انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

كريم رضي؛ كلكامش توبلي يعبر بين ماءين

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

باحث وأكاديمي

15 دقائق للقراءة
56 مشاهدة
مشاركة:

تقول الألواح التي لم تصل إليها معاول المنقبين إن كلكامش، بعدما عاد إلى أوروك خالي اليدين من عشبة الخلود، لم يضع سره كله في أسوار المدينة. كان قد تعلم، بعد موت إنكيدو وضياع العشبة وانطفاء نشوة البطولة، أن الحجر قد يبقى، لكنه لا يتكلم إلا إذا مر به قارئ، وأن الماء وحده يعرف كيف يحمل الحكاية من أرض إلى أرض، من غير أن يبدد صوتها. لذلك أودع سؤاله الأخير في مجرى خفي، وتركه يعبر الأزمنة، حتى بلغ توبلي في البحرين. وهناك، بين ماء يتوارى في ذاكرة الأرض ونخيل يرفع رؤوسه كأنه يصغي إلى خبر قادم من سومر، ولد كريم رضي عام 1960، فكأن سؤال كلكامش وجد له جسدا آخر، لا يحمل تاجا ولا يقود جيشا، بل يمضي في الطرقات بوجه العامل، وقلب الشاعر، وبصيرة الناقد، وعناده الذي لا يهادن النسيان. لم يولد كريم رضي في سترة،  بل ولد في توبلي. وتلك ليست ملاحظة تضاف إلى هامش السيرة، وإنما هي الباب الذي ينبغي أن تدخل منه الأسطورة كلها. فسترة كانت لاحقا أرض العمل والنار والآلة، أما توبلي فكانت أرض التكوين الأول، والماء الذي غسل عيني الطفل قبل أن يرى العالم في قسوته واتساعه. بين توبلي وسترة مسافة يمكن أن تقطعها الطريق، لكنها في سيرة الشاعر مسافة بين ولادتين: ولادة الجسد في بلدة تنتمي إلى ذاكرة الماء والنخيل، وولادة الوعي في محطة الكهرباء وتحلية المياه، حيث رأى الإنسان ينتزع الضوء من قلب النار، وينتزع العذوبة من قلب الملح. هكذا بدأت ملحمة كريم رضي بين ماءين. ماء الطفولة الذي تسلل إلى روحه من توبلي، وماء العمل الذي خرج من آلات التحلية في سترة. كان الماء الأول ذاكرة، وكان الثاني مكابدة. الأول يهب الإنسان صورته الأولى، والثاني يعلمه أن الحياة لا تقدم عذوبتها من غير جهد. وبين الماءين نمت القصيدة، لا بوصفها زينة لغوية، بل بوصفها عملا يشبه التحلية نفسها: تدخل التجربة إليها مثقلة بملحها، فتخرج منها قابلة لأن يشربها الآخرون. يدخل الوجع غامضا، ويخرج معنى. تدخل العزلة حجرا في الصدر، وتخرج صوتا يجد فيه الغريب أخاه. من توبلي إلى سترة، ومن البحرين إلى الإمارات، ثم من مسالك الغربة إلى البيت الثقافي البحريني، مضى كريم رضي في رحلة لم تكن استنساخا لرحلة كلكامش، بل صداها الإنساني الحديث. لم يكن في طريقه خمبابا بجسد الوحش، ولا أوتنابشتم جالسا وراء مياه الموت، لكن الحياة الحديثة تعرف كيف تغير أقنعتها. تجعل الوحش آلة لا ترحم، أو غربة تأكل أطراف الروح، أو مؤسسة تنسى رسالتها، أو صمتا يحاصر المثقف، أو زمنا يمر سريعا ثم يطالب الإنسان بالدليل على أنه كان هنا.

