استطاع الشاعر أن يمتلك قدرًا من الحرية في الكتابة الشعرية الحديثة، فظهرت قصيدة النثر استجابة للتغيرات الثقافية والاجتماعية، ورغم الإشكاليات الكثيرة التي أثارها بعض النقاد ولا زالت إلا أن سنّة التطوّر لا زالت تفرض نفسها على واقع الشعرية المعاصرة، وقد شكّك بعض النقاد بالهوية الاصطلاحية لقصيدة النثر، وطرحوا إشكالات عدّة من ضمنها تسميتها، وهي برأيهم تسمية خاطئة لا تستند إلى حقائق منطقيّة في محاولتها الجمع بين نقيضين (القصيدة، النثر)، وقد صنّفها بعضهم ضمن الأدب الفوضوي والتمردّي لا الإلتزامي، وبأنها لا تمثّل خطّاً منهجيّاً بكونها جنسًا وشكلاً أدبيّاً مستقلّاً.
ولا أريد الخوض مفصّلاً في مناقشة الآراء الكثيرة الرافضة لقصيدة النثر أو المناصرة لها، فقد دار جدال واسع وعريض منذ أكثر من ثلاثة عقود، وكلٌّ أدلى بدلوه، والحقيقة أن شعراء قصيدة النثر المخلصين لها ما زالوا يكتبون بالجذوة الأولى نفسها، ولا يعبئون لما قيل أو سيُقال.
وما أثار انتباهي ميل بعض شعراء القصيدة الكلاسيكية المعاصرة لكتابة قصيدة النثر، حتى أن أغلبهم أصدر ديواناً يتضمّن قصائدهم التي كُتبت حسب قواعد هذا الجنس الإبداعي الجديد، وكانوا يضعون عتبةً في أعلى الواجهة أو أسفلها، مثل: (نصوص نثرية) أو (نصوص) أو (النص المفتوح)، أو (النثيرة)، أو (النثر المركز)، وغيرها من التسميات، محاولةً منهم للابتعاد عن أيّ تسمية تربط هذا النمط من الكتابة بالشعر.
ورأيي أن الشعر لا ينحصر بقوالب معيّنة أو قواعد محدّدة مسبقًا في مستوياته كافّة الدلالية أو الجمالية أو الموسيقية أو التأثيرية، فهو شحنة عاطفيّة مركّزة مضغوطة بفكرة مشعّة، يحقّق فعله الإبداعي في نفس المتلقي سواء أكان موزونًا مقفّى أو نثرًا.
والمجموعة التي أنا بصددها للشاعرة العراقية المبدعة إيمان عبد الستار بدير تتضمّن قصائد نثر عميقة ومبدعة، مثّلت خصائص قصيدة النثر من التركيز والإيحاء والكثافة والترميز والاهتمام بالهامشي واليومي، وفكرة القصائد عامّة وجودية غائمة وذاتيّة مشبعة بانشطار الأنا والترقّب والانتظار بلغة شفافة لا تبوح بالمعاني مباشرة إنّما تلمحها مشعّة ناصعة.
وحقيقةً لم أكن أتوقع من الشاعرة ذلك، لأنها شاعرة عرفها الوسط الأدبي البابلي والعراقي تكتب القصيدة العمودية الكلاسيكية المعاصرة، وتوقّعت ألّا تجيد كتابة قصيدة النثر لما بين الكتابتين من فروق شاسعة على مستويات مختلفة، حتى على مستوى التغريب الذاتي والتشظّي اللغوي، فهما من شروط الكتابة النثرية المركّزة، لكنني وجدتها في هذه المجموعة الشعرية تكابد المعنى بفوضويّة اللغة العارمة لتكتب لنا قصيدة نثر مختلفة بأسلوبها الشفيف لتثبت أنها مبدعة بما حازت من شروط الإبداع في الشكل العمودي والنثري.
فالعنوان هو العتبة الأولى التي يطلّ منها القارئ إلى جوهر النصوص، وقد وضعت الشاعرة عنوانًا مهيمنًا لقصائدها، يشي بدلالاتها المضمرة تحت مجامر اللحظة الشعرية، فـ (غروب الأناشيد) هو غروب للطفولة والبراءة والقوّة والحبّ والحياة بشكلها الواسع، وربما غروب لابتسامة غير مرئيّة على ملامح حياة بسيطة، فكان عنوان المجموعة دالّاً ورابطًا لكلّ المعاني الأخرى المخبّأة في القصائد.
