في الليلة التي قرر فيها الغيب أن يخرج من الكتب، كان محمد كريم الكواز آخر من علم بالأمر. حدث ذلك بلا برق ولا ريح ولا نبوءة؛ انشقّت جملة عربية قديمة من منتصفها، وخرج منها باب صغير، ثم أخذ الباب يكبر ببطء حتى صار أعلى من الغرفة، وكانت وراؤه عتمة لا تشبه عتمة الليل، لأن الليل غياب للنور، أما تلك العتمة فكانت مكتظة بأشياء لم تحصل بعد على أسماء. جلس الكواز أمامها طويلًا. كان يعرف أن بعض الأبواب إذا فُتحت لا يعود المرء منها إلى المعنى نفسه، لكنه كان قد أمضى عمرًا كاملًا تقريبًا في الاقتراب من هذا الباب من غير أن يعرف أنه موجود؛ منذ أن دخل اللغة العربية طالبًا في جامعة بغداد، وحصل على البكالوريوس سنة 1975، ثم الماجستير سنة 1980، حتى بلغ الدكتوراه سنة 1990 بأطروحته عن الأسلوب في الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم، كان يظن في البدايات أنه يدرس الكلام، ولم يخطر له أن الكلام كان، من الجهة الأخرى، يدرسه هو أيضًا. نهض واقترب، فسمع همسًا يأتي من داخل العتمة: لم تكن كلمات، بل أصوات كلمات قبل أن تولد، وكانت بينها كلمة الفصاحة تنظف مرآة قديمة، وكلمة البلاغة تزن الجمل بميزان ذهبي، وكلمة الأسلوب تمشي متخفية بين الآيات كيلا يمسك بها أحد. وفجأة خرجت اللغة نفسها. لم تكن امرأة ولا رجلًا، بل كائنًا مصنوعًا من حروف تتحرك باستمرار؛ كلما حاول أن يرى وجهه تكونت جملة، ثم انهارت الجملة وتكونت أخرى. سألته لماذا أمضى كل تلك السنوات يفكك طرائقها في القول، يبحث في التعقيب والإعجاز والبلاغة والفصاحة، كأنها جسد موضوع فوق طاولة التشريح. أراد أن يجيب، لكنها فتحت فمها، وإذا من فمها تخرج سورة كاملة مثل سرب طيور، ثم قالت له إن مشكلته منذ البداية أنه لم يكن يسأل كيف تعمل اللغة فقط، بل كان يقترب من السؤال الأخطر: ماذا تستطيع اللغة أن تفعل بالعالم؟ هنا بدأت الكتب التي ظنها ساكنة تتحرك. خرج أسلوب التعقيب من رف بعيد كطفل يتبع الجمل ليرى أين تذهب بعد نهاياتها، ووقفت الفصاحة أمامه عجوزًا متكبرة تحمل سجلًا طويلًا للألفاظ التي قبلتها العربية في بلاطها والألفاظ التي أبقتها عند الباب، أما البلاغة والنقد فجلسا متخاصمين حول مائدة واحدة، كل منهما يدعي أنه يعرف سر الآخر. لم تكن هذه المؤلفات في تلك اللحظة عناوين من سيرة باحث، بل محطات في رحلة رجل بدأ يشك مبكرًا في أن الكلام لا يصف الأشياء فحسب؛ إنه يرتبها، يمنح بعضها الضوء ويدفع بعضها إلى الظلام، يجعل شيئًا قريبًا وآخر بعيدًا، يبني للمرئي حدودًا، ثم يفتح وراء تلك الحدود فضاءً لما لا يرى. ومن هنا تحديدًا بدأ الخطر. فالباحث الذي يسأل كيف صيغت العبارة يستطيع أن يعود إلى بيته مطمئنًا، أما الذي يسأل كيف تصنع العبارة عالمًا فقد وضع قدمه بالفعل في أرض لا خرائط لها. مد الكواز يده نحو الباب، وما إن عبره حتى انغلق خلفه. لم يجد مكتبة في الجهة الأخرى، بل وجد صحراء شاسعة، وفي وسطها شجرة تحمل بدل الثمار عيونًا مغلقة. فتحَت إحدى العيون نفسها وقالت: تأخرت كثيرًا. ثم فتحت بقية العيون دفعة واحدة. كان ذلك أول ظهور للغيب.