اللوح الأول: توبلي التي أخفت أوروك في نخيلها

يا هذا، لا تبحث عن أوروك في خرائط العراق وحدها. فالمدن الكبرى لا تبقى أسيرة مواضعها، بل تنتقل بما تتركه في المخيلة من أسئلة. قد تظهر أوروك في بلدة بحرينية هادئة إذا ولد فيها طفل يحمل قلقها القديم. وقد يصير النخيل سورا من نوع آخر، لا يمنع الناس من العبور، بل يحرس ذاكرتهم من العراء. وكانت توبلي أوروك كريم رضي الأولى، لا لأنها تشبه المدينة السومرية في حجارتها، بل لأنها منحته ذلك الموضع الأول الذي يتعلم فيه الإنسان أسماء الأشياء، ويرى العالم قبل أن تثقله الشروح. في توبلي بدأ الطفل يتهجى الوجود من دون أن يعرف أنه يفعل. كان يرى الضوء يتسلل بين سعف النخيل، ويسمع أصوات الناس وهي تصنع إيقاع النهار، ويدرك، على مهل، أن للمكان لغة لا تكتب في الكتب. الأرض تتكلم برائحة تربتها. الأشجار تحفظ خطى الراحلين. البيوت تعرف أسرار من عبروا أبوابها. والطفل، وإن بدا منشغلا بألعابه الصغيرة، يختزن في أعماقه صورا ستنهض بعد عقود في جملة أو قصيدة أو موقف. ما من شاعر يولد مرة واحدة. يولد أول الأمر من جسد أمه، ثم يولد من المكان، ثم يولد من اللغة، ثم يظل بقية حياته يحاول أن يعرف أي هذه الولادات كانت أعمق. ولادة كريم رضي في توبلي منحته الاسم والجذر، لكنها منحته أيضا مادة الخيال الأولى. فالإنسان لا يستطيع أن يكتب عن الكون كله إذا لم يتعلم أولا كيف ينظر إلى بقعة صغيرة من الأرض كما لو أنها الكون. وكل بلدة طفولة هي مركز العالم بالنسبة إلى من عرف فيها الدهشة للمرة الأولى. كان كلكامش يتباهى بأسوار أوروك، ويطلب من العابر أن يصعد إليها ويتأمل آجرها. أما كريم رضي فلم يكن له سور يقدمه دليلا على البقاء. كان عليه أن يبني سوره من الكلمات. كلمة فوق كلمة، وتجربة إلى جانب تجربة، حتى يقوم البناء الذي يستطيع أن يقاوم عصف الزمن. لم تكن القصيدة بالنسبة إليه جدارا يعزله عن الناس، بل جدارا يحفظ أسماءهم من المحو. وما فائدة الأسوار إذا بقيت المدينة واندثر سكانها من الذاكرة؟ لهذا لم يفصل كريم رضي بين الشعر والحياة العامة. حمل معه إلى الكتابة نبض الناس، واحتفظ في صوته بشيء من صلابة الأرض التي خرج منها. لم يتعامل مع الثقافة بوصفها رداء احتفال يرتديه صاحبه حين تصعد إليه الأضواء، بل بوصفها عهدا يوميا. كان يعرف أن الكلمة التي لا تختبرها الحياة قد تلمع، لكنها لا تدفئ، وأن الشاعر الذي ينسى الأرض التي أنبتته يتحول إلى غيمة جميلة لا تمطر. في توبلي نام اللوح الأول من ملحمته. لم يكن من طين سومري، بل من طفولة بحرينية تشرب الصور وتخزن الأصوات. كان ينتظر أن تأتي النار، وأن تأتي الآلة، وأن يدخل الفتى في امتحان العمل، حتى تنفتح الحروف التي خبأها المكان في روحه. فالطفولة تمنح البذرة، لكن الحياة وحدها تعرف مقدار ما تستطيع هذه البذرة أن تحتمل من الريح.

