انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين يتحول الماضي إلى صوت، ويغدو المكان مرآةً للذات قراءة نقدية في رواية (شيءٌ من بعيدٍ ناداني)

العربي الحميدي
العربي الحميدي

شاعر وكاتب مغربي

14 دقائق للقراءة
13 مشاهدة
حين يتحول الماضي إلى صوت، ويغدو المكان مرآةً للذات قراءة نقدية في رواية (شيءٌ من بعيدٍ ناداني)
مشاركة:

ليست رواية «شيءٌ من بعيدٍ ناداني» للأستاذ أحمد طايل روايةً عن مصر وآثارها، ولا عن الحب والرحلة والبحث في أسرار الماضي فحسب؛ فهذه العناصر، على أهميتها، لا تستنفد الدلالة العميقة للعمل. إنما تنفتح الرواية على سؤال أوسع: ما الذي يوقظ الإنسان من اعتياده، ويدفعه إلى البحث عن معنى يتجاوز حياته المباشرة؟

ومن هذه الزاوية، تبدو الرواية جزءًا من مشروع روائي يتكرر فيه سؤال الوجود بأشكال مختلفة، ولا سيما في «عيد ميلاد ميت» و«وجه آخر للحياة»؛ إذ تتجاور في هذه الأعمال ثنائيات الحياة والموت، الحضور والغياب، الذاكرة والنسيان، والماضي والحاضر. وهي ثنائيات لا تأتي في صورة مقابلات جامدة، بل تتداخل بحيث يصبح الموت أحيانًا شكلًا من أشكال الغياب، وتغدو الحياة، في المقابل، مسألة تتجاوز مجرد استمرار الجسد.

هنا تحديدًا تكتسب العبارة: «هناك من البشر من يظل حيًّا لعقود بعيدة المدى» قيمةً تتجاوز الحكمة العابرة؛ لأنها تؤسس لرؤية كاملة إلى الإنسان. فالحياة، وفق هذا المنظور، ليست عدد السنوات التي يمضيها المرء تحت الشمس، وإنما مقدار ما يتركه من أثر في الوعي الإنساني. قد يفنى الجسد، ويبقى الاسم؛ وقد يزول صاحبه، وتبقى فكرته؛ وقد ينقطع صوته، وتظل أعماله قادرة على مخاطبة أجيال لم تعرفه.

وعلى الضفة الأخرى، ثمة أحياء لا يتجاوز وجودهم حدود الوظيفة البيولوجية: يأكلون ويعملون ويتحركون، لكنهم لا يتركون في الحياة أثرًا يوازي حضورهم الجسدي. ومن هنا تنشأ المفارقة المركزية التي تقترحها أعمال أحمد طايل: «هناك أحياء فوق الأرض أموات، وهناك أموات تحت الأرض أحياء».

هذه المفارقة تعد مفتاح مهم لفهم البنية الفكرية للرواية.

من سؤال الموت إلى سؤال الأثر

في «عيد ميلاد ميت» يضع العنوان نفسه القارئ أمام تناقض ظاهري: كيف يمكن أن يحتفل الإنسان بميلاد ميت؟

غير أن المفارقة سرعان ما تنقلب إلى سؤال وجودي: هل تنتهي حياة الإنسان بانتهاء جسده؟ أم أن ثمة ولادة أخرى تحدث بعد الموت، حين يبدأ أثره في الظهور داخل ذاكرة الآخرين؟

ومن هنا يمكن فهم حضور الحضارة المصرية في «شيءٌ من بعيدٍ ناداني» على أنه امتداد لهذا السؤال، لا مجرد اختيار جغرافي أو تاريخي. فمصر، بما تختزنه من مقابر ومعابد وتماثيل ونقوش وكتب وأساطير، تقدم نموذجًا حضاريًا نادرًا لانتصار الأثر على الفناء.

لقد مات الذين شيدوا المعابد، وانقضت الدول والسلالات، واندثرت لغات وأسماء، لكن ما تركوه ظل قادرًا على استدعاء حضورهم بعد آلاف السنين.

إن الأثر هنا لا يعني مجرد بقايا مادية؛ إنه شكل آخر من أشكال الحياة.

ولهذا تبدو الحضارة المصرية في الرواية وكأنها تجيب، بصورة عملية، عن السؤال الذي طرحته الأعمال الأخرى: كيف يبقى الإنسان حيًّا بعد موته؟

الإجابة ليست في الجسد، وإنما في ما يستطيع الإنسان أن يودعه في الزمن.

مصر: المكان الذي يرفض أن يكون ماضيًا

تتأكد هذه الرؤية أكثر حين يُقرأ النص في ضوء التجربة المصرية التي عشتها سنة 2023.

