انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

من احتراق الذات إلى موسيقى الشعر قراءة في (نزيف اللحن) للشاعر المغربي  لحسن أيت باها

عدنان مشهي
عدنان مشهي

ناقد وأديب مغربي

8 دقائق للقراءة
24 مشاهدة
من احتراق الذات إلى موسيقى الشعر قراءة في (نزيف اللحن) للشاعر المغربي لحسن أيت باها
مشاركة:

يأتي العمل الشعري "نزيف اللحن" للشاعر المغربي لحسن أيت باها ، الصادر حديثا عن منشورات الأطلس، امتدادا لتجربة شعرية راكمت حضورها عبر أعمال سابقة، وهي "مراثي القمر" و"أنغام درعة"و"ستائر حالمة" و"جداريات على مرافئ الزمن". ومن ثم فإن قراءة "نزيف اللحن" لا تستقيم كعمل منفرد ، بل حلقة جديدة في مسار شعري تتشكل ملامحه من تفاعل الذات مع المكان والذاكرة والوطن والحلم، ومن انفتاح النص الشعري على أسئلة الوجود والإنسان والتاريخ.

وقد جاء العمل بتقديم الدكتور الحسن أيت العامل، ويضم ثمانية عشر نصا شعريا، تتعدد عناوينها وتتسع فضاءاتها: "احترق الشعر في الفؤاد"، "الربيع"، "أعط القوس باريها"، "فلسطين"، "نفحات الطين"، "عبث وعبث"، "تمكروت" ، "الولي"، "الحريق والماء"، "الطين"، "الوطن والشهيد"، "موسيقى الحلم"، "إلى أدونيس"، "نزيف اللحن"، "جسدي قصيدة"، "قربا دفتَي كتب مني"، "أوراق سيزيف" و"سبتة". ومن خلال هذه العناوين وحدها يمكن للقارئ أن يلمس تعدد منابع التجربة، فهي تذهب من الذات إلى الوطن، ومن المكان إلى الذاكرة، ومن الحلم إلى الأسطورة، ومن الجسد إلى الكتاب، ومن الخاص إلى العام.

ويبدو عنوان "نزيف اللحن" مفتاحا أساسيا لفهم هذه التجربة، فهو تركيب يقوم على مفارقة لافتة بين "النزيف" بما يحمله من دلالات الجرح والألم والفقد، و"اللحن" بما يحمله من موسيقى وانسجام وجمال. وحين يجمع الشاعر بينهما فإنه يؤسس منذ البداية لمعادلة شعرية مفادها أن الجمال قد يولد من الجرح، وأن الموسيقى قد تخرج من منطقة الألم، وأن النص الشعري ليس بالضرورة ابن الفرح، بل قد تكون ابن الاحتراق والانكسار والقلق.

ولعل هذا ما يثبته هذا   النص الأول، حين يقول:

"احترق الشعر في الفؤاد

تمزق في صدري أعواد

سرت النار تلتهم روحي

تنطلق .. تهتز ارتداد" ص14

إن فعل "احترق" لا يأتي هنا كصورة عابرة، بل يضع الشعر منذ البداية في مواجهة النار. فالشعر ليس شيئا خارج الذات، وإنما هو جزء من احتراقها الداخلي. والفؤاد الذي يحترق، والصدر الذي يتمزق، والروح التي تلتهمها النار، كلها تجعل الكتابة نتيجة مباشرة لمعاناة داخلية تتحول بفعل اللغة إلى صورة شعرية.

إن الشاعر لا يقول إن الشعر خرج من الفؤاد، بل يقول إنه احترق فيه، وفي هذا التحول تكمن دلالة عميقة؛ لأن الشعر هنا لا يبدو مجرد تعبير عن الألم، بل جزء من عملية الاحتراق. وكأن الشاعر حين يكتب لا يصف النار، بل يكتب من داخلها.

ومن هذه النقطة يمكن فهم العلاقة بين "الاحتراق" و"النزيف" في العمل. فالنار والدم صورتان مركزيتان في بناء التجربة، وكلتاهما تحيلان إلى الألم، غير أن هذا الألم لا يبقى في مستوى المعاناة، وإنما يتحول إلى طاقة جمالية. فحين يقول في "نفحات الطين":

"نزفت عباب الذكريات

تمسحت بالقصب

أليفا

وألثم الحجر المبارك

نزيفا.." ص 35

فإن الذاكرة نفسها تصبح قابلة للنزيف. وهذه صورة شديدة الدلالة، لأنها تمنح الذكريات جسدا، وتجعل الماضي شيئا حيا يمكن أن ينزف. وهنا يتحول المكان أيضا إلى ذاكرة، وتتحول الذاكرة إلى جرح، ويتحول الجرح إلى نص شعري.

