الشارع هو المسار العامّ المكشوف، وهو ليس مُجرّد طريق تحتدم فيه أوجه الحياة النابضة والمشحونة بحركة النّاس وسِجّلاتهم المتروكة على الأرصفة والأزقة المُشبعة بالحكايات، بقدر ما تحَوّل إلى خلفيّة لتمظهرات المدينة وتكوينها الاجتماعي المُعقّد، الشيء الذي يعكس هُويّة المكان ليغدو جزءا من ثقافة مجتمع بأسره.
ولعلّ المجموعة القصصية "شوارع" للكاتبة التونسية نورة عبيد، الصادرة عن دار زينب للنشر والتوزيع 2024 ، والتي تضمّ بين دفّتيها عشرون قصة قصيرة، هي بمثابة استعراض لتناقضات المجتمع والخوض فيها من خلال تقاطع الواقعي والمتخيل وخلق مساحة لفهم الذات والوجود.
كما يسبغ على الكتاب القصصي سمة التجريب الذي لا يقوم على هدم البنية التقليدية للسرد، بقدر ما يشتغل على إعادة تشكيلها من الداخل، عبر توظيف المكان من حيث كونه صلة الوصل الاولى مع القارئ، لشدّ انتباهه، من خلال التفاصيل والمشاهد ذات الطابع البصري، والايحاء بواقعيته، ومن ثمّ الكشف عن الشخوص الأحداث والتداعيات، التي تتوالد عبر الأمكنة.
هذا إضافة إلى الإشارات المؤديّة الى بؤرة المعنى في نصّ مأخوذ بأسئلة الحياة وهشاشة الانسان، بما يتناسب مع عنصر المكان الذي يُعبّر عن البيئة من الناحية الجغرافية، والعالم المحيط بالذات الانسانية، بدءا بـ"شارع الحب" وصولا إلى "شارع الغابات". ليتضّح لنا انّ "الشارع" هي الكلمة المركزيّة التي يُنبني عليها السرد، وهي حاملة لفكرته ودلالاته، عبر اعادة صياغة المفاهيم والقيم والبحث عن المعنى، بوصفه شفرة مفتوحة على تأويلات متعدّدة، وبحياكة نسيجٍ قصصيّ سلس ومشوّق، تصوّره صاحبة "حكايات توتو" وفق صيغ جديدة، كمقاربة للتجربة الحياتيّة ومساءلة للواقع، ما حمّل النصوص
قيمة إبداعية وجماليّة شكلا ومضمونا، في قالب فنيّ فريد ،يفتح الحواسّ على ايقاع السرد القصصي المُفعّل للمعيش اليومي، وأيضا في تحويل الطابع الحركيّ للشارع إلى مادّة قصّ مترابطة ارتباطا وثيقا بشتّى تشكيلاته المعقّدة والبسيطة، بيد أنها ليست بالضرورة نفس الشوارع، أو بالأحرى أمكنة الحياة العادية، بل تنطلق منها وتقوم بانشاء عوالم تمرّر من خلالها رؤيتها الخاصة، وتطرح قضايا انسانيّة متعدّدة، بما تدّخره من لغة مؤثرة وذاكرة مساعدة، ومن ثمّ بناء تجربة فنيّة متكاملة توسّع ادراك المتلقي.