لقد بدا لي، وأنا أنتقل بين القاهرة والإسكندرية وصعيد مصر، وبين الأزقة القديمة والمتاحف والمقابر والمعابد والمواقع الأثرية، أن الزمن في مصر لا يتحرك على النحو الذي اعتدنا أن نتصوره. فالماضي لا يبدو خلف الحاضر، بل يتخلله ويقيم فيه.

وهنا تتجاوز مصر وظيفتها المكانية في الرواية لتصبح بنيةً دلالية.

إنها ليست مسرحًا تقع عليه الأحداث، وإنما فضاء يغيّر معنى الأحداث نفسها. ففي مكان آخر قد تكون الآثار شاهدًا على زمن مضى، أما في مصر فإنها تبدو، في كثير من المواضع، كأنها ما زالت تمارس حضورها داخل الزمن الراهن.

ولذلك فإن قراءة الرواية في ضوء مصر المعاصرة تكشف أن المكان فيها ليس محايدًا. المكان يمتلك ذاكرة، والذاكرة تمتلك صوتًا، والصوت هو الذي يقود الشخصية إلى السؤال.

ومن هنا يصبح السفر في الرواية سفرًا مزدوجًا: انتقالًا في الجغرافيا، وانغماسًا في طبقات الذاكرة.

حين يتحول الماضي إلى صوت، ويغدو المكان مرآةً للذات

قراءة نقدية في رواية (شيءٌ من بعيدٍ ناداني)

«شيءٌ من بعيدٍ ناداني»: العنوان بوصفه جهازًا تأويليًا

من أكثر عناصر الرواية قابليةً للتأويل عنوانها: «شيءٌ من بعيدٍ ناداني».

فالكاتب لا يقول: «شخص ناداني»، ولا «صوت ناداني»، وإنما يختار كلمة «شيء»، وهي كلمة مبهمة عمدًا، تفتح الدلالة بدل أن تغلقها.

ما هذا الشيء؟

أهو الماضي؟

أم الوطن؟

أم الحب؟

أم القدر؟

أم ذاكرة مجهولة المصدر؟

أم حقيقة دفنتها السنوات ثم أخذت تبحث عن طريقها إلى الوعي؟

قوة العنوان أنه لا يمنح القارئ جوابًا نهائيًا، بل يضعه منذ البداية أمام فعل النداء. والمهم هنا ليس ماهية المنادي بقدر ما يهمنا أن ثمة شيئًا ما في الخارج استطاع أن يوقظ شيئًا نائمًا في الداخل.

وهذا يقود إلى تأويل أكثر عمقًا: ربما لا يأتي النداء من الخارج أصلًا، وإنما يكون الخارج مجرد وسيلة لاستثارة صوت داخلي كان موجودًا منذ البداية.

وعند هذه النقطة تتحول الرواية من حكاية بحث عن شيء مجهول إلى حكاية بحث الإنسان عن ذاته من خلال ما يظنه بحثًا عن العالم.

النداء: بين القدر واللاوعي

لا يعمل «النداء» في الرواية على مستوى واحد.

فهو مرةً نداء التاريخ، ومرة نداء المكان، ومرة نداء الحب، ومرة نداء المصير؛ لكنه في مستواه الأعمق نداء الذات إلى ذاتها.

وهنا تتقاطع الرواية مع البعد النفسي للرواية الحديثة، حيث لا تكون الشخصية مدفوعة دائمًا بمنطق عقلاني واضح. ثمة أحلام، ومصادفات، وإشارات، وحدوس، وذكريات بعيدة، ووقائع تبدو في ظاهرها منفصلة، لكنها تتجمع تدريجيًا حول مركز دلالي واحد.

ومن ثم لا يصبح الحلم مجرد أداة لتزيين السرد، وإنما يتحول إلى لغة ثانية للنفس.

إن ما تعجز الشخصية عن قوله في يقظتها قد يظهر في حلمها؛ وما لا يستطيع العقل تفسيره مباشرة قد يتخذ شكل رمز أو صورة أو إحساس غامض.

وهذا ما يمنح الرواية مساحة للتأرجح بين الواقعي والحدسي.

غير أن هذه المساحة نفسها تطرح على الكاتب امتحانًا فنيًا دقيقًا: متى يكون الغموض منتجًا للدلالة، ومتى يتحول إلى وسيلة لتسهيل الحلول؟

الرواية تنجح في كثير من مواضعها في إبقاء المسافة بين التفسير والسر، لكنها تقترب أحيانًا من التصريح بما كان يمكن أن تتركه للإيحاء. وكان يمكن لبعض الإشارات أن تكون أشد أثرًا لو بقيت معلقة في فضاء الاحتمال.

الحضارة المصرية: من الديكور إلى الفاعل السردي

من أهم ما يميز الرواية أن الحضارة المصرية لا تظهر فيها كخلفية سياحية للأحداث.

إنها تكاد تصبح شخصيةً سرديةً صامتة.

