انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

كتاب «أحيقار: حكيم من الشرق الأدنى القديم» لأنيس فريحة... مدخل عربي إلى أحد أقدم نصوص حكمة المشرق

حميد عقبي
حميد عقبي

كاتب وناقد ومسرحي يمني

11 دقائق للقراءة
21 مشاهدة
كتاب «أحيقار: حكيم من الشرق الأدنى القديم» لأنيس فريحة... 
مدخل عربي إلى أحد أقدم نصوص حكمة المشرق
مشاركة:

ضمن سلسلة العلوم الشرقية في منشورات الجامعة الأمريكية في بيروت، صدر كتاب «أحيقار: حكيم من الشرق الأدنى القديم» للدكتور أنيس فريحة، الصادر سنة 1962 وهو من أوائل المؤلفات العربية التي سعت إلى تعريف القارئ العربي بقصة أحيقار في إطار علمي رصين، بعد أن ظلت هذه الشخصية معروفة في الدراسات الأوروبية أكثر من حضورها في المكتبة العربية الحديثة. ولم يقدّم فريحة كتابه بكونه تحقيقًا جديدًا لجميع نصوص أحيقار، فلقد حدّد منذ الصفحات الأولى طبيعة مشروعه وحدوده، فكان صريحًا في بيان غايته والمنهج الذي اتبعه، وهذا منح القارئ تصورًا واضحًا لما ينتظره في الكتاب.

كتاب «أحيقار: حكيم من الشرق الأدنى القديم» لأنيس فريحة... 
مدخل عربي إلى أحد أقدم نصوص حكمة المشرق

يؤكد المؤلف في مقدمته أن هدفه الأساسي هو إيصال حكاية أحيقار إلى القارئ العربي في صورتها الأدبية التي استقرت في التراث السرياني ثم انتقلت إلى العربية، مع تعريفه بتاريخ النص وتطوره، ولم يهدف إلى إعداد طبعة نقدية جديدة لجميع الشواهد المعروفة. ولذلك أعلن بوضوح أنه لم يطمح إلى دراسة كل المخطوطات السريانية، ولا إلى تحقيق النصوص الآرامية أو اليونانية أو غيرها، لأن ذلك يتطلب اختصاصًا لغويًا مختلفًا، وقد سبق أن تناوله باحثون آخرون. ومن ثم حدد نطاق عمله منذ البداية، ولم يدّعي ما لم يقم به، ولم يوهم القارئ بأنه سوف يقدم الكلمة الأخيرة في تاريخ النص.

ولهذا السبب اعتمد فريحة أساسًا على النص السرياني، مستفيدًا من المخطوطة التي نشرها المستشرق إدوارد ساخو، ومن الترجمة الفرنسية لفرنسوا نو، ثم قابل ذلك بالرواية العربية، وجعل منهما أساس عمله في الترجمة والشرح. أما النصوص الآرامية واليونانية وسائر التقاليد النصية، فقد رجع إليها من خلال ما نشره المتخصصون، دون أن يدّعي تحقيقها أو إعادة قراءتها من أصولها.

وسوف نجد أن المؤلف قد اشار كذلك إلى أن النصين السرياني والعربي لا يمثلان المرحلة الأولى من القصة، وإنما يعكسان صورتها الأخيرة بعد أن استوعبت إضافات وتوسعات كثيرة تراكمت عبر القرون. لذلك لم يكن هدفه تتبع كل زيادة أو نقص بين المخطوطات، ولا رسم تاريخ تفصيلي لتطور النص، وإنما تقديم الرواية في شكلها الأدبي الذي اشتهر في التراث المشرقي، مع مقدمة تاريخية شرحت أصولها وانتقالها بين اللغات والثقافات. وبهذا المنهج قدّم الباحث أنيس فريحة كتابًا ثقافيًا وعلميًا في آن واحد؛ وهو لم يخاطب المحققين المتخصصين في فقه المخطوطات، لكنه سعى إلى فتح باب هذا التراث أمام القارئ العربي، مع الالتزام بالأمانة العلمية وتحديد حدود عمله منذ البداية.

