لا يحتاج الإنسان إلى عينين كي يقرأ قصيدة شعرية، أو بالأحرى لا حاجة للعين كي يسبر أغوار الجمال الكامن بين ثنايا قصيدة بُنيت وفق إيقاع معين، بل إن القارئ بحاجة إلى بصيرة بدلا من بصره العاجز.
في مسلسل See (إخراج فرانسيس لورانس، كتابة ستيفن نايت، 1 نوفمبر 2019) توصيف تخييلي للبصر حين يصير جريمة يعاقب عليها قانون العميان. يتحول كل بصير إلى ساحر يطارد حتى النهاية، أو ينفق بين الجبال وهو يحاول الهرب من القائد تاماكتي جون صائد السحرة. لم يعد العمى عيبا بل صار أصلا والبصر شاذا ويجب القضاء عليه قبل أن يدمر العالم مرة ثانية. خلال مشاهدتك للمسلسل ستتساءل، لا محالة، عن قوة الأعمى، وقوة التقاطه لكل تفاصيل الحياة من حوله، بعدها ستجد إجابة يتيمة واحدة تتجلى في كون الإنسان بحاجة إلى حاسة سمع قوية بدلا من عين ثاقبة، بحاجة إلى تبصر بدلا من الإبصار.
هذا كله يذكرنا بالمعري الأعمى الذي تذوق شعر المتنبي، وخاض فيه حتى اعتبر بيت المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم
رسالةً موجهة إليه؛ إذ إن المعري نظر حقيقة إلى أبي الطيب وشعره، وفهمه حق الفهم حتى تجاوز كل مبصر يدعي قراءته المثلى للمتنبي ونظمه.
أي تأثير هذا الذي أوصل أبا العلاء (363ه-449ه) إلى حد اعتبار خطاب (شعر) المتنبي (303ه-354ه) موجها إليه وأبو العلاء حينها لم يولد بعد؟ لا شك في أن الإجابة عن هذا السؤال تقودنا مباشرة إلى قوة الخطاب الشعري وحجاجيته، تجعلنا نطرح استفهامات حول ذلك: كيف يبني الشاعر حججه داخل القصيدة الشعرية؟ وما العناصر الأخلاقية (الإيتوس) التي تجعل الخطيب/ الشاعر جديرا بثقة المُستمع؟ كيف يؤثر في المتلقي؟ ما الاستراتيجيات والأساليب البلاغية التي يعتمدها الشاعر لشد انتباه المتلقي وجعله يسلم ويذعن؟ أي دور للإيقاع والصور الشعرية وحروف المعاني في حجاجية القصيدة؟
للإجابة عن هذه الاستفهامات اخترنا ابن زريق البغدادي، الذي وُجدت له قصيدةٌ واحدة موسومة ب "الفراقية" والتي سنقوم بمقاربتها، قدر الجهد والإمكان، مقاربة حجاجية، ونعرف كيف بنى ابن زريق حججه، ونكشف عن الآليات الإقناعية التي استنجد بها للتأثير في مخاطبه.
قبل أن نخوض في تحليل القصيدة وجب علينا أن نتعرف على صاحبها، وعلى سياقها كي نقاربها؛ فللسياق دور كبير في فهم النص، كي نفهم ما كان يصبو إليه الشاعر من خلال توظيفه لأساليبَ شعرية حجاجية وإقناعية مختلفة.
صاحب النص (ابن زريق) وسياق إنتاجه:
يروي ابن عباس مصطفى رسام سياق الفراقية في ترجمته قائلا: "هو أبو الحسن علي ابن زريق البغدادي الشاعر المشهور، كانت له ابنة عم قد شغف بها ثم ارتحل عنها إلى بغداد لفاقة أصابته، فقصد أبا الخير عبد الرحمان الأندلسي في الأندلس ومدحه بقصيدة بليغة فأعطاه عطاء قليلا، فقال ابن زريق : ( إنا لله وإنا إليه راجعون سلكت البحار والقفار إلى هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء)، وكان عبد الرحمان بذلك أراد أن يختبره، ولما تفقدوه في الخان الذي كان فيه وجدوه ميتا وعند رأسه قصيدة يشرح فيها حاله، ويأسف على فراق ابنة عمه" وقد توفي سنة 420ه.
