انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

(زَخيخة) القرية - القصيدة

د. عبد المطلب محمود
د. عبد المطلب محمود

شاعر وناقد واكاديمي عراقي

4 دقائق للقراءة
19 مشاهدة
(زَخيخة) القرية - القصيدة
مشاركة:

أيام عملي في مجلة (ألف باء) قبيل انتصاف العقد السابع من القرن الفائت، وكنتُ طالباً في قسم اللغة العربية في كلية آداب الجامعة المستنصرية، كتبتُ تحقيقاً عن مدن وقرى عدة، برغبة من المبدعة الراقية، الزميلة السيدة (هاديا حيدر/ كستي)، اللبنانية رئيسة قسم التحقيقات في المجلة، للتعرّف أكثر على مناطق طالما كانت تسمعها ترد على لسان عمّتها - والدة زوجها الشاعر والزميل جليل حيدر - عبر أمثال شعبية أو عبارات مما نتداول، وهي "الجديدة" في حياتها العراقية.

وكانت قرى قضاء هيت؛ واحدة من تلك التي رغبت السيدة هاديا التعرّف عليها، حتى إذا ذهبت لتنفيذ ذلك "الواجب" الصحفي، قدّمتُ له عند كتابته بعبارة طالما رددها علينا أستاذ مادة الفلسفة الرائع (مدني صالح) - ابن هيت العاشق لها - بأن مَن أراد أن يعاين الجنة عليه زيارة قرى هيت، لأنها هي الجنة المذكورة في كتاب الله (القرآن الكريم). فإذ نُشر التحقيق الصحفي، في عدد المجلة صباح أربعاء ذلك الشهر كالمعتاد؛ أخبر زملائي في الصف الدراسي صباح الخميس، موعد درسه الأسبوعي، عما قرأه لي - معجباً - عن هيت وقراها، وقال لهم : "سأعفي زميلكم من أداء الامتحان الشهري/ الفصلي لأنه كتب تحقيقاً أهم عندي من مادة الامتحان".. وقد فعل رحمه الله.

لكنّ صديقي وزميل عملي الصحفي؛ أستاذ الفلسفة الدكتور طه جزاع، ابن هيت وعاشقها الآخر؛ فاجأني وأصدقاء كُثر بكتابه قليل الصفحات (٨٥ صفحة)، وكثير الجمال والشاعرية المتألقة والمتعالقة بآراء فيلسوفَين مهمَّين، عالجا موضوعة (جماليات المكان)، هما جاستون باشلار وإدغار موران، عن قرية أجداده (زَخيخة) المندثرة - الحاضرة في القلب، التي كانت تقع في الطرف الشمالي لهيت باتجاه ناحية البغدادي، إذ تبيّن لي شخصياً أن الصديق طه جزاع بدا شاعراً أكثر منه أستاذ فلسفة وصحفياً، وكتب عن (زَخيخة) أجداده هذه بروحه لا بقلبه، ووظّف أفكار الفيلسوفَين توظيفاً مشحوناً بطاقات شعرية، حتى - لأقل صدقاً - إنني فهمت أكثر ما قرأته يوماً من كتاب باشلار (جماليات المكان) الذي صدر بترجمة الروائي الأردني غالب هلسا، ضمن مشروع مجلة (الأقلام) عام ١٩٨٠ في العراق، قبل أن يُعاد نشره في بلدان أخرى.

(زَخيخة) القرية - القصيدة

(زَخيخة) طه جزاع - مع حفظ الألقاب والكُنى - واحد من نصوص الشعر المدهشة، التي انسابت فيها الشِّعرية بعذوبة حتى لكأن الصديق (أبو ياسين) بدا غير الذي عرفتُ وزاملتُ طوال عقود، وقد قرَن "الخيال وذاكرة المكان/ تطبيق لجماليات جاستون باشلار"، كما كتب على غلاف الكتاب، بما علق في ذهنه الطفل فالصبيّ فأستاذ الفلسفة فالصحفي، من عشق لتلك القرية الصغيرة صديقة الفرات، ومن حميمية لا تغادر إنساناً - ولن تتركه - لأنه سيبدو عارياً بدونها.

ذلك إن "المكان الأول - مثلما كتب في فقرة الكتاب الأخيرة - لا يختفي حين نغادره، بل يواصل العيش فينا على هيئة أسئلة. كل طريق نسلكه لاحقًا يحمل شيئاً من طرُقه الأولى [...], وربما لهذا السبب لا نكتب عن الأمكنة لنحفظها من النسيان، بل لنفهم ما الذي تركته فينا من أثر لا يزول" (ص٧٥)، وكان دعانا في مفتتح الكتاب  ليعود كل منا إلى مكانه الأول،" إلى البيت الذي بدأت فيه الحكاية"، لنكتب عن طفولاتنا وذكرياتنا، وعن" جماليات المكان التي تبقى راسخة في الروح... ".