البنية العلمية للمقدمة

تتميز مقدمة أنيس فريحة ببناء علمي متماسك جمعت بين الإيجاز والإحاطة. فهي لا تقتصر على التعريف بقصة أحيقار، وإنما ترسم للقارئ خريطة تساعده على فهم البيئة التي نشأ فيها النص، والطرائق التي انتقل بها بين اللغات والثقافات، دون أن تتحول إلى دراسة مطولة في تاريخ المخطوطات أو فقه اللغات السامية. وقد أحسن المؤلف اختيار القضايا التي يحتاجها القارئ لفهم الكتاب، فقدمها في ترتيب منطقي يبدأ بالشخصية، ثم زمن الرواية، ثم وضح بشكلٍ مختصر انتقالها بين الأمم، ثم إلى النص نفسه. كما عرض أهم الآراء العلمية المتصلة بأصل القصة ومراحل تطورها، لكنه اكتفى بخلاصاتها، وابتعد عن تتبع تفاصيل الخلافات بين الباحثين، إدراكًا منه أن مناقشة تلك المسائل تستلزم مؤلفًا مستقلًا. ومن الجوانب اللافتة أيضًا شرحه المختصر للأعلام والأسماء التاريخية، مع ضبط نطقها وبيان أصولها اللغوية كلما دعت الحاجة، وهو ما يهيئ القارئ للدخول إلى المتن دون ارتباك. وهكذا جاءت المقدمة نموذجًا للتقديم العلمي الرصين الذي يوازن بين الدقة والوضوح، ويمنح القارئ المفاتيح الأساسية لفهم النص، ثم يفسح المجال للحكاية كي تتصدر المشهد، وبذلك نجد أن كل هذا ينسجم مع الغاية التي أعلنها المؤلف منذ البداية، وهي تقريب هذا الأثر الأدبي إلى القارئ العربي بلغة واضحة ومنهج منظم، بعيدًا عن الإغراق في الجدل الأكاديمي أو التفريعات التي قد تصرف الانتباه عن النص نفسه.

الهوامش كأداة للفهم لا للاستعراض

من أبرز مزايا كتاب أنيس فريحة حسن توظيف الهوامش، إذ جاءت جزءًا من منهجه في التيسير، وليست وسيلة لاستعراض المعرفة أو إثقال الصفحات بالمناقشات. سنلمس أنه اقتصر في تعليقاته على المواضع التي تستدعي توضيحًا حقيقيًا، مثل شرح بعض الأعلام، وبيان طريقة نطق الأسماء، أو تفسير لفظة قديمة، أو توضيح تعبير اصطلاحي قد يلتبس على القارئ. كما يفسر بعض الأرقام الواردة في الرواية بوصفها أساليب بلاغية تدل على الكثرة لا على الحصر العددي، ويشير أحيانًا إلى أثر البيئة السريانية في بعض التراكيب العربية التي قد تبدو غريبة للقارئ المعاصر، موضحًا أنها تعكس خصائص لغوية مألوفة في بلاد الشام، وليست أخطاء في النص. ويستثمر الهوامش أيضًا للإشارة إلى أبيات شعرية، وأمثال عربية ولبنانية، ونصوص من المزامير، وبعض الروايات المنسوبة إلى وهب بن منبه، ليبين امتداد الحكمة في التراث المشرقي، من غير أن يقطع تسلسل القراءة أو يزج بالقارئ في مناقشات مطولة حول قضايا التأثير والاقتباس. وحتى عند تعليقه على الرواية العربية أو بعض مقاطع «ألف ليلة وليلة» يكتفي بتصويبات يسيرة أو توضيحات لغوية موجزة، ثم يعود مباشرة إلى المتن. وبهذا التوازن يمكن القول أن فريحة نجح في أن يجعل الهامش معينًا على الفهم وليس منافسًا للنص، وهذا يساعد القارئ أن يتابع الحكاية بانسياب، وكذلك يتلقى القدر الضروري من الشرح والإحالة دون أن يشعر بأن القراءة تحولت إلى دراسة نقدية مثقلة بالتفريعات المعقدة.