لا شك في أن قارئ ترجمة صاحب الفراقية سيتساءل عن مولده الذي لم يذكر، وهذا دليل على أن الشاعر كان مغمورا ولا يُعرف إلا بقصر ذات يده. غير أن تاريخ وفاته مسجل ومعروف وهذا راجع إلى قصته الفريدة، أو بمعنى آخر أن سياق إنتاج يتيمته ومضامينها الفريدة كان له دور كبير في الالتفات إليه، وتسجيل تاريخ وفاته في أمهات الكتب.
والقصيدة قيد الدراسة والتحليل كأنها رسالة من وراء القبر، أو رسالة احتضار، يودع من خلالها الشاعر مُلْكا لم يحسن سياسته، محبوبة زادت العذل على خطوب الدنيا التي تملأ جوانحه.
وإن الحديث عن سياق إنتاج النص ضرورة ملحة في مثل هذه الدراسات؛ عند فان دايك Van Dijk "السياق التداولي يُكوِّن الشروط المحددة لمناسبة مقتضى الحال فيما يخص التلفظ بعبارات اللغة الطبيعية". وسياق إنتاج الفراقية فيه روايتان: الأولى أوردها الصفدي في الوافي بالوفيات تقول إنها مدحية، والثانية، كما ورد أعلاه، وهي المرجحة تقول إنها خطاب موجه إلى الزوجة.
سيكتشف قارئ القصيدة أن غرضها ليس مدحا وإنما رسالة موجهة إلى المحبوبة التي ألحت عليه بأن يبقى ويترك حلمه بالغرب، لكنه أبى إلا أن يصل بلاد الأندلس ويمدح عبد الرحمان ليظفر بنعيم الأندلس، ويعود إليها غانما من غزوته:
لا تعذليه فإن العذل يولعه
قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه
لقد أخطأ ابن زريق الوجهة، واختار الحج إلى الغرب تاركا حج الشرق. ليكتب خسارته المدوية من وراء القبر، وكأنه يطلب تدوينها على شاهد قبره كما فعل شعراء كثر قبله، كالمعري الذي ترك بيتا وأوصى بكتابته شاهدة لقبره:
هذا ما جناه أبي علي
وما جنيت على أحد
إن الشعر ديوان العرب؛ شاهد على انتصاراتهم وهزائمهم، نجاحاتهم وخيباتهم، بل أكثر من ذلك، الشعر في مثل هذه القصائد رسالة وداع أو شهادة وفاة. ولولا الشعر لضاعت الثقافة العربية وأحداث كثيرة ما زال نجمها يلمع بكتبنا العربية. وبناء على أهمية الشعر، وحضوره القوي اللغوي والإيقاعي والحجاجي، اخترنا مقاربة نص شعري باعتباره خطابا الأصل فيه الإلقاء الشفهي، الإنشاد أو الغناء، والشاعرَ بوصفه خطيبا متمرسا. فأدونيس يرى أن الشاعر " ينشئ الشعر لنفسه، بل لغيره _ لمن يسمعه، لكي يتأثر به. ومن هنا كانت تقاس شاعرية الشاعر بقدرته على الابتكار الذي يؤثر في نفس السامع"؛ أي أن ناظم الشعر سيختار مستمعه ليُجَهِّز طبيعة الخطاب الذي سيناسب المقام، ليدرج الحجج المناسبة التي تجعل المتلقي يذعن.

