فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، الصادرة بعنوان «مكتبة رقيب الكتب»، بجائزة «إنسايد الأدبية» الأميركية لعام 2026. وقد اختارها نحو مئتي قارئ من نزلاء السجون الأميركية، بعدما قرؤوا الكتب المرشحة وناقشوها وصوّتوا لها. غير أن معظم التغطيات العربية المنشورة إلى الآن تقدم الحدث باعتباره فوزًا ساحقًا وفرديًا لبثينة العيسى، بينما تراجع اسما المترجمتين رانيا عبد الرحمن وسواد حسين إلى سطر ثانوي، مع أن لجنة التحكيم لم تقرأ الرواية العربية، وإنما قرأت العمل الذي أعادت المترجمتان خلقه وبناءه باللغة الإنجليزية.
يظهر هذا الخلل أيضًا في الكلمة التي ألقتها بثينة العيسى في حفل الجائزة. فقد شكرت فريق دار «ريستلس بوكس»، ثم ذكرت سواد حسين ورانيا عبد الرحمن وأشادت بترجمتهما الرائعة. لذلك لا يصح القول إنها تجاهلتهما تمامًا. لكن ذكرهما جاء ضمن الشكر البروتوكولي في بداية الكلمة، من دون أن يتحول دور الترجمة إلى جزء من تأملها في معنى وصول الرواية إلى قارئ أميركي يعيش داخل السجن.
تحدثت بثينة مطولًا عن عبور روايتها حدود اللغة والجغرافيا، ثم عن اختراقها الجدران ووصولها إلى قارئ لم تتخيل يومًا أنها ستصل إليه. غير أنها لم تتوقف عند الفعل الذي حقق هذا العبور وجعله ممكنًا. فالرواية لم تتجاوز حدود اللغة بقوتها الذاتية، ولم تنتقل من الكويت والعربية إلى الولايات المتحدة والإنجليزية من دون وسيط خلاق. كانت الترجمة هي التي حملتها من عالم إلى عالم، ومن مناخ وذاكرة ثقافية إلى عالم وذاكرة أخرى، ومن قارئ عربي مفترض إلى قارئ أميركي مسجون.
هنا يظهر الخلل الحقيقي في الكلمة. لقد حضرت المترجمتان في فقرة الشكر، وغابت الترجمة عن تفسير الرحلة التي قطعتها الرواية، ونظن أن جهدًا إبداعيًا كبيرًا بذلته المترجمتان. شكرت بثينة رانيا وسواد على عملهما، لكنها لم تمنحهما موقعًا داخل الحكاية التي روتها عن الوصول والعبور والحرية.
بدت الرواية في بقية الكلمة كأنها خرجت وحدها من العربية، واخترقت الجغرافيا والجدران، ثم وصلت مباشرة إلى غرف القراءة داخل السجون الأميركية.
كان يمكن لبثينة أن تقول إن المترجمتين منحتا طفلتها المتمردة صوتًا جديدًا، ومكّنتا الرقيب والكتب المحظورة والأرانب والجنيات من العيش داخل لغة أخرى. وكان يمكنها، حين قالت إن الرواية تجاوزت حدود اللغة، أن تعترف بأن رانيا عبد الرحمن وسواد حسين هما من فتحتا لها هذا المعبر الصعب. ولم تكن تحتاج إلى خطاب طويل عنهما؛ كان يمكنها أن تخصص بعض الجمل الواعية بطبيعة الترجمة، ولو أنها فعلت ذلك، لما أنقص من روعة فوزها شيئًا، ولكانت قد وضعت هذا الفوز الجماعي، وليس الفردي، في سياقه الصحيح.


فالترجمة الأدبية ليست نقلًا لغويًا آليًا، ولا عملية استبدال كلمات بكلمات، وإنما هي إعادة خلق للنص داخل نظام لغوي وثقافي جديد. يواجه المترجم أسئلة الإيقاع والنبرة والسخرية والإحالات الثقافية وأصوات الشخصيات وما يمكن نقله حرفيًا وما يحتاج إلى تفكير وبحث ثم إعادة صياغة.
وفي رواية تقوم على الكتب الممنوعة والإشارات إلى حكايات وأعمال أدبية عديدة، تصبح مهمة المترجم أشد تركيبًا ومشقةً؛ لأنه لا ينقل الأحداث وحدها، وإنما يعيد إنشاء شبكة كاملة من العلاقات المعقدة بين الكتب والذاكرة والخيال.
وقد أوضحت رانيا عبد الرحمن أن من أصعب جوانب ترجمة الرواية التعامل مع تناصاتها وإشاراتها الأدبية الخفية، وأنها وسواد حسين عملتا على تتبع تلك الإشارات وفهمها ثم بعد ذلك تم صياغتها وترجمتها. كما أن المؤسسة الوطنية للكتاب لم تتعامل مع الإنجليزية بأنها نسخة شفافة من الأصل، فقد أشادت بلغة المترجمتين، ووصفتها بالحيوية والمرونة والرشاقة. وهذا دليل على أن الأثر الذي وصل إلى المحكّمين كان حصيلة لقاء بين خيال المؤلفة والكتابة الإنجليزية للمترجمتين.
حتى عنوان الرواية يوضح حجم هذا التحول. فالعنوان العربي «حارس سطح العالم» أصبح في الإنجليزية «مكتبة رقيب الكتب». هذا لم يكن نقلًا حرفيًا، وإنما اختيار جماليًا يعيد توجيه انتباه القارئ ويضع الرقابة والكتاب في مركز التلقي منذ الكلمة الأولى على الغلاف. وقد يكون القرار مشتركًا بين المترجمتين والناشر، لكنه يكشف أن انتقال الكتاب إلى لغة جديدة يتضمن سلسلة من العمل الشاق والخيارات الإبداعية والتحريرية التي تسهم في تشكيل صورته وموقعه واستقباله.
لا ينتقص الاعتراف بهذا كله من حق بثينة العيسى في الاحتفاء. فهي صاحبة الفكرة والعالم الروائي والشخصيات والبناء. لكن القارئ السجين الذي صوّت للعمل لم يسمع لغتها العربية، ولم يختبر جملها بصيغتها الأصلية، ولم يقرأ كتبها السابقة باللغة العربية. لقد وصل إليه صوت إنجليزي صنعته رانيا وسواد. ومن ثم فإن استجابته للرواية كانت استجابة للعمل المشترك بين التأليف والترجمة، حتى إن كانت الجائزة تعلن اسم الكتاب وتضع المؤلفة في الواجهة.

