انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

(لربما): حين يصير الانتظار يقظة

فضل صالح
فضل صالح

ناقد وأديب يمني

2 دقائق للقراءة
8 مشاهدة
(لربما): حين يصير الانتظار يقظة
مشاركة:

لا يبني نص «لربما» تجربته على انتظار الحضور بقدر ما يصوغ الحضور في هيئة انتظار؛ فالأداة المتكررة تبدو نبضًا للذات وهي تفتح أبواب الاحتمال، وتؤجل اليقين، كأن الأمل لا يستمد حياته من تحققه، بل من قدرته على البقاء. ومن هنا، يغدو التكرار أكثر من إيقاع لفظي؛ إنه صورة لوعي يتجدد رجاؤه كلما أوشك على الخيبة.

 من «يزهر انتظاري» إلى «يبزغ فجر أمنياتي»، يستحيل الانتظار أرضًا خصبة، ويتحول الغياب إلى طاقة تستنبت الصور. وتتعدد وجوه هذا الرجاء بين النداء والوحدة والبحث عن المحبوب في «وريد القصيدة» و«بعض الأغاني»، فتتسع التجربة من توقٍ إلى لقاء إلى محاولة لاحتواء الغائب باللغة. غير أن تكرار «لربما» يظل مشدودًا إلى مفارقة عميقة: كلما تجدد الأمل، انكشف أن تحققه ما يزال مؤجلًا.

(لربما): حين يصير الانتظار يقظة

 وفي قلب هذه الحركة، تنفرد كلمة «وحيدًا» بسطر مستقل، فتغدو وقفة بصرية وإيقاعية تكثف عزلة الذات. لكن هذه العزلة لا تستسلم للصمت؛ إذ «تضحك في أذني الليالي»، فتنبعث من الوحشة حياة متخيلة، ويغدو العالم الداخلي أكثر ضجيجًا كلما خلا العالم الخارجي من الحضور. هنا تتجاوز الصورة وظيفتها الوصفية، لتكشف مفارقة التجربة: الغياب الذي يوجع الذات هو نفسه ما يوقظ مخيلتها.

 وتتعزز وحدة النص بتقارب نهايات مثل «انتظاري» و«أمنياتي» و«كياني» و«الأماني» و«الليالي» و«زماني». وهذا التجانس، وإن لم يثبت وحده انتظام قافية عروضية، يمنح النص نَفَسًا غنائيًا يربط الانتظار بالذات والزمن، ويجعل الإيقاع امتدادًا للحالة الوجدانية، لا مجرد تناغم صوتي.

 غير أن التحول الحاسم يقع في الخاتمة: «فإنما أنت يقظة دائمة في زماني». فبعد توالي الاحتمالات، يأتي التقرير ليعيد تعريف العلاقة بالمحبوب؛ إذ لا يعود حضوره مرهونًا بلقاء مؤجل، بل يغدو يقظة مستقرة في وعي الذات. وهكذا لا تنهي الخاتمة الانتظار بقدر ما تنقل موضوعه من الخارج إلى الداخل، ومن ترقب الحضور إلى الإحساس بدوامه.

 بهذا المعنى، يتحرك إيقاع «لربما» من الاحتمال إلى اليقظة، ومن تكرار الرجاء إلى اكتشاف ما يمنح الرجاء استمراره. وتكمن مفارقة النص في أن الخاتمة لا تثبت زوال الغياب، بل تكشف قدرة الذات على تحويله إلى حضور وجداني؛ فالمحبوب قد يظل بعيدًا عن المكان، لكنه يقيم في الزمن يقظةً دائمة، ويجعل من الانتظار نفسه صورةً من صور الحضور.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:١٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

التحول السردي و تفكيك الأسطورة في عالم الأديب محمد فيض خالد
قراءات

التحول السردي و تفكيك الأسطورة في عالم الأديب محمد فيض خالد

.... بقلم / __________________ عن (بقعة ضوء فوق جدار معتم تراب الحكايات) "ظلّ ذلك الصندوق الخشبي الكبير موضع شغفه، شغلت به نفسه، ثبت في خاطره أن العالم استقر في جوفه، البشر، الحكايات، الأغاني، الأنغام الشجية التي يميل على وقعها الأنفار في الحقول بين شجيرات القطن، تراه.......... " ليأخذناالكاتب فر…

· 3 د
بين شموس الذات وغسق الوطن 
قراءة نقدية في ديوان «شموس ووطن» للشاعرة ناز عدنان البوتاني
قراءات

بين شموس الذات وغسق الوطن قراءة نقدية في ديوان «شموس ووطن» للشاعرة ناز عدنان البوتاني

بين شموس الذات وغسق الوطن قراءة نقدية في ديوان «شموس ووطن» للشاعرة العراقية الكردية ناز عدنان البوتاني بقلم: حسن غريب أحمد ناقد وباحث وشاعر مصري العنوان بوصفه مفتاحًا تأويليًّا لا يأتي عنوان الديوان «شموس ووطن» مجرد تسمية خارجية لمجموعة من القصائد، بل ينهض بوظيفة دلالية تفتح أمام القارئ أفقًا…

· 11 د
جمالية الصوت الشعبي في شعر الشاعر الأمريكي الأسود لانغستون هيوز
قراءات

جمالية الصوت الشعبي في شعر الشاعر الأمريكي الأسود لانغستون هيوز

لم يكن لانغستون هيوز (1902–1967) شاعرًا يبحث عن لغة بليغة بعيدة عن الناس، زكز اهتمامه وأراد أن تكون قصيدته قريبة من حياة أهله الأفارقة السود والناس البسطاء، وأن يسمعها العامل والمغني والفقير والمرأة التي تكافح لتربية أطفالها. وقد وجد في الموسيقى الشعبية السوداء، خصوصًا البلوز والجاز منبعًا نهل منها…

· 7 د