اللوح الثاني: سترة حين تصادق الماء والنار

ثم جاءت سترة، لا بوصفها مكان الميلاد، بل بوصفها غابة الأرز الحديثة التي دخلها كريم رضي عاملا، وخرج منها وهو يعرف أن الإنسان أكبر من الآلة التي يقف أمامها، وأشد هشاشة منها في الوقت نفسه. عمل في محطة إنتاج الكهرباء وتحلية المياه، وهناك رأى وجها آخر للوجود، وجها لا تصنعه أشجار الطفولة وحدها، بل الحديد والنار والبخار والأسلاك وصرامة الساعات. في ملحمة كلكامش دخل البطل وصاحبه الغابة لمواجهة خمبابا، حارس الأرز، وكانت المواجهة امتحانا للقوة والمصير. أما غابة كريم رضي فكانت غابة من الأنابيب والمولدات والأبراج. لا أوراق فيها تهتز، بل عدادات ترتفع وتنخفض. لا وحش يزمجر خلف الأشجار، بل آلات تهدر بلا انقطاع. وكان على العامل أن يصغي إلى ذلك الهدير، وأن يتعلم لغته، وأن يعرف أن خللا صغيرا قد يحجب الضوء عن بيوت لا يرى سكانها. هناك ولدت في داخله معرفة لا تقدمها الكتب. عرف أن الضوء ليس استعارة فقط، بل جهد بشري وتعب متراكم. كل مصباح يشتعل في بيت بعيد تقف وراءه يد عامل، وكل قطرة ماء عذب تمر في كأس طفل تعبر قبل ذلك رحلة من الملح والنار والضغط والانتظار. الأشياء التي تبدو سهلة لمستهلكها تحمل في أعماقها ملاحم كاملة لا يلتفت إليها أحد.

لم يكن العامل الذي يقف أمام آلة التحلية منفصلا عن الشاعر الذي سيقف أمام اللغة. كلاهما يتعامل مع مادة تقاومه. البحر يقدم ماءه مالحا، والحياة تقدم تجاربها غامضة وموجعة. على الأول أن يحرر الماء من ملوحته، وعلى الثاني أن يحرر المعنى من فوضاه. آلة التحلية لا تخلق الماء، بل تعيده صالحا للحياة، والقصيدة لا تخلق الحزن، بل تمنحه هيئة يستطيع الإنسان أن يواجهه بها. من توبلي حمل كريم رضي ذاكرة الماء، وفي سترة عرف محنة الماء. في الأولى كان الماء صورة كامنة في روح المكان، وفي الثانية صار مادة تدخل في صراع مع الآلة. ومن هذا التوتر بين الذاكرة والعمل يمكن قراءة أحد أسرار تكوينه. فهو شاعر لم يأت إلى اللغة من فراغ نظري، بل من تماس مباشر مع العالم الخشن. عرف تعب الجسد قبل أن يتأمل قلق الروح. رأى اليد وهي تعمل قبل أن يراها النقاد رمزا في قصيدة. لذلك لم تكن الثقافة عنده انفصالا عن الناس، بل طريقا آخر للعودة إليهم. هناك أيضا خرج إنكيدو من بين الآلات. لم يكن شخصا واحدا، بل كان العمال الذين شاركوه ساعات العمل، والوجوه التي تحمل أثر السهر والحرارة والمسؤولية. كان إنكيدو في الملحمة قوة البرية التي أعادت الملك إلى إنسانيته، أما إنكيدو كريم رضي فكان قوة الجماعة التي منعته من الانغلاق داخل ذاته. علّمته أن الفرد، مهما بلغ صوته، يبقى جزءا من جهد أوسع، وأن الضوء لا يصنعه سلك واحد، مثلما لا تصنع الثقافة قصيدة منفردة. من قلب تلك الخبرة اتصل نشاطه الثقافي بحسه العمالي. لم يكن الدفاع عن العدالة والحرية والكرامة موضوعا يختاره لأنه لائق بمظهر المثقف، بل كان امتدادا لما رآه وعاشه. اليد المتشققة ليست صورة بلاغية لمن صافحها. والتعب ليس مفهوما لمن عاد به إلى بيته. والصمت المفروض على الإنسان ليس فكرة بعيدة لمن عرف أن العامل قد يبذل حياته كي يضيء المدينة، ثم يبقى اسمه خارج سجلات المجد. لذلك دخل كريم رضي الشعر ويداه تحملان ذاكرة العمل. لم يغسل عنهما أثر المحطة كي يليق بالمجالس الثقافية، بل جعل ذلك الأثر جزءا من شرعية كلمته. كان يعرف أن الحبر الذي لا يختلط بعرق الإنسان يجف سريعا، وأن القصيدة التي تخاف الاقتراب من صخب الحياة قد تكون شديدة الأناقة، لكنها تظل عاجزة عن حمل ثقل العالم.