والحديث عن المقام وطبيعة الخطاب الشعري المشحون بالحجاج الدامغ يجرنا إلى الحديث عن اختيار الشاعر للمقدمات التي ستشغل مطلع القصيدة. وقد شغل المطلع، باعتباره مقدمة للحجاج، دارسي الشعر في الثقافة النقدية القديمة؛ إذ إن الشاعر كان ينطلق من البكاء على الأطلال (مقدمة طللية)، كما فعل امرؤ القيس في معلقته، قبل أن يتدرج عبر عمود الشعر ليصل إلى غرضه الرئيس ثم مساعيه فختمه:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
أو مطلعا خمريا على غرار عمرو بن كلثوم:
أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِينَـا
وَلاَ تُبْقِي خُمُـورَ الأَنْدَرِينَـا
أو أنه يبدأ بمقدمات غزلية، كما فعل كعب بن زهير:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
متيم إثرها لم يفد مكبول
وهذه المقدمات كلها تضم في بنيتها الحجاجية العميقة شيئا من المكونات العاطفية الأساسية التي تتمركز بمقدمة الخطب؛ فبالنسبة ل شايم بيرلمان ولوسي أولبيرخت تيتكا " في الاستهلال يقوم الإيتوس الكفيل بتأمين تبادل الثقة بين الخطيب والمخاطب"، والشعر خطاب يبني فيه الشاعر إيتوسه، باعتباره من العناصر الأساسية الأخلاقية التي تجعل الخطيب أهلا للثقة عند كل مستمع، مذ الوهلة الأولى التي يتعاقد فيها مع المتلقي، وهذه اللحظة تتمثل في مطلع القصيدة الذي يشكل بدوره استهلالا ومقدمة ينفذ من خلالها إلى عقل المستمع ليشده إليه.
حجاجية المطلع:
إن الخطاب من منظور عبد الله صولة "قبل أن يستوي كيانا مشكلا من تقنيات حجاجية يواجه بها المتكلم المخاطب لإيقاع التصديق، منطلقات حجاجية مدارها على مقدمات Des Prémisses تؤخذ على أنها مسلمات يقبل بها الجمهور. واختيار هذه المقدمات وطريقة صوغها، وترتيبها له في حد ذاته قيمة حجاجية".
وهذا ما عمل عليه كتاب كثر أمثال عبد الفتاح كيليطو حيث استهلوا كتبهم أو مقالاتهم بحكاية أو قصة أو بيت شعري، وذلك قبل الشروع في الموضوع الأساس، فتكون هذه الحكاية أو البيت الشعري منطلقا لبناء نص حجاجي متكامل الأطراف. ولا مندوحة من أن مستعمل مثل هذه المقدمات يعي جيدا ما يفعل، وأن بدايته هاته لم تكن اعتباطية، وإنما خاضعة لرقابة الكاتب/الخطيب، وحسن استهلاله لموضوعه/ خطابه، واستحضاره للمستمع.
والشاعر أيضا، كما ذكرنا أعلاه، واحد من هؤلاء الذين يحسنون اختيار المقدمات، فشعراء الجاهلية كانوا يتوافدون على سوق عكاظ، بحضور العامة والأسياد، لإنشاد قصائدهم بأغراضها المختلفة، أو يقطعون القفار والبحار لغزو بلاط الخلفاء والخروج بغنائم كثيرة.
وهذا ما فعله ابن زريق قبل أن يغادر إلى دار البقاء تاركا يتيمته بالخان ملقاة بجانبه. إذن، فكيف بنى مقدمته؟ وعلى أي مكون من المكونات الحجاجية أقام هذا المطلع؟
نقرأ في مطلع الفراقية:
لا تعذليه فإن العذل يولعه
قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه
جاوزت في لومه حداً أضرّ به
من حيث قدرتِ أن اللوم ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً
من عذله فهو مضنى القلب موجعه
الحديث عن هذا المطلع يجرنا بالضرورة إلى التجنيس الذي يقول فيه عبد القاهر الجرجاني: " أما التجنيس فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعا حميدا، ولم يكن مرمى بعيدا..."، وذلك للإشارة إلى اللفظ الذي يبدو أنه يتكرر. وهذا مستحسن عند الجرجاني لما يحدثه من حسن الإفادة والزيادة، إذ يرى الجرجاني أن "الفائدة قد ضعفت في الأول وزادت في الثاني"، وهذا استحسان منه للتجنيس الذي استحضر فيه قول أبي تمام:
ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت
فيه الظنون أمَذهب أم مُذهب
وانتصر فيه ل (مَذهب ومُذهب) التي يوهمك الشاعر من خلالها أنها ألفاظ متشابهة، وذلك لاتفاقها في المبنى، لكنها تضيف للمعنى ما تضيفه.
