المرض بنعومة وبلا ضجيج يُذكر؛ مستغلاً غياب الأنيس الذي يصحح لها الكلمات، أو يشاركها الحديث ، أو ينبهها إلى التفاصيل التي تتفلت من بين أصابعها كالملح في الماء.
في أحد مساءات الخريف الماطرة، استيقظت من قيلولتها وهي تشعر بنشاط غريب وبهجة مبهمة تجتاح صدرها. شعرت وكأن اليوم يوم خاص. توجهت بخطوات حثيثة إلى المطبخ، وبدأت تُعدّ الطعام. لم يكن طعاماً عادياً، بل طهت الوجبة المفضلة لزوجها الراحل ، تلك الوجبة التي كانت تتطلب ساعات من التحضير والعناية.
مسحت الغبار عن الطاولة، ونست تماماً سنوات الفراغ. نسقت الطاولة بعناية فائقة، وضعت طبقين، وكوبين، وشوكتين. جلست على كرسيها تنتظر.
مرت ساعة... ثم ساعتان. طرقت العتمة نوافذ الشقة، وانعكست أضواء الشارع الضئيلة على زجاج الغرفة، ولم يأتِ أحد. كانت الأطباق قد بردت تماماً، واختفت حرارتها كما اختفت حرارة البيت منذ سنوات. نظرت إلى الكرسي المقابل، وبدت عيناها تائهتين في فراغ الغرفة الساكنة. حاولت أن تعصر ذاكرتها، أن تتذكر شيئاً يربطها بهذا المشهد: لماذا وضعت طبقين؟ من الذي أنتظره على أحر من الجمر؟ لماذا هذا الشعور الخفي بالخذلان؟
في تلك اللحظة ، كسرت حدة الصمت رنة جرس الباب العالية.
ارتجف قلبها، وهرعت لتفتح والبهجة تملأ وجهها والمقلتان تتسعان أَمَلاً، ظناً منها أن زوجها قد عاد أخيراً من عمله متأخراً كما كان يفعل قديماً. فتحت الباب بابتسامة دافئة، لكن الطارق لم يكن زوجها . كان ابنها الأكبر ، الذي جاء مسرعاً يقوده القلق ليطمئن عليها بعد أن تكرر عدم ردها على هاتفها المنزلي وطال انتظار رسائله.
وقفت أمام الشاب الواقف في العتبة. نظرت إلى وجهه، إلى عينيه اللتين تحملان ملامح تعرفها ولا تعرفها. اجتهدت بضراوة لتجمع شتات عقلها، لتركّب الحروف وتستدعي الأسماء من بين طيات الماضي، لكن الضباب الأبيض كان قد أحكم قبضته تماماً على كل زاوية في عقلها.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وارتجفت شفتيها وهي تتأمله بنبرة حزينة، محتارة ومستغربة:
"معذرةً يا بني.. ولكن، من أنت؟ وماذا تريد؟"
سقطت الكلمات عليه كالصاعقة . تجمد في مكانه، وانسحبت الدماء من وجهه وهو يرى أمه تنظر إليه كغريب تماماً، بلا أدنى أثر للمعرفة أو للأمومة في عينيها. أدرك في تلك اللحظة الفظيعة أن أمهم التي عرفوها قد غادرتهم بالفعل.
ولكن بالنسبة لـها.. كان ذلك الإعلان الرسمي لرحيلها الآمن إلى عالم آخر. عالم محميّ لا يوجد فيه ألم الغياب، ولا مرارة الانتظار، ولا وحشة البيوت الفارغة التي يسكنها الصدى.
لقد قضم الزهايمر، بكرمٍ قاسٍ، ما تبقى من حزنها المقيم، ومسح صور الراحلين والغائبين والذين شغلهم العيش، ليتركها أخيراً في صفحة بيضاء ناصعة، خالية من الأبناء .. وخالية من الوحدة أيضاً.







التعليقات