تصور أنيس فريحة لأصل قصة أحيقار وتطورها

يعرض أنيس فريحة مسألة أصل قصة أحيقار بروح الباحث الذي يوازن بين الآراء المختلفة دون أن يحول كتابه إلى ساحة للجدل الأكاديمي. فهو يستعرض بإيجاز أهم الفرضيات المتعلقة بالشخصية والنص، ويرى أن أحيقار قد يكون شخصية أدبية أكثر منه شخصية تاريخية يمكن إثبات وجودها على وجه اليقين. ثم ينتقل إلى مناقشة البيئة التي نشأت فيها القصة، فيرجح أصلها الآشوري، مستندًا إلى أسماء الأشخاص، وأسماء الآلهة، وبعض الألفاظ التي يرى أنها تنتمي إلى البيئة الآشورية، قبل أن تُنقل الرواية في مرحلة مبكرة إلى الآرامية. ويشير إلى أن انتقالها إلى جماعات يهودية ناطقة بالآرامية أضفى عليها بعض الأسماء والملامح ذات الطابع اليهودي، وهذا انعكس لاحقًا في انتقالها إلى اليونانية وغيرها من اللغات. كما يورد رأي نولدكه القائل إن تأليف القصة جاء بعد عهد الملك أسرحدون، وليس في زمنه، ويستدل بما كشفت عنه وثائق فيلة الآرامية لتأكيد قِدم الرواية وسبقها للعصر المسيحي. ومع ذلك، لا يتوسع في مناقشة الأدلة الفيلولوجية أو الاعتراضات المقابلة، لكننا سنجد أنه أكتفى بعرضها في حدود خدمة فهم النص. ويبدو حرصه واضحًا على ألا يتحول كتابه إلى دراسة متخصصة في تاريخ النصوص، لأن هدفه الأساسي بقى تعريف القارئ العربي بأحيقار ورحلته الثقافية، وليس الفصل النهائي في القضايا التي ما تزال موضع بحث بين المتخصصين.

أحيقار في الأدب الديني اليهودي والمسيحي

يفرد أنيس فريحة جانبًا من كتابه لبيان حضور أحيقار في الأدب الديني اليهودي والمسيحي، لكنه عالج هذا الموضوع بالقدر الذي يخدم فهم القصة، وليس كدراسة مستقلة في تاريخ الأسفار. فبدأ بالتعريف الموجز بسفر طوبيا، واشار إلى اختلاف نسخه في عدد من اللغات ولكنها جميعًا ظلت محتفظة بروح واحدة، ثم استعرض بإيجاز آراء الباحثين في زمن تأليفه، دون التوقف طويلًا عند تفاصيل الخلافات النصية.

وسنلمس أن الكتاب يبين أن أحيقار يرد في هذا السفر بوصفه قريبًا لطوبيا وموضع ثقته، ومن هذه الإشارة يمكن فهم أن شخصية أحيقار كانت معروفة ومتداولة عند مؤلف السفر، وأن الرواية اليهودية أعادت توظيفها داخل سياقها الديني. ثم ينتقل بنا إلى سفر يشوع بن سيراخ، ويلفت إنتباهنا إلى كثرة الحكم التي تتقاطع مع أدب أحيقار، ويورد أمثلة على تشابه بعض العبارات والصيغ الخطابية، وسنجد اشارة إلى حضور أثر هذه الحكمة في المزامير وبعض نصوص العهد الجديد.

إذن لم يسعى فريحة إلى إثبات اقتباس مباشر في كل موضع، ولكنه حرص على إظهار اتساع دائرة انتشار هذا التراث الحكمي في الأدب الديني المشرقي. و قام بعرض موجز لهذه الصلات في لغة واضحة ومكثفة، متجنبًا الخوض في القضايا اللاهوتية أو النقدية التي قد كانت سوف تطغى على الهدف الأساسي للكتاب، أي تعريف القارئ العربي بمسيرة أحيقار وانتقال حكمته بين الثقافات والنصوص.