غير أن مطلع الفراقية يختلف شيئا ما عما سبق؛ إذ إن (تعذليه – العذل)، حقيقة، لفظان من الجنس نفسه، رغم الاختلاف الحاصل في الاسمية والفعلية، إلا أن لهما مزية الزيادة في المعنى، ذلك أن "تعذليه" جملة تشمل فعلا، والفعل ضام للزمن والحدث، ولفظ (العذل) حدث دون زمن. وما دام الحدث قد تكرر، باعتباره واردا في الفعل، فهذا تأكيد من الشاعر، وبالتالي يكون التأكيد بالتكرار زيادة في المعنى.
وإذا تأملنا هذه الأبيات الثلاثة التي شيدت مطلع القصيدة ألفينا الشاعر قد اختار مقدمة واقعية تتمثل في لومه من طرف المحبوبة التي تعترض سفره خشية أن يتركها وحيدة.
وهذه المقدمة تعتبر منطلقات حجاجية، لأن المتلقي (المحبوبة) يفرض على المرسِل مقدمات حجاجية مقبولة وذات بعد حجاجي يستميل المستمع الذي أولاه كل من بيرلمان وتيتيكا في كتابهما "المنصف في الحجاج" اهتماما كبيرا.
لقد أحسن الشاعر اختيار مقدمة قصيدته، من ذلك أن سياق القصيدة يفرض عليه الدقة، سواء من حيث مضمونُ المطلع، باعتباره مقدمة، أو من حيث المفرداتُ التي تُكوّن المطلع / المقدمة، لأنها منطلق الاستدلال، وعليها سيبني المرسل حججه وفق سلم حجاجي يتناسب وطبيعة المتلقي والمقام التخاطبي. خصوصا أن الشاعر هنا قد سبق وألحت عليه حبيبته بالبقاء، ورغِبتْ في أن يظل بجنبها لأنها تحبه.
انتقاء الألفاظ:
يعد انتقاء الألفاظ في الخطاب الحجاجي مسلمة ومن البدَهيات، خصوصا في نظم قصائد الشعر التي تزخر بمقومات الحجاج وأساليبه، بغض النظر عن الطبع والصنعة، لأننا هنا لا نقصد التحبير في انتقاء الألفاظ بل نسعى إلى البداهة في اختيارها؛ فالشاعر المتمرس تحضره تلك الألفاظ المنتقاة بشكل شبه عفوي، وكأنه طُبع عليها باعتباره خطيبا متمرسا في صناعة الشعر (الشعر والنثر صناعتان كما يرى ذلك أبو الهلال العسكري).