اللوح الثالث: خمبابا الغربة وبيت الألواح

غادر كريم رضي البحرين إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، فدخل مرحلة أخرى من الرحلة. لم تكن الغربة منفاه النهائي، لكنها كانت المسافة التي يمتحن فيها الإنسان مقدار ما بقي من وطنه داخله. فالابتعاد لا يبدأ عند الحدود، بل حين يستيقظ المرء فلا يسمع الأصوات التي رتبت طفولته، وحين يرى الطرق الجديدة تمتد أمامه ولا يجد بين حجارتها أثرا لخطواته القديمة. كان خمبابا ينتظر كلكامش في غابة الأرز، أما خمبابا كريم رضي فكان غربة متعددة الوجوه. قد تظهر في اتساع المكان الجديد، أو في برودة المسافة، أو في اضطرار الإنسان إلى إعادة تعريف نفسه بعيدا عن الوجوه التي تعرف تاريخه. الغريب يحمل اسمه كما يحمل وثيقة سفر. يقدمه للآخرين، لكنه يعرف أن الاسم وحده لا يشرح الجذور التي تتفرع وراءه. غير أن كريم رضي لم يدخل الغربة أعزل. حمل توبلي في ذاكرته، وسترة في خبرته، وحمل البحرين كلها في نبرة صوته. كان المهاجر القديم يصطحب تمثالا صغيرا لإله مدينته، أما الشاعر فيحمل صورا لا يراها أحد سواه. نخلة تلوح له حين تضيق السماء. وجه عامل ينهض في لحظة تعب. طريق قديم يعود فجأة في رائحة عابرة. وماءان يواصلان الجريان في داخله: ماء الولادة وماء المكابدة. ثم عاد إلى البحرين، ولم تكن العودة إلغاء للرحلة، بل اكتمالا لها. إن كلكامش لم يعرف معنى أوروك كاملا إلا بعدما غادرها. قبل السفر كانت المدينة ملكه، وبعد العودة صار هو ابنها. رأى أسوارها بعين الرجل الذي واجه الموت، فعرف أن قيمة الجدار ليست في ارتفاعه، بل فيما يحفظه من حياة. وكذلك عاد كريم رضي إلى وطنه وهو يرى الثقافة مسؤولية تتجاوز فعل الكتابة الفردي.