أما الإعلام العربي فقد عمّق هذا الاختزال. فقد ركزت العناوين على «عبقرية بثينة العيسى» وعلى وصول الأدب العربي إلى جائزة أميركية، بينما ورد اسما المترجمتين، إن وردا، باعتبارهما معلومة نشر صغيرة. لم تسأل هذه التغطيات أي أسئلة عن كيفية وصول الرواية إلى هؤلاء القراء، وما الذي فعلته الترجمة بالنص، والصعوبات التي واجهتها، وكيف استطاعت أن تجعل عالمًا مكتوبًا بالعربية مقروءًا ومؤثرًا داخل السجون الأميركية المتباعدة.
هذه الطريقة في الاحتفاء تعكس فهمًا ناقصًا للأدب العالمي. فالكتاب لا يمكنه أن يصبح عالميًا بمجرد امتلاكه قيمة في لغته الأصلية، ولكنه يحتاج إلى مترجم قادر على أن يعيد إحياءه في لغة أخرى، وناشر يؤمن به، ومحرر يساعده على مخاطبة سياق جديد، ربما المؤلفة نفسها لا تفهمه كاملًا. وقد تبقى أعمال مهمة حبيسة لغاتها لسنوات أو عقود، بينما تسافر أعمال أخرى لأن مترجمًا مبدعًا بذل جهدًا شاقًا ووجد لها الصوت المناسب.
من يقرأ كلمة بثينة سيجد نفسه أمام مفارقة قامت على صور العبور، أي عبور اللغة والجغرافيا والجدران. لكنها تحدثت عن النتيجة وغفلت عن القوة التي أنجزت جانبًا جوهريًا مهمًا منها. فالجدران لم تُهزم بالنص العربي وحده الذي كتبته بثينة العيسى، ولكن الحقيقة أن رانيا عبد الرحمن وسواد حسين كان لهما الدور الحيوي في خلقه بالإنجليزية.
لذلك فالصياغة العادلة للخبر ليست أن «بثينة العيسى فازت بالجائزة» فقط، وليست أن المترجمتين فازتا وحدهما. الأدق أن نقول: فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» لبثينة العيسى، بترجمة رانيا عبد الرحمن وسواد حسين، بجائزة «إنسايد الأدبية». ففي هذه الجملة تظهر الرحلة كاملة، ويظهر جميع الذين عملوا وجعلوا وصول الكتاب من عالم عربي إلى عالم أميركي ممكنًا.
نبارك للكاتبة بثينة العيسى وللمترجمتين رانيا عبد الرحمن وسواد حسين هذا الفوز، ونتمنى أن تكون مثل هذه الجوائز حافزًا للاعتراف عربيًا بقيمة الترجمة الإبداعية. كما نتمنى أن يعترف الكاتب بمن ينقل صوته إلى عالم لم يكن له أن يسمعه أو يرى اسمه على غلاف كتاب لولا المترجم المبدع.
معلومة مهمة جدًا
يكشف حوار مع المترجمتين في مجلة «ووردز وِذ آوت بوردرز» أن سواد حسين لم تنتظر تكليفًا جاهزًا من الناشر. كانت معجبة بكتابات بثينة العيسى منذ سنوات، وحاولت تقديم عدد من أعمالها إلى ناشرين ناطقين بالإنجليزية. وعندما صدرت «حارس سطح العالم» عام 2019، طلبت من بثينة السماح لها بعرضها على ناشرين، وأعدّت مقتطفًا مترجمًا منها ونشرته في مجلة «إندكس أون سنسرشِب». وبعد محاولات لم تنجح، عرضت الرواية على محررة دار «ريستلس بوكس»، فاهتمت الدار بها. وكانت سواد قد دعت رانيا عبد الرحمن إلى مشاركتها الترجمة.
تؤكد هذه المعلومة أن سواد حسين لم تكن اسمًا تعاقدت معه الدار بعد اختيار الرواية، وإنما كانت من الأشخاص الذين سعوا إلى إخراجها من العربية وإقناع ناشر إنجليزي بها. أي إنها أسهمت في صنع رحلة الكتاب منذ بدايتها، قبل أن يصل إلى الجوائز والسجون والقراء الأميركيين، ونسيت بثينة أن تذكر ولو جزءًا من هذا في حفل الجائزة.







التعليقات