لا يبني نص «لربما» تجربته على انتظار الحضور بقدر ما يصوغ الحضور في هيئة انتظار؛ فالأداة المتكررة تبدو نبضًا للذات وهي تفتح أبواب الاحتمال، وتؤجل اليقين، كأن الأمل لا يستمد حياته من تحققه، بل من قدرته على البقاء. ومن هنا، يغدو التكرار أكثر من إيقاع لفظي؛ إنه صورة لوعي يتجدد رجاؤه كلما أوشك على الخيبة.
من «يزهر انتظاري» إلى «يبزغ فجر أمنياتي»، يستحيل الانتظار أرضًا خصبة، ويتحول الغياب إلى طاقة تستنبت الصور. وتتعدد وجوه هذا الرجاء بين النداء والوحدة والبحث عن المحبوب في «وريد القصيدة» و«بعض الأغاني»، فتتسع التجربة من توقٍ إلى لقاء إلى محاولة لاحتواء الغائب باللغة. غير أن تكرار «لربما» يظل مشدودًا إلى مفارقة عميقة: كلما تجدد الأمل، انكشف أن تحققه ما يزال مؤجلًا.

وفي قلب هذه الحركة، تنفرد كلمة «وحيدًا» بسطر مستقل، فتغدو وقفة بصرية وإيقاعية تكثف عزلة الذات. لكن هذه العزلة لا تستسلم للصمت؛ إذ «تضحك في أذني الليالي»، فتنبعث من الوحشة حياة متخيلة، ويغدو العالم الداخلي أكثر ضجيجًا كلما خلا العالم الخارجي من الحضور. هنا تتجاوز الصورة وظيفتها الوصفية، لتكشف مفارقة التجربة: الغياب الذي يوجع الذات هو نفسه ما يوقظ مخيلتها.
وتتعزز وحدة النص بتقارب نهايات مثل «انتظاري» و«أمنياتي» و«كياني» و«الأماني» و«الليالي» و«زماني». وهذا التجانس، وإن لم يثبت وحده انتظام قافية عروضية، يمنح النص نَفَسًا غنائيًا يربط الانتظار بالذات والزمن، ويجعل الإيقاع امتدادًا للحالة الوجدانية، لا مجرد تناغم صوتي.
غير أن التحول الحاسم يقع في الخاتمة: «فإنما أنت يقظة دائمة في زماني». فبعد توالي الاحتمالات، يأتي التقرير ليعيد تعريف العلاقة بالمحبوب؛ إذ لا يعود حضوره مرهونًا بلقاء مؤجل، بل يغدو يقظة مستقرة في وعي الذات. وهكذا لا تنهي الخاتمة الانتظار بقدر ما تنقل موضوعه من الخارج إلى الداخل، ومن ترقب الحضور إلى الإحساس بدوامه.
بهذا المعنى، يتحرك إيقاع «لربما» من الاحتمال إلى اليقظة، ومن تكرار الرجاء إلى اكتشاف ما يمنح الرجاء استمراره. وتكمن مفارقة النص في أن الخاتمة لا تثبت زوال الغياب، بل تكشف قدرة الذات على تحويله إلى حضور وجداني؛ فالمحبوب قد يظل بعيدًا عن المكان، لكنه يقيم في الزمن يقظةً دائمة، ويجعل من الانتظار نفسه صورةً من صور الحضور.







التعليقات