في أسرة الأدباء والكتاب وجد بيت ألواح البحرين الحديث. هناك تحفظ الذاكرة لا في ألواح الطين، بل في القصائد والكتب والندوات والشهادات والمواقف. وحين تولى مسؤوليات ثقافية وإدارية، من الأمانة المالية إلى رئاسة اللجنة الثقافية وعضوية مجلس الإدارة، دخل امتحانا لا يقل صعوبة عن امتحان القصيدة. فالمبدع حين يعمل داخل المؤسسة يواجه سؤالا قاسيا: كيف يحمي النار من أن تخمد داخل الحسابات والتنظيمات، وكيف يمنع الفوضى من أن تلتهم النار نفسها؟ لكن العامل القديم كان حاضرا فيه. لقد تعلم في المحطة أن الطاقة تحتاج إلى شبكة، وأن الضوء لا يبلغ البيوت بمجرد وجود النار، بل بالتنظيم والصيانة والدقة والمسؤولية. وكذلك الثقافة. لا تكفي موهبة الشعراء إذا لم توجد منابر تحمل أصواتهم، ولا تكفي الكتب إذا بقيت حبيسة الصناديق، ولا تكفي حرية الإبداع إذا لم تجد مؤسسة تحرس شروطها وتدافع عنها. نقل كريم رضي أخلاق العمل إلى الفضاء الثقافي. حمل الصبر والدقة واحترام الجهد الجماعي، وعرف أن التفاصيل الصغيرة قد تقرر مصير مشروع كبير. لم يكن النشاط المؤسسي عنده خروجا من الشعر، بل امتدادا له بوسائل أخرى. فالندوة التي تنظم بعناية قصيدة جماعية، والكتاب الذي يجد طريقه إلى قارئ مجهول شكل من أشكال النور، والمنبر الذي يفسح مكانا لصوت جديد محطة أخرى لتحلية صمت العالم. ومن هنا جاءت مواقفه ونقاشاته حول الأدب وحرية المثقفين وتطوير حركة النشر في البحرين. لم تكن قضايا الحرية والنشر عناوين صحفية عابرة، بل كانت جزءا من سؤال الخلود نفسه. ماذا يبقى من الكاتب إذا حوصر صوته؟ ماذا يبقى من القصيدة إذا لم تصل؟ ماذا يبقى من الثقافة إذا تحولت مؤسساتها إلى أبواب مغلقة؟ الكتاب الذي لا يصل إلى قارئه يشبه لوحا سومريا دفن تحت الرمل قبل أن تقرأه عين. والقصيدة التي يمنع عنها الهواء كائن ولد من غير أن يسمح له بالتنفس. لذلك كان الدفاع عن حركة النشر دفاعا عن حق الذاكرة في البقاء، وكان الدفاع عن حرية المثقف حماية للعين التي ترى ما تحاول الأزمنة أن تخفيه.

اللوح الرابع: أحاديث صفية وعشبة الخلود

لم يبق كريم رضي واقفا عند باب القصيدة، بل عبر إلى المقالة والنقد والشهادة الأدبية والحوار الثقافي. كان الشاعر فيه يصغي إلى النبض، بينما كان الناقد يتفحص بنية الجسد الذي يصدر عنه ذلك النبض. جمع بين حرارة التجربة ويقظة القراءة، ولم يجعل النقد سيفا يرفعه فوق النصوص، بل مصباحا يدخل به إلى غرفها الخفية. فالناقد، في جوهره، ليس خمبابا يحرس الغابة ويمنع الآخرين من دخولها، بل أورشنابي آخر، ملاح يعرف مواضع المياه العميقة، ويعين القارئ على العبور. وإذا تحول النقد إلى استعراض للقوة، فقد وظيفته وتحول إلى جدار. أما حين يصير إنصاتا ومساءلة وكشفا، فإنه يعيد إلى النص حياته التي ربما حجبتها ألفته. وفي عنوان كتابه الشعري أحاديث صفية ينفتح باب على عالم آخر من تجربته. الحديث ليس خطابا يصعد فوق منصة، بل اقتراب صوت من روح. وصفية ليست اسما يمر في العنوان، بل جهة يتوجه إليها الكلام كي ينجو من ضياعه. كل حديث يحتاج إلى من يصغي، لأن الكلمات التي لا تجد أذنا تعود إلى صاحبها مثقلة بوحدتها. في ملحمة كلكامش أدت المرأة أكثر من دور في انتقال البطل من طور إلى طور. كانت ننسون تقرأ الأحلام وتضيء غموض الطريق. وكانت سيدوري تقف عند حافة البحر، حارسة لحكمة الحياة اليومية في مواجهة هوس الخلود. وفي أحاديث صفية تنزل الحكمة من برج الأسطورة لتجلس في جوار الإنسان. لا تأتي في هيئة نبوءة تهز السماء، بل في كلام حميم يعيد ترتيب الوحشة، ويمنح اليومي قدرة على أن يحمل أسئلته الكبرى.