ويكتسب الطين في هذا السياق قيمة رمزية خاصة؛ فهو ليس مجرد عنصر من عناصر الطبيعة، وإنما يحيل إلى الأرض والأصل والجذور والانتماء. وحين يستدعي الشاعر الوادي والقصب والحجر، فإنه يستدعي مكانا مشبعا بالذاكرة والحمولة الروحية. لذلك يبدو المكان في "نزيف اللحن" أكثر من مجرد جغرافيا؛ إنه كائن يستعيد الشاعر من خلاله أجزاء من ذاته.

من احتراق الذات إلى موسيقى الشعر

قراءة في (نزيف اللحن) للشاعر المغربي  لحسن أيت باها

ومن اللافت أن الشاعر لا يفصل بين المكان والروح. فـ"تمكروت" و"الولي" و"الطين" تنفتح جميعها على فضاء روحي وتراثي، يجعل المكان حاملا للذاكرة الجماعية، ويجعل استحضاره نوعا من استعادة الجذور. وهنا يتجاوز النص الشعري حدود الوصف لتصبح محاولة لاستعادة ما هو مهدد بالنسيان.

لكن التجربة لا تنغلق داخل الذات والمكان، إذ سرعان ما تتسع دائرتها لتصل إلى الوطن والقضية. فوجود عناوين مثل "فلسطين" و"الوطن والشهيد" و"سبتة"يكشف عن انتقال واضح من الجرح الشخصي إلى الجرح الجماعي. فالذات التي بدأت بالنار داخل الفؤاد تنفتح على نار أكبر، هي نار التاريخ والوطن والفقد.

وهذا الانتقال يمنح التجربة بعدها الإنساني؛ فالشاعر لا يجعل من ذاته مركزا مغلقا، بل يجعلها مساحة تستقبل وجع العالم. وإذا كان الجسد في بداية العمل يحمل احتراقه الخاص، فإن الوطن في نصوص أخرى يحمل جرحه الجماعي. وبذلك يصبح النزيف فرديا وجماعيا في الوقت عينه.

وفي مقابل هذا الحضور القوي للواقع والوطن، نجد حضورا للحلم والخيال والعبث. ففي "موسيقى الحلم" يبدو الحلم مجالا للبحث عن منفذ من قسوة الواقع، غير أن الحلم نفسه لا يظل نقيا، إذ يتحول في نص "نزيف اللحن" إلى أشباح. يقول الشاعر:

"أعتصر من الشراب

ليلتين

ومن الكأس إغفاءتي

الصغيرة

ومن أحلامي أشباحا أحاكيها.. ص64

هنا تتوالى التحولات بصورة لافتة: الشراب يتحول إلى ليل، والكأس إلى إغفاءة، والأحلام إلى أشباح. وكأن الذات الشاعرة كلما حاولت أن تجد منفذا إلى الراحة وجدت نفسها غارقة في  القلق.

والأشباح في هذا المقطع ليست صور مخيفة فحسب، بل بقايا أحلام لم تكتمل، أو ذكريات ترفض أن تغادر، أو أسئلة تظل معلقة في وعي الشاعر. لذلك يبدو الحلم في "نزيف اللحن" فضاء ملتبسا؛ إنه يمنح الشاعر إمكانية التحليق، لكنه لا يضمن له الخلاص.

ومن هنا تكتسب عبارة "نزيف اللحن" معناها الأوسع. فاللحن لا ينطلق من حالة انسجام كاملة، وإنما من تناقضات الذات. إنه لحن ينزف لأنه محمل بالذاكرة والخيبة والحلم والوطن والجسد. وكأن الموسيقى هنا ليست صوتا للفرح، وإنما طريقة أخرى لجعل الألم قابلا للقول.

وتزداد هذه الرؤية وضوحا مع عنوان "الحريق والماء" ، الذي يقوم على تضاد واضح بين عنصرين متناقضين: النار والماء. غير أن هذا التضاد يعكس في العمق طبيعة التجربة كلها؛ فالشاعر يتحرك بين الاحتراق والهدوء، بين الحلم واليقظة، بين الذاكرة والنسيان، بين الرغبة في الخلاص والعودة المستمرة إلى الجرح.

