لم يكن رشيد يخشى الموت؛ كان يخشى أن يموت دون أن يعرف أيّ الرجلين كان طوال حياته: ذلك الذي رآه الناس في المرايا، أم ذلك الذي ظل يختبئ خلف عينيه.
في جناحه الفخم، حيث تتدلى الستائر الثقيلة كأنها أُسدلت على مسرح انتهى عرضه، كان يحتضر وحيدا. على الطاولة ساعة ذهبية، وخاتم مرصع، ومفتاح خزنة، وصورة لرجل يبتسم بثقة المنتصر. لم يتعرف إلى نفسه في الصورة إلا من خلال الملابس.
اقتربت منه ممرضة شابة، وسألته:
- هل تريد أن نضيء الغرفة؟
أجاب بصوت متقطع:
- لا. أريد أن أرى الظلام كما هو، قبل أن أصير جزءا منه.
ترددت، ثم سألته:
- هل تخاف؟
نظر إليها طويلا.
- قضيت عمري أخاف الفقر، فجمعت المال. وخفت النسيان، فبنيت لنفسي اسما. وخفت الخيانة، فلم أثق بأحد. والآن، أخبريني: ماذا أفعل بكل هذا الخوف الذي لم يعد لدي وقت لأعيشه؟
لم تجد جوابا.
أشار إلى الباب.
- اتركيني وحدي.
حين أُغلق الباب، سمع وقع خطوات في الممر. لم تكن خطوات الممرضة؛ كانت أبطأ، أثقل، كأن صاحبها يجر وراءه عمرا كاملا.
ظهر رجل عند عتبة الغرفة. كان يرتدي معطفا رماديا، ويحمل حقيبة جلدية قديمة. لم يتقدم، ولم يسلم، بل اكتفى بالنظر إلى رشيد كما ينظر شاهد إلى متهم طال انتظاره.
صرخ رشيد:
- من سمح لك بالدخول؟
قال الرجل:
- أنت.
- لا أعرفك.
- هذه هي مشكلتك. لم تعرف أحدا، حتى الذين صنعت حياتك من أنقاضهم.
حاول رشيد استدعاء الممرضة، لكن صوته لم يتجاوز حنجرته. أخرج الرجل كرسيا وجلس قرب السرير.
- أتذكر القرية التي غمرتها مياه السد قبل خمسين سنة؟
ارتجفت أصابع رشيد.
- ما علاقتك بذلك؟
- كنت يومها موظفا صغيرا، وكنت تعرف أن التعويضات سرقت. وقعت التقرير الذي شرعن سرقتها، ثم صرت شريكا في الشركة التي بنت السد.
أغمض رشيد عينيه. ظهرت أمامه وجوه لم يتذكرها منذ عقود: امرأة تحمل طفلا، شيخ يقف أمام باب مهدوم، وصبي يركض خلف شاحنة محملة بالأثاث. كانت الذاكرة تستعيدهم واحدا واحدا، لا بوصفهم أشباحا، بل بوصفهم شهودا لم تنته شهاداتهم.
قال رشيد:
- فعلت ما يفعله الجميع. لم أكن وحدي.
ابتسم الرجل ابتسامة خالية من الفرح.
لهذا جئت،لأخبرك أن الجميع لا يموتون معك.
عم الصمت لحظة.ثم فتح الرجل حقيبته وأخرج مرآة صغيرة، وضعها أمام وجه رشيد.
- انظر.
حدق رشيد في انعكاسه. رأى وجها شاحبا، عينين غائرتين، وفما ظل سنوات طويلة يأمر الآخرين، فإذا به يعجز عن إصدار كلمة.
همس:
- ماذا تريد مني؟
- أن تعبر.
- إلى أين؟
- إلى المكان الذي لا تنفع فيه الألقاب.
ارتجفت المرآة في يد الرجل، أو لعل يد رشيد هي التي ارتجفت. شعر المحتضر بأن الغرفة تتسع، وأن الجدران تتراجع، وأن حياته تتفكك مثل كتاب ابتلت أوراقه بالماء. سقطت القصور، وتهاوت الحسابات المصرفية، وتبخر التصفيق. لم يبق إلا صوت طفل يبكي في مكان بعيد.
قال رشيد، وقد غلبه الذعر:
- من أنت؟ أأنت الموت؟
أجاب الرجل:
- الموت باب، وأنا لست الباب.
- فمن تكون؟
اقترب الرجل، حتى رأى رشيد في عينيه شيئا يشبه عينيه، لكنهما كانتا أصغر، وأكثر صفاء.
- أنا ذلك الذي كنت ستصبحه لو أنك اخترت الرحمة في المرة الأولى.
ثم أطفأ المصباح.
في الصباح، أعلن الطبيب وفاة رشيد، وانشغل الورثة بتقسيم الثروة، كأن الموت لم يكن سوى توقيع أخير على وثيقة ملكية. أما الغرفة، فبدت أكثر اتساعا مما كانت عليه، وقد خلف الراحل وراءه ساعته الذهبية، وخاتمه المرصع، ومفتاح خزنته؛ أشياء ظل يظن أنها ستشهد له بالانتصار، فإذا بها لا تشهد إلا على غيابه.
وحين جاءت الممرضة لجمع أغراضه، وجدت المرآة الصغيرة على الطاولة، وإلى جانبها ورقة كتبت بخط مرتجف:"قضيت عمري أظن أن العبور انتقال من مكان إلى آخر، حتى اكتشفت، في اللحظة الأخيرة، أنني كنت أعبر فوق أعمار الآخرين لأصل إلى نفسي، فإذا بي أفقدها في الطريق".
قلبت الورقة، فلم تجد توقيعا، بل أثرا دائريا باهتا يشبه بصمة أصبع محيت على عجل.
وفي تلك اللحظة، انطفأت الساعة الذهبية، مع أنها لم تكن تعمل بالكهرباء، وتوقفت عقاربها عند منتصف الليل.
بعد أيام، فتحت خزنة رشيد تنفيذا لوصيته. لم يجد الورثة فيها ذهبا ولا وثائق ملكية، بل مئات الرسائل التي لم ترسل، واعترافات لم توقع، وأسماء أشخاص ظل يطاردهم طوال حياته، محاولا شراء صمتهم أو نسيانهم.
وفي قاع الخزنة، وجد صندوق خشبي صغير، بدا أقدم من كل ما في الغرفة. داخله مرآة أخرى، وعلى ظهرها نقشت عبارة واحدة:"ليس السؤال: ماذا ينتظرنا بعد الموت؟ بل: من يبقى منا حين يسقط كل ما كنا نظنه نحن؟"
لم يعرف أحد من وضع العبارة، ولا متى كتبت.
لكن منذ ذلك اليوم، صار كل من يقف أمام المرآة يرى وجهه بوضوح، ثم يلمح خلف كتفه ظلا لا يتحرك معه.
وكان الظل، كلما حاول صاحبه الالتفات إليه، يختفي.
كأن الحقيقة لا تظهر إلا حين نتوقف عن البحث عنها في الاتجاه الخطأ.







التعليقات