أعود فأكتب؛ إن (رَخيخة) صارت قصيدة، وإن الكتابة عنها من زاوية الفلسفة، كما فعل العزيز طه، أضاء هذه الزاوية بأنوار عشق لا لقرية اندثرت، بل لقرية ما تزال مشرقة الحضور، مضيئة في القلب قبل فضاء المكان؛ أضيّقاً كان أم واسعاً على خرائط الجغرافيا الصمّاء.

لقد فعلت (زَخيخة) ما لم تفعله كتب كثيرة.. ولاسيما "فكّ" عقدتي من "ثقالة" الكتابات التي تدخل في ميدان الفلسفة.. إذ منحتني فيه حقاً درساً تطبيقياً رائعاً في تحويلها إلى صديقة للشعر، كما يريده وتريده منه.

فمن الشعر فيه: "في زخيخة تعلمتُ، من غير معلّم، الفرق بين المكان المألوف والمكان المخيف، بين الداخل والخارج، بين ما يحمينا وما يعرّضنا للذهشة..." (ص١٣)، ومنه أيضاً: "بعض الأمكنة لا تطلب منا البقاء، بل تطلب  فقط أن تترك أثرها. وهذا الأثر هو ما يبقى، لا المكان نفسه" (ص٢٥)، ومنه كذلك:" صار بيت الجد بيتاً خيالياً، مكاناً نقيّاً لا يشيخ، ولا يتصدّع، ولا تغمره المياه. إنه قائم الآن في الداخل فقط، لكنه قائم بقوة" (ص٣٩).

وأقرأ مما عددته من الشعر عن نهر الفرات:" في الطفولة؛ يبدو النهر قريباً ومهيباً في آنٍ واحد. [...] النهر لا يدعوك للدخول الكامل، بل يعلمك َمعنى المسافة؛ مسافة بين الرغبة والخطر، بين الفضول والخشية(ص٤٩)،

ويوم حفر لجناحَيْ قطاته التي أكلها الصقر، قبراً تحت نخلةٍ وزرع فوقه نبتة صغيرة، يخبرنا أن تلك النبتة وذلك الموضع: "كانا أول قبر في ذاكرتي، [...] هناك تعلمت أن المكان لا يحفظ خطواتنا فقط، بل يحفظ دموعنا أيضاً" (ص٦٨).

مشاركة:

آخر تحديث: ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الدلالات الإيروسية و البرزخ الحواري 

في رواية ( دودة قبر سياسي ) لأحمد إبراهيم السعد
قراءات

الدلالات الإيروسية و البرزخ الحواري  في رواية ( دودة قبر سياسي ) لأحمد إبراهيم السعد

لقد فهمت فكرة الإحالة السردية في لغة سرديات ، بوصفها نوعا من الشفافية المضمرة ، لذا فاللغة كنافذة يمكن من خلالها إدراك الواقع الموجود في (الماقبل ــ المابعد)و توجد إلى جوار هذا ثمة مناطق تعرضت إلى تحديد المعنى ضمن علاقات و أفكار مفترضة في سيرورة المنطوق السردي ، كحالات سرد المعطى اللغوي ضمن مماثلات…

· 6 د
محمد كريم الكواز في الليلة التي تمرّد فيها الغيب على رواته
قراءات

محمد كريم الكواز في الليلة التي تمرّد فيها الغيب على رواته

في الليلة التي قرر فيها الغيب أن يخرج من الكتب، كان محمد كريم الكواز آخر من علم بالأمر. حدث ذلك بلا برق ولا ريح ولا نبوءة؛ انشقّت جملة عربية قديمة من منتصفها، وخرج منها باب صغير، ثم أخذ الباب يكبر ببطء حتى صار أعلى من الغرفة، وكانت وراؤه عتمة لا تشبه عتمة الليل، لأن الليل غياب للنور، أما تلك العتمة…

· 14 د
الصدمة العراقية .. من سقوط الرمز إلى حروب الذاكرة
قراءات

الصدمة العراقية .. من سقوط الرمز إلى حروب الذاكرة

الصدمة العراقية .. من سقوط الرمز إلى حروب الذاكرة عن دار ومكتبة عدنان، صدر كتاب "مجتمع الصدمة: من سقوط الرمز إلى حروب الذاكرة"، للباحث الاجتماعي العراقي الدكتور شاكر شاهين. يتتبع الكتاب مفهوم الصدمة الثقافية في تاريخ العراق الحديث، وتحديداً لحظة سقوط النظام وتأثيراتها النفسية والجمعية على المجتمع…

· 4 د