المملكة التي كان يحرسها أسد من ورق
كان الغيب هناك أكبر مما تسمح به الكتب. لم يكن سماء بعيدة ولا سرًا لاهوتيًا معلقًا فوق العالم، بل قارة كاملة بنتها مخيلات أجيال متعاقبة؛ جبالها من روايات، وآبارها من أخبار، وطرقاتها من قصص عبرها البشر آلاف المرات حتى نسوا من شقها أول مرة. سار محمد كريم الكواز فيها فرأى أسدًا هائلًا جالسًا أمام عرش، لكن الأسد كان مصنوعًا من الورق، وكل شعرة في لبدته سطر من كتاب قديم، وعلى العرش جلس ملك لا يظهر منه سوى تاجه. وحين اقترب، نهض الأسد فاهتزت المملكة، ثم خلع الملك تاجه ووضعه على رأس الأسد، فصار الحيوان ملكًا، بينما نزل الملك إلى الأرض ومشى على أربع. عندها عرف الكواز أنه دخل المنطقة التي ستصبح يومًا الملك والأسد في النقد الثقافي، لكنه أدرك أيضًا أن الأسد لم يكن ينتظره ليُفسر، بل ليطرح عليه سؤالًا: من الذي صنع الآخر، القوة أم صورتها؟ كان السؤال مدخلًا إلى انقلاب كامل في نظرته إلى التراث. فالأسطورة لم تعد عنده بقايا عقل طفولي تجاوزته المعرفة، ولم تعد العجائب نفايات ينبغي للمؤرخ أن يزيحها كي يصل إلى الحقيقة النظيفة، بل أصبحت وثائق عن الطريقة التي كان الإنسان يبني بها عالمه حين لا تكفي الأشياء المرئية للإجابة عن خوفه. كل أسطورة إذن بيت بناه الخوف والرغبة والذاكرة معًا، وكل كائن عجيب أثر قدم تركه بشر حقيقيون في أرض الخيال. وبينما كان يفكر في ذلك، تشقق تراب المملكة وخرج آدم. لم يخرج من قبر، بل من مرآة؛ كان كلما خطا خطوة تشظت المرآة خلفه إلى صور متعددة: آدم النبي، آدم الأب، آدم الخاطئ، آدم العارف، آدم المطرود، آدم الذي يحمل حنين البشرية إلى بداية لا يستطيع أحد الرجوع إليها. حمل الرجل إحدى الشظايا وأعطاها للكواز، فرأى فيها وجهه للحظة، ثم اختفى الوجه وظهر عنوان الحفر في الذات: مقاطع من أسطورة آدم. هنا أصبح الحفر أكثر من استعارة. فما الذي نبحث عنه حين نفتش في قصة الإنسان الأول؟ هل نبحث عن آدم، أم عن أنفسنا ونحن نخترع آدم الذي نحتاج إليه؟ وهل الأصل واقعة بعيدة، أم مرآة تستخدمها الجماعة لتشرح لنفسها لماذا هي هنا؟ ترك الكواز المرآة وسار، فوجد مدينة أخرى أبوابها قصص الأنبياء. كانت القصص تمشي في الأسواق، تتبادل الملابس، تدخل من ثقافة وتخرج من أخرى، تتغير أسماؤها وتفاصيلها، لكنها تحتفظ في داخلها بعظام سردية شديدة القدم. هنا تحولت مملكة الباري، ومن أساطير الأولين إلى قصص الأنبياء، والمبتدأ لوهب بن منبه، وعجائب الملكوت للكسائي إلى أجزاء من سؤال واحد لا إلى رف من المؤلفات: كيف تتحرك القصة المقدسة عبر التاريخ؟ ومن أين تأتي التفاصيل التي تنمو حول النواة الأولى حتى يصبح حولها عالم كامل من الصور والأحداث والكائنات؟ وفي ساحة المدينة جلس وهب بن منبه أمام أكوام من الأوراق، وكلما تناول ورقة تبدلت الكتابة عليها. كانت القصص تسافر أسرع من أصحابها، وتعبر اللغات والذاكرات، وتدخل إلى مجتمعات جديدة فتلبس أثوابها. ولم يكن الكواز يريد القبض على الأسطورة متلبسة كي يدينها، بل كان مهتمًا بشيء أكثر دقة: اللحظة التي تنتقل فيها الحكاية من كونها قصة إلى كونها جزءًا من نظام رؤية العالم. اقترب منه الكسائي وأعطاه خريطة لعجائب الملكوت، لكنه حين فتحها لم يجد عليها أماكن، بل وجد ملائكة وسماوات ومخلوقات وحدودًا بين المرئي والمستور. رفع رأسه ليسأل عن الطريق، فوجد المدينة كلها قد اختفت. لم يبق إلا الأسد الورقي. كان يحترق ببطء، لكن الكلمات المكتوبة على جسده لا تحترق؛ كانت تطير من النار وتتحول إلى طيور سوداء. تبعها الكواز، لأنها كانت تتجه إلى المكان الذي قضى الجزء الأكثر جرأة من مشروعه الفكري في الاقتراب منه: المصنع الذي لا ينتج الأساطير فحسب، بل ينتج الخرائط التي يتخيل بها البشر ما لا يستطيعون رؤيته.

يوم استدعت محكمة الغيب محمد كريم الكواز
كانت المحكمة في السماء السابعة، لكنها لم تكن سماء بالمعنى الذي يعرفه البشر؛ كانت قاعة واسعة معلقة بين روايتين، سقفها مصنوعًا من الاحتمالات وأرضها من اليقين. عند الباب وقف حارس بلا وجه وسأل محمد كريم الكواز عن مهنته. قال: باحث. فضحك الحارس حتى تساقطت من فمه أحاديث وحكايات وأخبار قديمة، وقال إن الباحثين هم أخطر الزائرين، لأن المؤمن يدخل الغيب مصدقًا، والمنكر يقف خارجه رافضًا، أما الباحث فيأتي بمصباح ويريد معرفة من رسم الأبواب. دخل الكواز، فوجد المتخيل في قفص الاتهام، والغيب جالسًا بين الجمهور، بينما كانت المؤسسة الدينية ترتدي ثوب القاضي. على الطاولات انتشرت ملفات تحمل أسماء مألوفة: المتخيل المقدس، تقديس المتخيل، تخوم الغيب، التمثيل القرآني للغيب، النبي ودجال. لم تعد تلك عناوين كتب، بل أدلة في قضية هائلة عنوانها: من يملك حق رسم العالم الذي لا نراه؟ رفعت المؤسسة مطرقتها وسألت المتخيل لماذا ينتحل صفة الحقيقة، فوقف المتخيل وقال إنه لم يفعل ذلك قط؛ البشر هم الذين ينسون أنهم صنعوا الصور. ساد الصمت. عندها فهم الكواز جوهر المسألة التي كان يقترب منها عبر سنوات البحث: ثمة مسافة دقيقة وحاسمة بين الغيب وتمثيل الغيب، بين المقدس والصور التاريخية التي ينتجها البشر للمقدس، بين النص المؤسس والتراكم السردي الذي يلتف حوله حتى يصبح الفصل بين الأصل والامتداد عملًا يحتاج إلى حفريات معرفية كاملة. لم يكن السؤال إن كان الغيب موجودًا أو غير موجود؛ ذلك سؤال آخر. السؤال الثقافي هو: ماذا يفعل الإنسان حين يؤمن بوجود ما لا يراه؟ إنه يبدأ بالرسم. يرسم بالكلمات. يمنح المجهول هيئة، والمسافة جغرافيا، والنهاية سيناريو، والشر وجهًا، والخير أجنحة، ثم تأتي الأجيال التالية فترث الرسوم من دون أن ترى اليد التي رسمتها. وبمرور الزمن قد يصبح تاريخ الصورة جزءًا من موضوع الصورة نفسه. هنا تكمن حساسية مشروع الكواز وأصالته؛ لأنه يذهب إلى منطقة يسهل فيها أن يسيء الطرفان فهم الباحث: من يريد التصديق وحده قد يظن تحليل الصورة مساسًا بالأصل، ومن يريد النفي وحده قد يتعامل مع المتخيل بوصفه دليلًا جاهزًا على بطلان الاعتقاد، بينما المنطقة الأخصب معرفيًا تقع بين الاثنين، حيث يمكن دراسة المخيلة الدينية باعتبارها حقيقة ثقافية مستقلة عن إصدار حكم ميتافيزيقي على موضوعها. وفجأة فُتح باب المحكمة ودخل الدجال. كان أقصر مما رسمته المخيلات وأطول من أن يحتويه كتاب واحد، وكلما نظر إليه أحد تغير وجهه وفق الرواية التي يعرفها. تقدم إلى القاضي وقال إنه يريد مقاضاة الرواة لأنهم أعطوه من الوجوه أكثر مما يستطيع حمله. تحرك كتاب النبي ودجال من تلقاء نفسه، ووقف في المنتصف، وعندها ظهرت المسألة في صورتها العارية: الشخصيات الأخروية لا تعيش في النصوص فقط، بل في التاريخ الذي يعيد سردها، وفي المواقف الأيديولوجية التي تنتقي بعض ملامحها وتضخمها وتمنحها وظيفة. ثم انفتحت نوافذ المحكمة، ودخلت آلاف الكائنات من تخوم الغيب: صور للجنة والنار، علامات ونبوءات، ملائكة وجن وعجائب وأهوال، وكل واحد منها يحمل بطاقة كتب عليها تاريخ مختلف. لم يكن المشهد كرنفالًا للخرافة، بل أرشيفًا للإنسان. فالمخيلة، حين تخاف، لا تكتب اعترافاتها مباشرة؛ تصنع وحوشًا. وحين تأمل، لا تكتب دائمًا فلسفة؛ تبني فردوسًا. وحين تعجز عن فهم الشر، تمنحه جسدًا واسمًا. وحين تخشى المستقبل، ترسم له علامات كي توهم نفسها بأنها لن تفاجأ به. بذلك يصبح تاريخ الغيب في الثقافة، من زاوية معينة، تاريخًا سريًا للمخاوف والرغبات البشرية. وهنا نهض الغيب نفسه من مقعده. لم يقل شيئًا. سار إلى القفص وفتح بابه وأخرج المتخيل، ثم وقف الاثنان جنبًا إلى جنب. كانا متشابهين من بعيد، لكنهما مختلفان تمامًا حين يقترب المرء. أشار الغيب إلى نفسه، ثم إلى المتخيل، ثم إلى البشر. وفهم الكواز الرسالة: المشكلة تبدأ حين تمحى المسافات. عندها سقطت مطرقة المحكمة، وتحولت المؤسسة إلى مكتبة، وتحول القاضي إلى قارئ، وصار المتهم كتابًا مفتوحًا. أما الدجال فخرج من الباب وهو يضحك، وحين سأله الحارس إلى أين يذهب قال إنه ذاهب إلى المستقبل، لأن البشر لم ينتهوا بعد من اختراع ملامحه.