شارك كريم رضي في الفعاليات والمهرجانات الشعرية الخليجية والعربية، ومنها مهرجان دارين، لكنه لم يصعد المنصة بوصفها عرش أوروك. كان يدخلها حاملا لوحه بين ألواح الآخرين. لكل شاعر طينه الخاص، ولكل قصيدة جرحها، ولكل صوت طريقته في مواجهة الصمت. وحين تجتمع القصائد لا تلغي إحداها الأخرى، بل تتحول القاعة إلى مدينة مؤقتة، أسوارها الإصغاء، وأبوابها مفتوحة على المعنى. أدرك كريم رضي أن إنكيدو لا يموت مرة واحدة. يموت في صديق يغادر، وفي حلم ينطفئ، وفي عامل يستهلكه التعب، وفي شاعر يخنقه الصمت، وفي كتاب يتعثر وصوله إلى الناس. وكل موت من هذه الميتات يعيد السؤال القديم: ماذا يفعل الإنسان أمام الفناء؟ كلكامش هجر أوروك وقطع الفيافي وعبر مياه الموت كي يجد عشبة تعيد الشباب، ثم نام لحظة قرب الماء، فجاءت الحية وسرقت العشبة. عاد خالي اليدين، لكنه لم يعد خالي الروح. عرف أن الخلود الذي بحث عنه في جسده كان قائما أمامه في المدينة التي بناها، وفي اللوح الذي سيحمل حكايته إلى أزمنة لم يرها.

وكريم رضي لم يذهب إلى أقاصي الأرض بحثا عن عشبة، بل بحث عنها في اللغة. كان يعرف أن القصيدة لا تمنع الموت، لكنها تمنع النسيان من أن يكون كاملا. لا تعيد الغائب إلى مجلسه، لكنها تحفظ نبرة صوته. لا توقف الزمن، لكنها تقتطع منه لحظة وتمنحها جسدا يستطيع القارئ أن يوقظه كلما فتح الكتاب. هذه هي عشبة الشاعر: كلمة لا يحتفظ بها لنفسه. وما إن تخرج القصيدة إلى القراء حتى تتوزع العشبة بينهم، فلا تستطيع حية واحدة أن تسرقها. يأخذ منها قارئ في البحرين معنى، ويجد فيها قارئ في العراق صدى، ويراها آخر في عُمان أو المغرب أو الإمارات مرآة لحزنه. تبقى القصيدة واحدة، لكنها تعيش أعمارا متعددة، مثل ماء يأخذ شكل الأواني ولا يفقد جوهره. ولم يضع كريم رضي أثره في جنس أدبي واحد. وزعه بين الشعر والنقد والمقالة والشهادة والحوار والعمل الثقافي. كأنه تعلم من حكاية العشبة أن السر الذي يوضع في موضع واحد معرض للضياع. فإذا انفض المهرجان بقي النص. وإذا غاب النص عن يد قارئ بقي الموقف في ذاكرة من شهده. وإذا تبدلت الإدارات بقي ما أسهم فيه من معنى وما فتحه من باب.