إن انتقاء ابن زريق للفظ "العذل" ذو طابع حجاجي صرف. لقد ترك اللوم، كما فعل عروة بن الورد حينما أراد الخروج لاعتراض القوافل، فطلبت منه زوجته ألَّا يخرج، وأرادت بذلك أن يظل جنبها لأنها تحبه وتخشى عليه المخاطرة، فخاطبها عروة قائلا:
أقلي علي اللوم يا ابنة منذر
ونامي فإن لم تشتهي النوم فاسهري
إلا أن مقام قصيدة ابن زريق يختلف عن مقام نظم عروة بن الورد، لأن الأول قد كتب قصيدته وهو بعيد عن محبوبته، والثاني في حضرتها ... كما أن عروة اختار لفظة "اللوم" في حين اختار صاحب الفراقية لفظة "العذل"، والعذل أشد من اللوم في الدلالة اللغوية لما يحدثه من وقع على الأسماع. لفظة "عذل" لم توضع اعتباطا، وإنما بمقصدية من الذات الشاعرة، لأن الألفاظ، عند ابن رشيق، في الأسماع كالصور في الأبصار؛ أي أن اللفظة تجعل المتلقي يسبح في الخيال متقصيا آثارها وكأنه يشاهد لقطة من فيلم، أو صورة فوتوغرافية. ومتى أحسن الشاعر انتقاء اللفظ وأحله محلا مناسبا في البيت وفي القصيدة مَثَّل ذلك، حسب سامية الدريدي، "رافدا حقيقيا يرفد الحجاج فيؤثر في المتلقي ويستميله إلى ما يقصده الشاعر وما يروم تحقيقه عبر الخطاب..." وبالتالي انتقاء اللفظ له دور حجاجي داخل الخطاب، ويؤثر في المتلقي ويجعله يذعن، أو على الأقل، يستميله ويحرك حواسه، ويهيئه لما سيأتي من حجج مرتبة وفق منهجية محكمة عروضيا، وإيقاعيا، وتركيبيا، بما يجعله مذهولا، ومتأثرا مما يلقى على أسماعه. ولو عدنا إلى اللفظ في المعاجم العربية سنجد ابن فارس يقول: " العين والذال واللام أصل صحيح يدل على حر وشدة فيه، ثم قس عليه ما يقاربه". و"العذل" في مقدمة يتيمة ابن زريق مجاوز فيه (جاوزت في لومه) الحد الذي أضر بدواخله (احترق داخله)، فما كان عليه إلا أن يطلب الرفق فيه على الأقل.
و"العذل" أيضا مكونٌ صوتياً من العين والذال واللام وهي حروف ضعيفة تحتاج إلى كمية كبيرة من الهواء، وهذا يبرز حالة الشاعر التي تتجلى في ضعفه ودنو أجله. وغاية كل ذلك التأثير في مستقبل الخطاب.
والمقدمة لا تتوقف عند حدود تجانس اللفظين، بل تتجاوز ذلك إلى ما تضمه من عواطف جياشة، وهذا يظهر من خلال الشطر الثاني للمطلع؛ حيث يؤكد على أنه لم يسمع كلامها (عدم الذهاب إلى الأندلس) كاعتراف منه بالخطأ الذي ارتكبه.
إدراج العاطفة:
يرى عبد الله صولة أن " الإقناع يكون بمخاطبة الخيال والعاطفة، مما لا يدع مجالا لإعمال العقل ولحرية الاختيار"، والخطاب هنا لا يمكن للشاعر فيه أن ينتظر اقتناع المتلقي، لأن الاقتناع يكون خيارا، بل إنه يهاجم مشاعره وعواطفه للنيل منه مذ الوهلة الأولى لشده إلى باقي مضامين القصيدة/ الخطاب، ولتحقيق الإقناع الذي يكون إلزاما. لكن هذه الإلزامية لا تظهر للمتلقي؛ لأن الحجاج في المصنف " حوار من أجل حصول الوفاق بين الأطراف المتحاورة، ومن أجل حصول التسليم برأي الآخر بعيدا عن الاعتباطية واللامعقول... ومعنى ذلك أن الحجاج عكس العنف بكل مظاهره."
وعلى هذا التواصل العاطفي شيد ابن زريق مقدمته الحجاجية، مستعينا بحادثة "العذل" باعتبارها، في نظرية الحجاج عند صولة، من الوقائع التي " لا تكون عرضة للدحض أو الشك، وهي تشكل نقطة انطلاق ممكنة للحجاج". وهذا النوع من الوقائع معايَنة تفرض نفسها على الجميع، وتشكل وخزة تهيج عواطف المتلقي وتجره إلى تتبع باقي أبيات القصيدة، التي لا شك في أن ناظمها قد أحسن تنويع أساليب الحجاج فيها.