حين اكتشف الحفّار أن الأرض كانت تحفره
خرج محمد كريم الكواز من المحكمة فوجد نفسه أمام بئر لا يرى قاعها. كانت سنواته الأكاديمية معلقة على جدرانها مثل درجات سلم: بغداد، التعليم، ثم ليبيا، أستاذًا مساعدًا في جامعة السابع من أبريل سنة 1996، فأستاذًا مشاركًا في الجامعة الأسمرية للعلوم الإسلامية سنة 2002، ثم أستاذًا سنة 2007؛ لكن الدرجات لم تكن تصعد إلى أعلى، بل تنزل إلى الأسفل. أدرك أن سيرته كلها ربما كانت حركة نزول لا صعود: من سطح اللغة إلى بنيتها، ومن البلاغة إلى الثقافة، ومن الثقافة إلى الأسطورة، ومن الأسطورة إلى المتخيل، ومن المتخيل إلى الغيب، ومن الغيب أخيرًا إلى الإنسان. بدأ ينزل. عند الدرجة الأولى كان الجواهري ينتظره على حافة هاوية، يحمل شعرية المفارقة كأنها سكين ذات حدين، فالشاعر الذي يرفع اللغة إلى أقصى قدرتها على المجد يستطيع باللغة نفسها أن يرى سقوط العالم. وفي الدرجة التالية كان الأدب العربي يحتج على السجون التي صنعتها له نظرية الأجناس، لأن القصيدة تريد أحيانًا أن تصبح حكاية، والحكاية تحمل في داخلها إيقاع القصيدة، والنصوص أقدم من الحدود التي يرسمها النقاد حولها. ثم ظهر سليمان والنبطي، ومن خلفهما إبليس يطالب بإعادة النظر في هزيمته. ضحك الكواز عندما رأى عنوان العراقي الذي غلب إبليس يتحول إلى مشهد حي، لكنه أدرك أن التاريخ الثقافي لا يهتم بمن انتصر فعلًا بقدر اهتمامه بالسؤال عن الكيفية التي صنعت بها الذاكرة انتصارًا يمكن روايته. وهنا، في عمق البئر، اتضحت وحدة المشروع كله على نحو لم يكن ظاهرًا على سطح قائمة المؤلفات. ما يبدو انتقالًا من الإعجاز البلاغي إلى الأسطورة، ومن النقد إلى قصص الأنبياء، ومن الجواهري إلى الدجال، ومن آدم إلى الغيب، لم يكن تنقلًا بين موضوعات متباعدة، بل دورانًا طويلًا حول لغز واحد: كيف يتحول الكلام إلى عالم؟ البلاغة هي اللحظة التي تتعلم فيها اللغة أن تكون أكثر من قاموس، والأسطورة هي اللحظة التي تتحول فيها الصورة إلى ذاكرة، والمتخيل هو المساحة التي تمنح فيها الجماعة الصور قدرة على تنظيم رؤيتها، والمؤسسة هي القوة التي ترتب تلك الصور وتحدد مراتبها، أما الغيب فهو الحد الذي تصل إليه اللغة ثم تكتشف أنها مطالبة بالكلام عما يتجاوز قدرتها على المشاهدة. عند تلك النقطة صار محمد كريم الكواز أقرب إلى حفّار ثقافي منه إلى باحث في موضوع واحد؛ رجل بدأ يسأل عن سر العبارة فانتهى أمام السر الذي يجعل البشر محتاجين أصلًا إلى العبارة. كان كل متر ينزل فيه إلى البئر يعيده إلى سؤال أكثر بساطة وأشد رعبًا. لماذا نروي؟ لماذا لا يستطيع الإنسان أن يترك المجهول مجهولًا؟ لماذا إذا واجه فراغًا ملأه بقصة؟ ربما لأن القصة هي الطريقة التي يدافع بها العقل عن نفسه أمام كون أكبر منه. نحن نروي الموت لأن الصمت أمامه لا يحتمل، ونروي البداية لأن فكرة أن نأتي من مكان لا نعرفه تجرح غرور الذاكرة، ونروي النهاية لأن المستقبل المفتوح بلا علامات أشد رعبًا من نهاية مخيفة نعرف تفاصيلها. وإذا صح ذلك، فإن الأساطير التي قضى الكواز سنوات يحفر فيها ليست طفولة العقل كما قيل طويلًا، بل ربما تكون ندوب العقل؛ المواضع التي جرحه فيها الوجود فغطاها بالحكاية.