أما "عبث وعبث" و"أوراق سيزيف" فيفتحان النص الشعري على أفق وجودي أكثر اتساعا. وسيزيف، بما يحمله من دلالة أسطورية على تكرار الفعل ومواجهة المصير، يمنح الشاعر رمزا مناسبا للتعبير عن الإنسان الذي يواصل حمل أسئلته رغم ثقلها. وهنا لا يعود الألم  حادثة عابرة، بل يتحول إلى سؤال حول مفهوم الوجود نفسه.

وفي هذا السياق يمكن النظر إلى "العبث" ليس باعتباره موقفا نهائيا من الحياة، وإنما باعتباره سؤالا شعريا: ماذا يفعل الإنسان حين يجد نفسه أمام واقع لا يمنحه المعنى الذي يبحث عنه؟ وربما تكون الإجابة التي يقترحها الشاعر ضمنيا هي الكتابة نفسها.

ويأتي "إلى أدونيس ليضيف إلى العمل بعدا حواريا وثقافيا، حيث تنفتح تجربة الشاعر على الذاكرة الشعرية العربية الحديثة. فالشعر هنا لا يعيش خارج تاريخه ، وإنما يدخل في حوار مع أسماء وتجارب ورموز تركت أثرها في مسار القصيدة العربية. وهذا الوعي يمنح العمل بعدا آخر، لأنه يجعل الشاعر في مواجهة سؤال الشعر نفسه، وليس فقط في مواجهة موضوعاته.

وفي "جسدي قصيدة" يصل التماهي بين الإنسان والشعر إلى مستوى أكثر وضوحًا. فالجسد لا يعود موضوعا للقصيدة، بل يصبح قصيدة في ذاته. وهذه العبارة تختصر جانبا مهما من التجربة: الشاعر لا يكتب عن الألم من الخارج، بل يعيشه في الجسد والروح والذاكرة، ثم يعيد تشكيله باللغة.

وإذا كان الجسد قصيدة، فإن الكتاب في "قربا دفتَي كتب مني" يصبح فضاء للحميمية والاحتماء والمعرفة. وهنا تتسع علاقة الشاعر بالكتابة لتشمل الكتاب نفسه، وكأن القصيدة لا تنفصل عن فعل القراءة والكتابة وعن ذلك العالم الذي تتجاور فيه الكتب والذكريات والأصوات.

وما يمنح العمل وحدته رغم تعدد نصوصه هو أن هذه العناوين المتباعدة ظاهريا تلتقي في عمق التجربة. فـ "فلسطين" و"الوطن والشهيد" و"سبتة" تنتمي إلى سؤال الوطن، و"تمكروت" و"الطين" و"نفحات الطين" تنتمي إلى سؤال المكان والذاكرة، و"عبث وعبث" و"أوراق سيزيف" تنتميان إلى السؤال الوجودي، و"جسدي قصيدة" و"احترق الشعر في الفؤاد" تنتميان إلى سؤال الذات، بينما يظل "نزيف اللحن" عنوانا جامعا لكل هذه المسارات.

وهنا تكمن قيمة العمل؛ فهو لا يقدم موضوعا واحدا، وإنما يقدم حالة شعرية متعددة الوجوه. الذات ليست منفصلة عن الوطن، والوطن ليس منفصلا عن الذاكرة، والذاكرة ليست منفصلة عن المكان، والمكان ليس منفصلا عن الجسد، والجسد ليس منفصلا عن القصيدة.

وتقوم اللغة في عدد من المقاطع على بناء صور شعرية غير مألوفة، تجعل الأشياء تتبادل وظائفها: الشعر يحترق، والذكريات تنزف، والأحلام تنجب الأشباح، والجسد يصير قصيدة، واللحن نفسه يصبح نازفا. وهذا الانزياح هو الذي يمنح اللغة حيويتها، إذ لا يكتفي الشاعر باستعمال الكلمات في دلالاتها المباشرة، بل يدفع بها إلى فضاءات جديدة.

