في القرية، كان الموت يصل قبل أصحابه.
تسمعين النساء يرفعن أصواتهن من بيت بعيد، فتفهمين أن أحداً ما غادر، قبل أن تعرفي اسمه.
كنت صغيرة حين تعلمت هذه القاعدة.
لم أكن أفهم الموت، لكنني كنت أفهم أصوات النساء.
الصوت الذي يشق المساء فجأة.
الصمت الذي يأتي بعده.
الأقدام التي تزدحم عند الباب.
والصحن الذي يظل ممتلئًا على مائدة لم يعد صاحبه إليها.
كبرتُ وأنا أظن أن الأشياء تنتهي حين تنتهي.
لم أعرف أن بعضها يبدأ بعد ذلك.
كانت أمي تحتفظ بثوب أبي في خزانة خشبية.
لم يكن الثوب جديداً.
كانت رائحته قد اختفت منذ زمن، لكن أمي لم تغسله مرة أخرى.
كلما فتحت الخزانة، رأيته معلقاً هناك، ساكنًا بطريقة تشبه الوقوف.
كنت أسألها:
— ليه ما بتلبسيه؟
فتغلق الخزانة.
— ما قدري.
لم أفهم.
كان الثوب واسعاً عليها، نعم.
لكنني كنت أعرف أن هذا ليس السبب.
كبرتُ بما يكفي لأفهم أن بعض الملابس لا تُلبس لأنها صارت أوسع من أجسادنا.
صارت أوسع من حياتنا.
بعد سنوات، غادرت القرية.
حملت معي حقيبة صغيرة، وبعض الملابس، ودفترًا، واعتقاداً ساذجاً بأن الأماكن الجديدة تمنحنا فرصة لأن نصبح أشخاصاً آخرين.
في المدينة، لم يعرف أحد أنني كنت أجلس في طفولتي قرب باب الغرفة وأحصي أصوات النساء.
لم يعرف أحد أنني أخاف من الطرق على الباب بعد منتصف الليل.
لم يعرف أحد لماذا أترك هاتفي مقلوباً على الطاولة، ثم أعود كل دقيقة لأتأكد أنه لم يرن.
لم يعرف أحد أنني حين أقول:
"أنا بخير"
أقصد أحياناً:
"لا أريد أن أفتح هذا الباب الآن."
المدينة لا تسأل كثيراً.
وهذه إحدى طرق قسوتها.
تسمح لك بأن تكون مجهولاً حتى عن نفسك.
في أحد الأيام، ماتت امرأة كنت أعرفها.
لم تكن قريبة.
لم أبكِ.
قرأت الخبر، وضعت الهاتف جانبًا، وأكملت عملي.
بعد ساعات، وأنا أعد الشاي، سقطت الملعقة من يدي.
لم يكن للمرأة علاقة بالملعقة.
لكنني تذكرت يدها.
كانت تمسك الكوب بالطريقة نفسها التي كانت تمسك بها أمي كوب الشاي.
فجأة، لم تعد المرأة امرأة.
صارت غرفة.
صارت عصرًا قديماً.
صارت صوت أمي وهي تنادي من آخر البيت.
صرت طفلة.
وهذا ما يفعله الموت أحياناً:
لا يأخذ شخصاً.
يعيد إليك أشخاصًا آخرين.
في آخر زيارة للقرية، فتحت أمي الخزانة.
كان الثوب ما يزال هناك.
أقدم.
أكثر هدوءاً.
مددت يدي ولمسته.
لم أشعر بشيء.
وهذا أخافني.
كنت أعتقد أن الذاكرة تحترق إذا لمسناها.
لكنها لم تفعل.
ربما لأن الأشياء، بعد زمن طويل، تتوقف عن كونها ذكريات.
تصبح أثاثاً.
تدخل في تكوين البيت.
تعيش معك دون أن تطلب منك أن تتذكرها.
جلست أمي على السرير.
قلت لها:
— لسه محتفظة بيهو؟
قالت:
— أيوة.
ثم سكتت.
لم أسألها لماذا.
لم تعد هناك أسئلة مناسبة.
بعض الأسئلة، حين نتأخر عنها كثيرًا، تفقد حقها في الإجابة.
في الليل، خرجت إلى الحوش.
كانت السماء واسعة.
النجوم كثيرة كما أتذكرها.
لكنني لم أكن الطفلة نفسها.
سمعت صوت امرأة من بيت قريب تنادي ابنتها.
ثم ضحكة.
ثم باباً يُغلق.
ثم كلبًا ينبح بعيداً
كل شيء كان في مكانه.
وهذا تحديدًا ما جعلني أشعر بالغربة.
الأماكن لا تحفظ غيابنا.
نحن الذين نفعل.
في الصباح، قبل أن أغادر، فتحت الخزانة مرة أخرى.
لم آخذ الثوب.
تركتُه هناك.
لأول مرة فهمت لماذا أبقت أمي عليه كل هذه السنوات.
لم تكن تنتظر أبي.
ولم تكن عاجزة عن الرحيل.
كانت فقط تعرف شيئاً لم أعرفه بعد:
أن بعض الأشياء لا نحتفظ بها لأننا نريد عودتها.
نحتفظ بها لأن اختفاءها الكامل سيكون نوعًا آخر من الموت.
أغلقت الخزانة.
خرجت.
وفي الطريق إلى المدينة، اكتشفت أنني كنت أحمل شيئاً معي.
ليس الثوب.
رائحته لم تعد موجودة أصلاً
كنت أحمل الطريقة التي أغلقت بها أمي الخزانة.
بهدوء.
كما لو أنها تغلق بابًا على شيء حي.
ومنذ ذلك اليوم، كلما مات أحد، لا أفكر في موته.
أفكر في الأشياء التي ستبقى بعده.
كرسيه.
كوبه.
رقم هاتفه الذي لن نحذفه.
اسمه في دفتر قديم.
صوته في ذاكرة شخص واحد.
وقميصًا معلقًا في خزانة امرأة لا تعرف كيف تشرح للآخرين لماذا لا تستطيع التخلص منه.
ثم أفهم، متأخرة كعادتي، أن الإنسان لا يموت مرة واحدة.
يموت حين يتوقف قلبه.
ثم يموت حين نتوقف عن ذكر اسمه.
ثم يموت للمرة الأخيرة—
حين يصبح الشيء الذي كان يخصه شيئًا عاديًا.
لهذا أبقي بعض الأشياء في أماكنها.
لا وفاءً للموتى.
بل خوفاً من أن يأتي يوم،
نمر فيه بجانب غيابهم،
ولا نشعر بشيء.







التعليقات