وصل إلى قاع البئر أخيرًا، لكنه لم يجد ماءً ولا كنزًا. وجد غرفة صغيرة. وكانت الغرفة هي نفسها التي بدأت فيها الحكاية. الطاولة في مكانها، والنظارة إلى جانب الكتاب، والباب الذي خرج منه الغيب قد اختفى. جلس محمد كريم الكواز وأدرك أنه دار دورة كاملة كي يعود إلى المكان الذي بدأ منه، لكن شيئًا واحدًا تغير: الكتاب الذي تركه مغلقًا كان مفتوحًا. اقترب منه، فوجد الصفحات خالية إلا من سؤال في الصفحة الأخيرة: حين تدرس مخيلة أمة، من يضمن أنك تقف خارجها؟ بقي طويلًا أمام السؤال. هنا كان الفخ الأخير، وربما أجمل ما يمكن أن تنتهي إليه مغامرة من هذا النوع؛ فالباحث الذي يحفر في طبقات الثقافة يستخدم معولًا صنعته الثقافة نفسها، ويطرح أسئلة بلغتها، وينظر بعينين تعلمتا الرؤية داخل تاريخها. ليس ثمة حفّار بريء تمامًا من الأرض التي يحفر فيها. وكلما تقدم الإنسان في معرفة المتخيل الذي صنع الآخرين، اقترب من اكتشاف المتخيل الذي صنعه هو. عندئذ تحركت المرآة التي تركها آدم في بداية الرحلة. لم يظهر فيها وجه محمد كريم الكواز، بل ظهرت كتبه واحدًا بعد آخر: الأسلوب، الفصاحة، البلاغة، الملك والأسد، مملكة الباري، أساطير الأولين، آدم، وهب بن منبه، المتخيل المقدس، الدجال، تخوم الغيب، عجائب الملكوت. ثم أخذت العناوين تتلاشى حتى بقيت كلمات قليلة: اللغة، القصة، المقدس، الخوف، الإنسان. اختفت اللغة. اختفت القصة. اختفى المقدس. اختفى الخوف. وبقي الإنسان وحده في المرآة.

عند الفجر عادت الأشياء إلى نظامها المعتاد. لم يعد هناك أسد ورقي يحرس مملكة، ولا آدم يحمل مرآته، ولا دجال يشكو من كثرة الوجوه التي منحه إياها الرواة، ولا وهب بن منبه يقلب أوراق البدايات، ولا كسائي يفتح أبواب الملكوت، ولا مؤسسة تجلس على منصة القضاء. بقي رجل أمام مكتبة. مشهد عادي إلى درجة أن أحدًا لو رآه لما توقف عنده. لكن الكتب كانت تعرف ما حدث. كانت ساكنة بطريقة مريبة، كما يسكن الشهود حين يتفقون على إخفاء جريمة. مد محمد كريم الكواز يده إلى أحدها، فتراجعت الكتب الأخرى قليلًا. ظن أن عينيه تخدعانه. مد يده ثانية، فسمع الطرق الذي بدأ به كل شيء. ثلاث طرقات خفيفة جاءت من آخر الجملة التي كان يقرؤها. هذه المرة لم يذهب إلى الباب، لأنه عرف أنه لا يوجد باب أصلًا. وضع إصبعه على الكلمة الأخيرة، فانشقت الصفحة ببطء، وظهرت وراءها العتمة القديمة نفسها. كانت الشجرة هناك، والعيون معلقة على أغصانها، والأسد عاد إلى عرشه، وآدم ينتظر عند المرآة، والدجال يطل من نافذة المحكمة، وإبليس يلوح من بعيد، والغيب واقف في آخر الطريق. لكن أحدًا منهم لم يدعه إلى الدخول. كانوا جميعًا ينظرون إليه كما لو كانوا ينتظرون جوابًا. عندها فقط فهم محمد كريم الكواز السؤال الذي قضى عمره كله يقترب منه: لم تكن القضية كيف استطاع الإنسان أن يتخيل الغيب، بل كيف استطاع ما تخيله عن الغيب أن يعود، بعد قرون، ليعيد تشكيل الإنسان نفسه. وما إن اكتملت الفكرة حتى انغلق الباب، وعادت الصفحة صفحة، وعادت الكلمة كلمة، وسكت كل شيء. كل شيء تقريبًا. لأن من يصغي جيدًا إلى كتب محمد كريم الكواز بعد منتصف الليل قد يسمع، من مكان عميق بين البلاغة والأسطورة، وبين المقدس والمتخيل، ذلك الطرق الخافت نفسه. وليس من الحكمة أن يفتح الباب كل من يسمعه. إنها حكاية الرجل الذي دخل اللغة باحثًا عن البلاغة فوجد مملكة كاملة مختبئة وراء الكلمات.








التعليقات