أحيقار والحكمة العربية

لم يكتفي أنيس فريحة بتتبع انتقال قصة أحيقار بين اللغات القديمة، لكنه انتبه أيضًا إلى أصدائها في التراث العربي، وقدم هذا الجانب بإيجاز بعيد عن المبالغة أو الأحكام القطعية. توقف عند شخصية لقمان، وحاول بشكل مختصر جدًا أن يميز بين لقمان الذي عرفته الروايات العربية الجاهلية ولقمان المذكور في القرآن الكريم، مستعرضًا اختلاف أقوال المفسرين والرواة حول شخصيته، من غير أن يرجح رأيًا حاسمًا. ثم عرض نماذج من الحكم المنسوبة إلى لقمان في كتب الجاحظ، ووهب بن منبه، وابن عبد ربه في العقد الفريد، والأبشيهي، وكأن هدفه أن نفهم بأن الحكمة ظلت تنتقل بين الثقافات وتُصاغ في صور متعددة، مع احتفاظها بجوهرها الأخلاقي والتربوي. ولم يذهب المؤلف إلى القول إن هذه النصوص منقولة مباشرة عن أحيقار، لكن اكتفى بالإشارة سريعة إلى أوجه التشابه التي تستحق الانتباه، تاركًا للقارئ والباحث مهمة التوسع في المقارنة.

ويظهر المنهج نفسه في إشاراته إلى الأمثال العربية وبعض الأخبار المتداولة، فهو قام بعرضها بصفتها شواهد على استمرار التراث الحكمي في الثقافة العربية. وبهذا يجح فريحة لحد كبير في رسم صورة متوازنة للعلاقة بين أحيقار والحكمة العربية، تقوم على التقارب التاريخي والثقافي، دون أن يثقل النص بفرضيات ونظرياب يصعب البرهنة عليها أو بخلافات مطولة بين الباحثين، وظل محافظًا على وضوح العرض وسلاسة القراءة.

الخرافة والحكمة في رؤية أنيس فريحة

يختم أنيس فريحة كتابه بالانتقال من شخصية أحيقار إلى فن الحكمة والخرافة، ووضع القصة ضمن سياق أدبي أوسع يمتد في حضارات الشرق القديم. ويرى أن الخرافة لم تنشأ لمجرد التسلية، كونها كانت وسيلة تعليمية تقوم على الرمز والإيحاء، حيث تُنسب الأقوال إلى الحيوان أو النبات أو عناصر الطبيعة لتوصيل المعنى الأخلاقي والسياسي بأسلوب غير مباشر. وذكر بأن هذا الفن ازدهر في البيئات التي احتاجت إلى تعليم أبناء الملوك وأصحاب السلطة، فلقد كانت الحكمة المرموز إليها أبلغ أثرًا من الوعظ المباشر. ومن هذا المنطلق تمكن مم الربط بين أحيقار وإيسوب ولقمان، بكونهم كانوا يمثلون تقاليد متقاربة في توظيف الحكمة، مع احتفاظ كل واحد منهم بخصوصيته الثقافية. كما عمل على التميز بين نوعين من الحكم؛ أحدهما يقوم على التعليم والإرشاد، والآخر يعتمد التوبيخ والتحذير من الرذائل وسوء العاقبة. وسنجد اشارة كذلك إلى أن بعض المختصرات العربية الحديثة التي تناولت خرافات إيسوب أساءت إلى هذا التراث باختصارها المخل وتشويهها للنصوص الأصلية، لكنه اورد هذه الملاحظة دون أن يسترسل في نقدها. وهكذا حرص أن يظل وفيًا لمنهجه الذي تأسس على الإشارة المركزة، مكتفيًا بفتح أبواب البحث أمام القارئ، مع إبقاء الكتاب موجهًا إلى التعريف بأحيقار وحكمته، وليس إلى كتابة تاريخ شامل لفن الخرافة أو الأدب التعليمي في الحضارات القديمة.