والشاعر يسعى دائما على استمالة المتلقي؛ فالقصائد في القديم كانت تخضع لنظام صارم: المطلع، ثم وصف الرحلة والراحلة والفخر بالبطولات، لينتقل إلى التشبيب أو وصف المحبوبة لشد المتلقي، لأن الحديث في هذا المجال سيلفت انتباه الجميع، وحين يتأكد الشاعر من أن الأسماع كلها مشدودة إليه يدخل في الغرض الرئيس (المدح). هذه الاستراتيجيات الحجاجية لا تخلو، كلها، من عنصر العاطفة، والأهم عند الشاعر هو كسب عواطف الناس، وإثارة انفعالاتهم، فبدلا من أن يحكم العقل يخضع الجميع للهوى وما يهز أنفسهم.
إن ابن زريق قد تذلل وأظهر التذمر والهم والحزن، بدءا من الأبيات الأولى (لا تعذليه- يولعه-جاوزت في عذله..)، ليحقق انفعال الشفقة لدى محبوبته باعتباره خطيبا يسعى إلى الإقناع، والإقناع لن يكون إلا بإحداث أثر في نفسية المتلقي.
طرائق العرض الحجاجية:
الشعر العمودي قبل أن يُتناول بالدراسة والتحليل كان، ولا زال، يخضع لنظام صارم، وذلك خوفا من النقد اللاذع الذي قد يتعرض إليه الشاعر بعد الإنشاد، بل إن تاريخ الشعر يؤكد ذلك؛ فخيمة الأدم التي ضُربت للنابغة بسوق عكاظ كانت أكبر شاهد، حينما فضل الخنساء عن حسان في قوله:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بني العنقاء وابني محرق
فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
في هذا المضمار يرى النابغة أن الأصح لو أن حسان فخر بمن أنجبه ولم يفخر بمن أنجب، ولامه في تقليل الأجفان والأسياف؛ لأن "أفعال" جمع قلة، وكان عليه أن يقول جفون وسيوف، وهي جمع كثرة.
كما أن أم جندب قد فضلت علقمة على زوجها امرئ القيس، فقط لأن فرس الأول جرى دون زجر، عكس الثاني.
وكل هذا معلوم عند ابن زريق، ولا شك في أنه اختار سلمه الحجاجي بعناية، واهتم بأسلوبه خير اهتمام.
7- إدراج الحقائق:
إضافة إلى التأثير الذي يحدثه "العذل" في الأذهان باعتباره حقيقة كما ذكرنا، إلا أن الشاعر قد تجاوزه إلى إدراج حقائق أخرى، يمكننا اعتبارها مسلمات حجاجية لا يمكن مناقشتها البتة:
قد وزّع الله بين الخلق رزقهمُ
لم يخلقِ اللهُ من خلقٍ يضيّعه
فقول ابن زريق أعلاه مسلمة وحقيقة دينية لا يمكن الخوض فيها، وذلك لأن أمر الرزق محسوم فيه بالنص القرآني؛ حيث يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (البقرة: 212)، ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: 38)، والآيات في الرزق كثيرة جدا، الشيء الذي يجعل المتلقي يسلِّم لقول ابن زريق في كون الله تعالى لا يضيع خلقه لأنه قسم الأرزاق بينهم.
لكن ابن زريق هنا لم ينل ما كان يسعى إليه من رزق، الشيء الذي جعله يبدو لنا أنه مقتنع بقسمته هاته، إلا أنه في الحقيقة يريد أن يقنع زوجته؛ وكأنه يقول لها: هذا ما قسم الله تعالى فلا تلوميني على سفري هذا.
ومثل هذه الحقائق بالنسبة لعبد الله صولة " أنظمة أكثر تعقيدا. وتقوم على الربط بين الوقائع. ومدارها على نظريات علمية أو مفاهيم فلسفية أو دينية..."، والرزق هنا يمكننا اعتباره مفهوما دينيا اتخذه الشاعر حجة دامغة، عمد فيها، كما أُشير إليه في نظرية الحجاج، " إلى الربط بين الوقائع والحقائق من حيث هي موضوعات متفق عليها ليحدث موافقة الجمهور على واقعة معينة".