ويمكن القول إن مفردات مثل النار، النزيف، الطين، الماء، الحجر، الكأس، الحلم، الجسد تشكل معجما داخليا للعمل. وهي مفردات حسية في أصلها، لكنها تحمل دلالات نفسية ووجودية تتجاوز بعدها المباشر. النار ليست نارا فقط، والطين ليس طينا فقط، والماء ليس ماء فقط، والكأس ليست كأسا فقط؛ إنما تتحول جميعها إلى علامات داخل التجربة الشعرية.

وبذلك يبدو "نزيف اللحن" عملا يقوم على مفارقة أساسية: كلما اشتد الألم ازدادت الحاجة إلى الموسيقى، وكلما اتسع الجرح اتسعت مساحة القصيدة. فالشاعر لا يحاول إخفاء نزيفه، وإنما يمنحه لغة وإيقاعا وصورة.

ومن "احترق الشعر في الفؤاد" إلى "نزفت عباب الذكريات"، وصولا إلى "نزيف اللحن"، نتابع مسارا شعريا تتحول فيه النار إلى لغة، والجرح إلى صورة، والذاكرة إلى قصيدة، والحلم إلى سؤال.

ولذلك فإن "نزيف اللحن" ليس فقط عنوان لعمل شعري، بل هو مفتاح لرؤية شعرية  متكاملة مفادها أن الشعر هو أجمل أشكال الألم حين يجد الألم طريقه إلى الموسيقى.

إنه عمل تتحرك فيه الذات بين احتراقها الداخلي وذاكرتها، وبين المكان والوطن، وبين الحلم والعبث، وبين الجسد والقصيدة، لتؤكد في النهاية أن الشعر لا يولد دائما من لحظة اكتمال، بل كثيرًا ما يولد من النقص، ومن الفقد، ومن ذلك الجرح الذي لا يجد له الشاعر دواء سوى أن يحوله إلى لحن.

وهكذا يصبح "نزيف اللحن" تجربة شعرية يتجاور فيها الجرح والجمال، وتلتقي فيها الذاكرة بالحلم، والوطن بالذات، والأسطورة بالواقع، ليظل الشعر في النهاية ذلك النزيف الجميل الذي لا يريد الشاعر أن يوقفه، لأنه حين يتوقف النزيف، قد يصمت اللحن.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الهوية والاغتراب وصراع الأنا والآخر.

في رواية (رسائل دامية ) للاديبة الزهراء رميج.
قراءات

الهوية والاغتراب وصراع الأنا والآخر. في رواية (رسائل دامية ) للاديبة الزهراء رميج.

نفتتح ديباجة هذه القراءة النقديةبمقولةIanwatt "لا تكمن واقعية الرواية في نوع الحياة التي تقدمها،وإنما في الطريقة التي قدم بها تلك الحياة". هذا الانعكاس الواقعي الأدبي.له حمولته التقريرية السرديةعن تجارب إنسانية .على حد قول إريك اورباخ(الرواية تمثيل للواقع). السؤال الجوهري كيف استطاعت الروائية…

· 14 د
قراءة في رواية (وجهان في المرآة ) للروائية نور الهدى كناوي
قراءات

قراءة في رواية (وجهان في المرآة ) للروائية نور الهدى كناوي

كانت احدى المصادفات الجميلة ان أتوقف عند دار المتن في معرض بغداد للكتاب الذي اقيم في هذا الشهر أيلول 2026 ومن ضمن الكتب التي اشتريتها كانت رواية "وجهان في مراة"، لم أتصفح الكتاب لاضمه إلي ، بل وجدت أسما مالوفا فكان لي اثيرا.. الروائية نور الهدى كناوي، وعنوان الرواية كما ذكرته، عن دار المتن، 2025…

· 3 د
اليمين واليسار في الداخل الفكري: صراع الواقع وثبات القراءة للكاتب ولاء الصواف

  تحرير تفكيكي
قراءات

اليمين واليسار في الداخل الفكري: صراع الواقع وثبات القراءة للكاتب ولاء الصواف   تحرير تفكيكي

تفكيك ما وراء الصراع ووهم المركزية العقائدية ينطلق هذا النص من تفكيك ظاهري لثنائية (المركز والهامش) و(اليمين واليسار)، محاولاً إزاحة اليقينيات التي استقرت طويلاً على رفوف المعرفة المتراكمة عبر التاريخ. لكن القراءة التفكيكية الفاحصة تكشف أن النص، في سعيه لتقويض هذه الثنائيات، يعيد إنتاج تأسيس…

· 7 د