الترجمة العربية وخصائصها الأسلوبية

يشعر القارئ بأن ترجمة أنيس فريحة حرصت على الوضوح والموازنة بين الأمانة للنص السرياني وسلامة الأسلوب العربي. فلم يتجه إلى الترجمة الحرفية التي تنقل تراكيب اللغة الأصلية كما هي، ولم يلجأ في المقابل إلى إعادة صياغة الروايةحتى لا يبعدنا عن بنيتها، يبدو أنه اختار لغة عربية فصيحة سهلة للمحافظة على روح السرد ولجعله قريبًا من القارئ المعاصر. وظهر هذا المنهج كذلك في تعامله مع المواضع التي تأثرت فيها الرواية العربية بالبيئة السريانية، إذ يوضح في الهوامش أن بعض التراكيب التي قد تبدو ناقصة أو غير مألوفة ليست أخطاء، وإنما عكست أساليب تعبير كانت شائعة في العربية المحكية في لبنان والشام، حيث تُختصر بعض العبارات أو تُحذف بعض الأدوات. كما كانت تصويباته للنص العربي على المواضع التي تستدعي التوضيح فعلًا، من غير أن يفرض على الرواية معيارًا لغويًا صارمًا يفقدها طابعها التاريخي أو متعة القراءة. ولهذا يمكن القول بأن الترجمة بدت متوازنة؛ فهي حافظت على نبرة النص الحكمي، وابقت الحوار والسرد في صورة تبدو لنا كقراء أنها طبيعية، إذن كان تدخل المترجم بأقل قدر ممكن، لعل هدفه كان بألا يشعر القارئ بوجود حاجز بينه وبين الرواية.

وتظهر هذه السلاسة ليست نتيجة تبسيط مخل، لكنها ثمرة اختيار واعٍ ليجعل النص مقروءًا وهذا كان المحور الرئسي للكتاب، ويجعلنا نفهم أن الترجمة وسيلة لنقل الأثر الأدبي والثقافي بأكبر قدر من الوضوح والانسجام.

القيمة العلمية والثقافية للكتاب

تكمن قيمة كتاب «أحيقار: حكيم من الشرق الأدنى القديم» في أنه محاولة واعية لوضع أحد أهم نصوص الحكمة في الشرق الأدنى في دائرة الثقافة العربية الحديثة بعد أن ظل زمنًا طويلًا حكرًا على الدراسات الأوروبية. ويبدو أن أنيس فريحة نجح فعلاً في تحقيق هذا الهدف بجمعه بين التقديم التاريخي المختصر، والترجمة السلسة، والهوامش المنتقاة، ونشعر أننا مع كتاب متوازن بين الإفادة العلمية وسهولة القراءة.

كما امتاز المؤلف بوضوح منهجه؛ فلم يدّع تحقيق جميع المخطوطات، ولم يزعم الفصل في القضايا الخلافية المتعلقة بأصل النص أو تطوره، بل التزم حدود المشروع الذي رسمه لنفسه، وأحال القارئ إلى أهم الآراء دون أن يغرقه في تفاصيلها. ولذلك ظل المتن هو مركز الكتاب، وجاءت المقدمة والهوامش كأدوات لللفهم وليست بدائل عن النص الأصلي.

ويمثل هذا العمل إحدى أولى المحاولات الجادة لتقديم أحيقار بلغة عربية رصينة، مع ربطه بالأدب الديني، والحكمة العربية، والخرافة، والأمثال، في إطار ثقافي واسع. ورغم أن دراسات كثيرة صدرت بعده واستفادت من اكتشافات ومناهج أحدث، فإن كتاب فريحة ما يزال يحتفظ بقيمته بكونه مدخلًا علميًا متينًا، يمتاز بالاعتدال، والوضوح، واحترام عقل القارئ، ويقدم نموذجًا ناجحًا لكيفية تبسيط موضوع بالغ التعقيد دون الإخلال بأمانته العلمية.