يا كريم، يا ابن توبلي الذي عبر من ماء الطفولة إلى ماء المكابدة، لم تكن أوروكك مدينة تقوم خلف أسوار الآجر، بل كانت كل بقعة سعيت إلى أن تجعل للكلمة فيها بيتا. ولم تكن سترة مكان ولادتك، بل كانت موضع ولادة أخرى، حين دخلت غابة الحديد وخرجت منها حاملا معرفة العامل وصلابة من خبر النار والملح والآلة. لم يكن إنكيدو رفيقا واحدا يسير إلى جوارك، بل كان جماعة كاملة: العامل الذي تقاسم معك التعب، والقارئ الذي منح القصيدة حياة ثانية، والشاعر الذي جلست إليه في مهرجان، والصديق الذي صحح لك الطريق، والمؤسسة التي حملت معها أعباء الثقافة وأحلامها. كانوا جميعا القوة التي منعت الفرد من أن يستبد بصوته، وأعادته في كل مرة إلى معنى الجماعة. وحين يقف القارئ أمام سيرتك لا يرى رجلا هزم الموت، فتلك دعوى لا تليق بصدق الشعر، بل يرى إنسانا فاوض الفناء بالكلمة. أخذ من الأيام مادتها الخشنة، ووضعها في نار التجربة، ثم طرقها حتى خرج منها معنى يمكن أن ينتقل إلى الآخرين. وما الملحمة إلا أن يعيش الإنسان حياته المحدودة كما لو أن وراءها ذاكرة أوسع منه، وأن يبني اليوم جدارا قد يستند إليه عابر لم يولد بعد. ها هي توبلي تنهض في المساء من خلف ستائر الذاكرة. يميل النخيل قليلا، كأنه يصغي إلى وقع أقدام عائدة من زمن بعيد. وها هي سترة تشعل آلاتها، فيصعد البخار من قلب المحطة كقربان حديث، ويمر الضوء في الأسلاك نحو نوافذ لا تعرف اسم العامل الذي أطلقه إليها. وها هي الإمارات تلوح في جهة الرحلة، علامة على المسافة التي عبرها الجسد فيما ظل الوطن مقيما في الروح. وفي بيت بحريني يفتح قارئ أحاديث صفية، فتنهض الكلمات من نومها، وتمشي هادئة في الغرفة. عندئذ تكتمل الدائرة: ماء توبلي الذي أنبت الطفولة، وماء سترة الذي خرج من ملوحته، ونار الآلة التي صارت نورا، والغربة التي صارت معرفة، والتجربة التي صارت قصيدة. أما كلكامش القديم، الواقف عند نهاية اللوح، فقد توقف عن البكاء على عشبته الضائعة. رأى أن السر الذي أرسله في الماء قبل آلاف السنين بلغ شاطئا آخر، وأن الخلود لم يكن جسدا لا يشيخ، بل كلمة تعبر من فم إلى فم، ومن قلب إلى قلب. ابتسم ملك أوروك، ثم أدار وجهه نحو الأبد، فقد عرف أن العشبة لم تسرقها الحية كلها. بقيت منها بذرة، عبرت دجلة وشط العرب وماء الخليج، ثم نبتت في توبلي، ومشت على قدمين، وعملت بين نار سترة ومائها، وكتبت الشعر باسم كريم رضي.

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ٨ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:١١ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

 من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟
اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:
قراءات

من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:

اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ حميد عقبي فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، الصادرة بعنوان «مكتبة رقيب الكتب»، بجائزة «إنسايد الأدبية» الأميركية لعام 2026. وقد اختارها نحو مئتي قارئ من نزلاء السجون…

· 6 د
الدكتور حامد الظالمي..

باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة
قراءات

الدكتور حامد الظالمي.. باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة

إن دراسة تاريخ الأمة الحضاري بصورة عميقة وشاملة تتطلب البدء بدراسة تاريخ المدن التي أسهمت بنشأة تلك الحضارة لأنها كانت بمثابة المراكز التي نمت في داخلها بذور الحضارة وترعرعت على يد أبنائها قيمها وأشكالها المختلفة، فللمكان رائحة مثلما للبشر وللمكان المدينة والقرية والدربونة والزقاق جسد يمتد ويتسع…

· 10 د

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار 

قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين
قراءات

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار  قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين

رواية (عالم زي... زو) للاديب مهدي علي أزبين، صوت يناهض الواقع القائم في عصر محو القيم الإنسانية ، وموت المشاعر والأحاسيس التي تعبر عن روح الإسان ، بمعى آخر هو عالم قتل الروح الاإسانية ، وتحول دماغ الاإسان الى مجرد آلة بدون إحساس وشعور ... حيث يحضر الروبوت أكس كشخصية محورية في العالم الرقمي لحل…

· 4 د