حجاجية البنية الإيقاعية:
إن أول ما يثيره قارئ اليتيمة هو السبب الذي جعل الشاعر يختار ركوب بحر البسيط، الذي تفعيلته (مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن) ومثلها في العجز، دون غيره من البحور. لمَ اختار الشاعر وزير البحور وغض بصره عن ملكها (الطويل)؟
إذا ما تصفحنا مقاييس اللغة لابن فارس ودققنا النظر في مادة (بسط)، نجدها تعني " امتداد الشيء، في عرض أو غير عرض. فالبسط ما يبسط... والبسيطة في كل شيء السعة "، بما يجعلنا نستخلص أن الشاعر يريد بسط مشاعره وأحاسيسه بغية التأثير في المخاطب، وهذا ما يمكننا أن نطلق عليه "إيتوس الشاعر" في البنية العروضية، والذي تُظهر من خلاله الذات الشاعرة قيمَها وأخلاقها قصد استمالة المرسَل إليه، والتأثير فيه بطريقة لا واعية، بل قد تعطل أدوات الرقابة العقلية لديه، وتجعله يذعن بطريقة لاشعورية.
إضافة إلى ذلك، إذا أمعنا النظر في عروض معظم أبيات القصيدة وضربها، نجدها مخبونة، أصابها الخبن وهو زحاف مفرد؛ حيث تحولت تفعيلة "فاعلن" بعد حذف ثانيها الساكن إلى "فعلن". والخبن يعرفه ابن فارس قائلا: "الخاء والباء والنون أصيل واحد يدل على قبض ونقص "، وهذا يعني أن الذات الشاعرة مخبونة، وروحها مقبوضة، وتحس بنقص عاطفي، وقد يكون النقص ماديا، وعبرت عنه بنقص في تفعيلة "فاعلن" في آخر كل شطر لتتحول إلى "فعلن". بل إن الزحاف أصاب حتى الحشو وتجاوزه إلى القصر، وهو قصر وخبن في الأحاسيس والمشاعر المحطمة التي تركت المحبوبة وقعدت ملومة محسورة. وهذه الزحافات والعلل لا شك أنها ذات بعد حجاجي، استنجد بها الشاعر ليؤثر في مخاطبة ويستميله إليه إيقاعيا، ليثير في النفس بجرسه الموسيقي ما يثيره. فصولة يرى أن " ما ينشأ في الخطاب من تناغم أو إيقاع وغيرها من الجوانب الشكلية المحضة يمكن أن يكون له تأثير حجاجي من خلال ما يتولد عنه من إعجاب ومرح وانبساط وحماس لدى جمهور السامعين".
الواقع أن البنية الإيقاعية "ليتيمة ابن زريق" محكمة النظم تستحوذ على القلب والعقل معا، وتؤثر فيهما بأجراسها المنظمة، وهذا يتناسب وطبيعة الحجج التي يقدمها الشاعر، ويتماشى وأصناف الأساليب اللغوية المعتمدة داخل النص باعتباره خطابا إقناعيا، فالتنوع في الأساليب تنوع في الحجج، وتنوع الحجج إقناع لا محالة.
وهذه مزية تحسب لابن زيق على حسن نظمه الذي لا شك أنه ذو قيمة حجاجية، ولو لم يكن كذلك لما قدم وأخر بين الألفاظ في أغلب أبيات القصيدة.
خاتمة:
وعلى سبيل الختم، نخلص إلى أن الشاعر قد وُفق في حسن اختياره للألفاظ الدالة، والحجج المقنعة، والأدلة المؤثرة في المخاطَب، الذي استحضره ابن زريق في ذهنه قبل أن ينظم أول بيت من قصيدته، ورتب حججه، التي لم يسعفنا المقام لتتبعها كاملة، وفق سلم حجاجي مضبوط يتناسب والمقام التخاطبي بغية استمالة المتلقي والاستيلاء على مشاعره ووجدانه، تاركا إليه بيت الختم ليخبره أن الموت لو أخذ أحدهما، لا شك في أن الآخر سيلحقه، الشيء الذي يجعلنا نستفهم عن مصير الزوجة بعد أن وصلها خبر وفاة زوجها بالأندلس.







التعليقات