كتاب «أحيقار: حكيم من الشرق الأدنى القديم» لأنيس فريحة... 
مدخل عربي إلى أحد أقدم نصوص حكمة المشرق

تبقى بعض الجوانب التي تستحق التنويه ومنها أن أنيس فريحة لم يكتف بنقل نص سرياني إلى العربية، لكنه سعى إلى بناء جسر ثقافي يصل القارئ العربي بتراث مشرقي ظل طويلًا بعيدًا عن متناول المكتبة العربية. ويظهر هذا الحرص في حسن ترتيب مادته، والانتقال الهادئ بين التاريخ واللغة والأدب، ثم العودة دائمًا إلى النص بكونه محور الكتاب.

كما امتاز فريحة باحترامه للقارئ؛ فلم يخفِ ما يجهله، ولم يدّعِ حسم القضايا كلها التي لا تزال موضع نقاش، لكنه ميّز بوضوح بين ما يثبته الدليل وما يمكن فهمه من الترجيح وكذلك ترك القضايا المعقدة التي ماتزال في دائرة البحث. وسوف يشعر القارئ أن هذه الأمانة المنهجية منحت الكتاب قيمة لا تقل عن قيمة ترجمته نفسها.

ومن المهم الإشارة في ختام هذه المادة بأن المؤلف حافظ على حضور الحكمة بصفتها رسالة إنسانية تتجاوز الحدود الدينية والقومية واللغوية، وسنجد في ثنايا صفحات هذا العمل إشارات إلى حضارات ونصوص متباعدة، دون أن يفقد القارئ خيط السرد أو يشتت انتباهه. ولعل هذه القدرة على التبسيط المنظم هي أبرز ما يميز الكتاب؛ فنحن مع عمل يصلح للقارئ العام والباحث المبتدئ، ورغم مرور العقود على صدوره ومايزال حاضرًا، ويمكن القول بأنه من أحد أهم المداخل العربية الرصينة للتعرف إلى قصة أحيقار وتراثها، وكأن فريحة وجه إلينا دعوة هادئة إلى العودة إلى المصادر الأصلية وكذلك متابعة ما يستجد من دراسات في هذا الحقل.

مشاركة:

آخر تحديث: ٦ آب ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

فلسفة الغراب الأخضر: صدمة البساطة في القصيدة الهولندية
قراءات

فلسفة الغراب الأخضر: صدمة البساطة في القصيدة الهولندية

فلسفة الغراب الأخضر: صدمة البساطة في القصيدة الهولندية مهدي النفري ( هولندا) لماذا تكون القصيدة الهولندية غير عميقة في لغتها للوهلة الأولى بل هي أقرب إلى السطحية؟ ثمة قاعدة ذهبية غير مكتوبة في الثقافة الشعرية الهولندية تُعلن أن العمق لا يحتاج إلى زينة. وما قد يظهر للقارئ العربي المعتاد على جزالة…

· 2 د
جمرة القص القصير والاحتراق فيه

 في (سبعَ طباق) لعلي لفة سعيد
قراءات

جمرة القص القصير والاحتراق فيه  في (سبعَ طباق) لعلي لفتة سعيد

الكاتب علي لفة سعيد الذي كتب المقال الصحفي والرواية والقصة القصيرة والنقد ،الكاتب سعيد أخلص لهذا الفن السردي من الفنون الابداعية لمدة عقود ، وما زال يواصل الكتابة، وسرعان ما لجأ إلى التجديد في الشكل والمضمون، فأصبحت لغته أكثر تكثيفا ومال إلى توظيف الرمز في مسروداته، والذي أثار وما زال يثير تساؤلات…

· 5 د
عمران الشعراء .. سبعة بيوت وساكن وحيد

قراءة في شعرعبود الجابري
قراءات

عمران الشعراء .. سبعة بيوت وساكن وحيد قراءة في شعرعبود الجابري

يحمل معه المكان مثل حقيبة السفر، عبود الجابري، لا يعرف الترحال إلى مدن الشعر دون الأمكنة، وما يريده الشاعر سوى: مكان وحزن وقلب، أمتعة لأناشيده، ضرورات يؤثث بها أبياته الشعرية، والمكان محطات سعادته أو حداده، الجابري لا تضيع عنده مسيرة الأبيات، فبات بيتًا لذلك. القصيدة بيت غريب: لتتكدس المسافات،…

· 3 د