ويمكن رصد ذلك من خلال هذا المشهد : " وفي شارع فلسطين، رافقنا أريج فلسطين وشذاها وعبيرها الدائم وصداها. فأوشكنا على قيادة مسيرة صامتة إلى شارع الحريّة، نطالب فيها العالم بقسمة ضيزي في التّمتّع برائحة فلسطين " ص (23)
وإذا ألقينا نظرة عامّة على المنجز القصصي، يتضّح انّ الكتابة لدى نورة عبيد ليست ترفا بل هي فعل وجود من خلال ما تستحضره من وقائع وحيواتٍ تعيد تشكيلها بجرأة، بغضّ النظر عن المضامين والثيمات التي تكشف عنها، من خلال السّياق الصّادم الذي تتبناه لاستفزاز المتلقي وتحقيق تفاعل حيويّ. إذ لا تكتفي بانتاج تمثّلات للشارع التونسي واستعتراض لتناقضاته، بل تستدعي "الكوميديا السّوداء" داخل النصّ بممكناتها وإكاراهاتها، لتدمج بين الفكاهة والسخريّة دون أن تنأى عن المواضيع الجادّة ( الطفولة، المرأة، الحب، الفقد، الأحداث الوطنية...الخ) وهو ما يظهر في المشهد الآتي :
" وفي نهج السعادة أيضا الناس لا ينامون. يخرسون في القيلولة فقط. كلّهم يخافون الشمس. فينسحبون من النهج وتنسحب أيضا أصواتهم من أفواههم. لكن إذ غابات الشمس ودائما تغيب يخرجون أفواجا أفواجا. كبارا و صغارا وشبابا. نساءً ورجالا. اولادا وبناتا. تسبقهم أصواتهم إلى عتبات المنازل حيث يجثم الكبار. بينما يتحوّل النهج إلى حلبة للمارّين وللعابرين...البشر الراكبين الدراجات الهوائية والتاريخ والسيارات والشاحنات...يمرون تحت سياط منّبهات الطريق ...فينطلق الجالسون على حافتي النهج، في قرف " يزيد من التفكير" ويغوص النهج في هرج ومرج لا يكاد يهدأ حتى ساعة متأخرة من الليل. " ص(34)
إن استراتيجية الكتابة السردية في هذا المنجز تقوم على الروابط الخفيّة بين الأمكنة، والارتحال من قصة الى أخرى وصولا إلى العالم الحكائي المنشود، عبر الأفعال والحوارات والتداعيات النفسية التي تُلقي بظلالها على المعمار القصصي ككلّ، فضلا عمّا يعتريها من كشوفات لواقع متشظّ ومحكومٍ بالعطب. ثم تسترجع دور السرد الدّال على ما هو جوهريّ في الحياة اليومية من منظورها الخاصّ، مثل قولها في قصة " نهج الدباغين" :
" تعود لنهج الدباغين كما تعود العصافير لأعشاشها. في العاصمة شوارع مجيدة وأنهج عتيقة وأبواب تليدة كنهج الدباغين ونهج إنجلترا وباب الخضراء وباب سعدون. وأسواق لأغراض مستعملة كأسواق الكتب. كانت إذا تدحرجت من جامعة 9 افريل تاركة خلفها درسا تطبيقيًّا ثقيلا لاستاذ يلوك المعارف، تجوب الشوارع تلك الشوارع. لتتقصّى العناوين وقلبها مطمئن لجيبها لأن الكتب مهما غلت رخيصةً مقارنةً بوجودها على رفوف المكتبات التجاريّة...ص43
الخاتمة :
إنّ أهمية هذا الكتاب القصصي تتمثّل في كونه يُشكّل تجربة انسانيّة، تكشف الواقع عبر وعي القاصّة ووجدانها، من خلال تلك المقدرة في تحويل العابر الى دالٍّ، والهامشيّ إلى مركزيٍّ، عبر لغة تتراوح بين التكثيف والانسياب. وكأنّها تعيد التذكير بما ذهب إليه هرمان هسّه في قوله " إنّ الطريق إلى الداخل هو الطريق إلى الخارج" فيغدو الشارع كفضاءٕ خارجيّ يعكس اضطرابا داخليّا، وامتدادًا فكريًّا وثقافيًّا، لذوات تبحث عن المعنى في تفاصيل الحياة اليوميّة على اختلاف أشكالها
ودرجات تأثيرها، فتتحرّك في مدارها حكايات مرادفة للأسئلة الكبرى المتعلقة بالهُويّة والانتماء والقلق الوجوديّ.







التعليقات