تقول الشاعرة:
(هي مُحاولةٌ
لجمعِ ما تَناثرَ من اسمي
لترميم الخوف
الذي يبشّرني
بالضّياع)
نلحظ الغياب الكلي لذات الشاعرة، وتناثر وجودها الذي رمزت إليه (باسمها)، وهذا الخوف الذي يبعثرها باسم الوجود، لذلك استعملت الاستعارة التهكمية (يبشرني بالضياع) للسخرية وهي تحاول أن ترمم خوفها.
نلحظ هذا التماهي في استهلاك قوى المعنى والغياب تقريبا في أغلب القصائد، من ذلك قولها:
(هي
لا شيءَ
فقد صارت
تمثالاً من صخر
يراقبُ تشظّي ذاته
في صمتٍ
أجوف)
الصمت أمام هذا التشظّي المربك للذات هو محو للذات، (هي لا شيء)، وأي معنى أكثر رسوخًا من هذا الإلغاء للذات الشاعرة، وهذا يُنبئ عن غربة ثقيلة تسحب الشاعرة إلى عزلة مخيفة في صمت أجوف.
وتؤكد هذا المعنى في قصيدة أخرى، تقول الشاعرة:
(لا أعرف من أنا
ولا من أكون
في هذا العالم
الذي غَدَا باهتًا
كسماء اللوحة
في هذا المكان الذي لا مكان له)
لم تعد تتعرّف على نفسها، فالعالم باهت ليس كما كان، كأنه سماء لوحة رسمها فنان بألوان باهتة غير متناسقة وجامدة لا حياة فيها، حتى المكان أصبح غريبًا، وهذا تأكيد لغربة الشاعرة التي أصبحت خارج سياج الحياة والعالم، وتنظر من فوق فلا ترى العالم الذي كانت تتأمّل أن يكون.
وفي قصيدة تصرخ الشاعرة بهدوء (رويدًا إلى العدم)، ثم تتدلّى في قصيدة أخرى لتقول كأنَّيَ آخرُ غيمةٍ... تتهاوى من سماءِ العزلةِ)، وتشطب الزمن كما شطبت المكان في قصيدة بحث عن الذات (لا وجودَ للزمن الماضي، الحاضر، المستقبل)، ولتؤكد أن هذه الحياة هي العبث في بوحٍ آخر:
(وحدنا يا صديقي
نصنعُ معنى
لهذا العَبَثِ))
كانت الشاعرة إيمان تكتب تجربتها بصدق، تبوح بلغة غيبيّة لتصف اللاحياة التي اضطرت لتكون جزءًا منها، لكنها حاولت تكسير المرايا التي تحيط بها وتستبدلها بذاتها وغربتها، فما أسهل الشطب بالنسبة لشاعرٍ، فكلماته تفعل ما يشاء، لكن الحكاية تأخذ مسارًا آخر لتعترف باللاجدوى التي ستكون منزلاً لصراخها الهادئ وتمرد نصوصها بأفكارها المفتوحة كرغبةٍ أخيرة وربما محاولة لتأثيث الخراب.
تقول الشاعرة في آخر نص من مجموعتها:
(وانتهت بي الحكاية تاركةً قلبي ينزفُ من شدّةِ البكاء
ومن صوتِ الخراب
ومن كتابةِ نصٍّ متذبذبٍ بفكرةٍ مفتوحةٍ
ستبقى في اللاجدوى).
ما قدمته ليس قراءة مفصّلة لديوان الشاعرة إيمان عبد الستار، إنما هو تقديم بسيط حاولت فيه الكشف عن مخطط المعنى في مجموعتها هذه بشكل موجز، وللناقد المتفحصّ إذا ما أراد الخوض في دراسة تجربتها هذه، سيجد مراعيًا ساحرة تمتدّ من الذات إلى الغربة يستغني بها قلمه لوصف تجربة قيّمة عميقة.







التعليقات