كانت احدى المصادفات الجميلة ان أتوقف عند دار المتن في معرض بغداد للكتاب الذي اقيم في هذا الشهر أيلول 2026
ومن ضمن الكتب التي اشتريتها كانت رواية "وجهان في مراة"، لم أتصفح الكتاب لاضمه إلي ، بل وجدت أسما مالوفا فكان لي اثيرا..
الروائية نور الهدى كناوي، وعنوان الرواية كما ذكرته، عن دار المتن، 2025 والتي تحمل دقة في توظيف الزمكان، في تتعامل مع العناوين، والمدن بدراية كبيرة، تختار المدينة والقضاء، والشارع وتنسق حركة ابطال الراوية وخاصة «حسنة» او مريم والتي هي حسنة ولكن في وجهها التالي، لم تعمد كاتبة الرواية الى تحديد السنة او الشهر او اليوم بل جعلته عاما وكانها تتحدى الزمن لتقول روايتي تصلح لهذا الزمن وكل زمن.
تناولت الكناوي في الرواية، الحرية كمحنة لا يمكن التخلص من هم الحصول عليها، هي اختارت نموذجا عجيب من النساء، سيدة محترمة، لبيبة، وقورة نهارا، لتتخذ شكلا وهيأة واسلوبا خلافا للاول.
ولكن ذلك ليس بارادتها ، بل هي تسدد ديونا ورطها بها زوجها قديم، المشلول في زمن سرد الرواية.
من هذه الازدواجية، والتي تتم ببراعة من قبل البطلة يتوارد لنا سؤال، ومعه خوف خفي، كم عدد الناس الذين يرتدون اكثر من وجه واحد ونحن نقدسهم، حسنة معلمة الدين، الناصحة والتقية، هي من تعمل عملا مشبوها، هي اداة بيد شبكة قذرة ولا سبيل لها بالفرار.
وتظهر براعة في التكتيك والتخفي، وعدم جذب الانتباه، تمكنت الروائية الكناوي من رسم خطوط رواية مدهشة، فصول مرقمة دون عناوين، سرد ناضج مكثف لا يسبب ملل للقارئ، هي تعرف كيف تسحب القارئ من محيطه الواقعي لتنسج شبكة تربطنا نحو صفحاتها ونحن نبحث عن اشراقة سعادة او نجاة في حياة حسنة التي كما خرجت من مطب لتقع في الاشرس منه، يشاركها في ذلك عدد من الاشخاص، زوجها، والدتها شريكته في تحطيمها، دلال، كمال، احسان وزوجاته وكل من في القرية والشاب ابن اخته «رضا» الذي فرت معه وتزوجا وابتدات معه حياة جديدة، لتقع تحت غدره ونهايتها التي كانت تتمناها.

الرواية، جعلتني أقف عن غرائبية، تحملها مريم الحقيقة التي تتمكن من معرفة الغيب بطريقة دقيقة وحقيقة للاخرين وتساعدهم في اصلاح حياتهم ومع عجزها التام في ايجاد الحلول لها، هي المراة التي كانت تبيع جسدها لتسدد تلك الديون، من اين لها هذه الكرامة، او ربما المقدرة على فك الازمات واغاثة الملهوف بالقرآن الكريم، لتقع بسبب ذلك في فخ العصابات التي تستغلها لتنفيذ خططهم في السيطرة على المجتمع ونشر الممنوعات وبث الفوضى.. بل السؤال، لماذا تنتشر هذه الممارسات وبالاخص المحاولة لمعرفة الغيب وحل الامور المتعلقة والمشاكل بالشعوذة، بعيدا عن العلم والعدالة والقانون، الا اذا كان كل ذلك غائبا، اذن نحن في الهاوية دون شك.
أنها معالجة اجتماعية، دينية، سياسية، بولسية، تعري العادات التي لا تتفق مع الدين و تجعل منها دستورا حيا، الجراءة في الطرح، يمنحنا الكثير من الشك، هل موضوع الرواية حقيقيا، ام هو نسخ من خيال الراوية، والحق يقال انه لخيال ناضج وخصب.
تتحول حسنة الى إمرأة ثائرة، تتحول الى ذلك بعد طاعة عمياء لمجرد وجود سند لها من انسان واحد فقير، مظلوم، مستضعف ولكنه كان لها امانا وقتيا.. لتعلن مريم نفسها، حسب تجربة حسنة ان الرجال لا امان لهم..
والتساؤل الاخطر، هنا.. هل هناك شبيهات لمريم وكمال في زي حسنة، وزي رحال السياسية اللبقين في الحديث..
تارة اكتب حسنة واخرى اكتب مريم حسب الوجه الذي ظهر لي في جزئية ما وموقفه في الاحداث، هو يشبه التعامل مع شخصية مصابة بالفصام وهذا ليس سهلاً.
ام ان الامور اكثر سوءا مما نظن، ان السرد لا يعد اليا، بل هو حقيقيا، حسب التفاصيل والسرد وتوصيف المكان، هي نقلت وجبات الفطور، والجدران والآثاث وجمال أو رثاثة الملبس وحتى الروائح، لتقول..
انا هنا ببساطة، أكتب بحبر عراقي، وروح عراقية، انبهكم الى ما يدمر نقاء العراق وكيف من الممكن ان يستغل اضعف انسان ليكون اداة طيعة للظالم ويجرنا الى خداع كبير.. يفرقنا، ونخسر..، نخسر الكثير







التعليقات