فالآثار لا تكتفي باستقبال الشخصيات؛ إنها تؤثر في وعيها. والنقوش لا تؤدي وظيفة وصفية وحسب، وإنما تستدعي زمنًا آخر. والحجارة لا تبدو جمادًا خاليًا من الدلالة، بل تحمل ما يشبه الذاكرة المتحجرة.

بهذا المعنى، تصبح الآثار لغةً.

غير أنها لغة لا تتكلم بالكلمات، بل بالصمود.

وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات الرواية: ما يبدو صامتًا هو الذي يتولى الكلام، وما يبدو ميتًا هو الذي يستعيد قدرته على التأثير في الأحياء.

إن الحضارة، في هذا العمل، ليست مادةً للفرجة، وإنما قوةٌ تستدعي الإنسان إلى مساءلة جذوره.

وهذا ما يجعل الماضي في الرواية حاضرًا فاعلًا، لا تاريخًا مغلقًا.

لويزا: البحث عن الآخر أم البحث عن الأصل؟

تأتي شخصية لويزا في قلب هذه المعادلة.

فهي ليست مجرد امرأة غربية تصل إلى مصر فتقع في حبها، ولا مجرد شخصية تؤدي وظيفة سردية في رحلة اكتشاف الأسرار. إنها تمثل، في أحد مستوياتها، الإنسان الذي يخرج من مألوفه بحثًا عن شيء لا يستطيع أن يسميه في البداية.

وهنا تتجاوز الشخصية إطارها الفردي لتصبح موضعًا للحوار بين عالمين: الشرق والغرب، العقل والحدس، الحاضر والماضي، المعرفة والشعور.

لكن أهمية لويزا لا تكمن في كونها «غربية» فحسب، بل في كونها شخصية تبحث عن معنى يتجاوز هويتها المباشرة.

إنها تأتي إلى المكان بوصفه آخرَ عنها، ثم تكتشف تدريجيًا أن هذا الآخر ليس غريبًا تمامًا.

وهذه النقلة هي إحدى أكثر حركات الرواية دلالة: الآخر قد يكون الطريق الأقصر إلى اكتشاف الذات.

ومن هنا يمكن فهم علاقتها بمصر لا باعتبارها علاقة سائح بمكان، وإنما باعتبارها علاقة إنسان بماضٍ يشعر، على نحو غامض، أنه يمس شيئًا أصيلًا فيه.

فريد: حين يصبح الحب وسيلة للمعرفة

أما فريد فلا يؤدي وظيفة العاشق التقليدي وحدها.

وجوده يرتبط بالمعرفة وبالمكان وبالقدرة على فك بعض شفراته، ولذلك يصبح الحب بينه وبين لويزا جزءًا من عملية اكتشاف أوسع.

وهنا تحسن الرواية الإفلات من الفخ الرومانسي الذي يجعل الحب غايةً نهائية للحكاية.

الحب في هذا النص ليس خاتمة الطريق، وإنما أحد ممراته.

إنه يساعد الشخصية على رؤية المكان، وعلى رؤية الآخر، وعلى إعادة النظر في نفسها.

وبهذا المعنى يصبح الحب فعل معرفة، لا مجرد انفعال.

زاهر الحباك وشارل: جدلية المعرفة

تحمل الشخصيات الأخرى وظائف دلالية متفاوتة، ومن بينها زاهر الحباك وشارل.

فالاسم نفسه قد يفتح بعض الإيحاءات؛ إذ يرتبط «زاهر» في الوعي اللغوي بالضياء والظهور والانكشاف، وهو ما ينسجم مع وظيفة الشخصية في الإضاءة والكشف.

أما شارل، فيمثل جانبًا من العقل الغربي الباحث عبر أدوات المعرفة الحديثة.

لكن القيمة الحقيقية لهذا التمثيل لا تكون في وضع الشرق والغرب على طرفي نقيض، وإنما في جعل كل منهما قادرًا على التعلم من الآخر.

وهنا تحسب للرواية محاولتها بناء حوار حضاري بدل إقامة محاكمة حضارية.

فالمعرفة لا تُقدَّم بوصفها ملكية حصرية لثقافة بعينها، وإنما بوصفها جسرًا يمكن أن تعبره التجارب الإنسانية المختلفة.

الحُليّ الفرعونية: ذاكرة تتخذ شكلًا ماديًا

من الرموز اللافتة في الرواية العقد الفرعوني.

فالشيء المادي يكتسب قيمة تتجاوز مادته، ويغدو علامةً على صلة خفية بين الشخصية والمكان.

إن العقد، بوصفه شيئًا يُلبس ويُحمل ويقترب من الجسد، يختلف عن الآثار الثابتة في المعابد والمقابر. إنه ينقل الذاكرة من الحجر إلى الجسد، ومن المكان العام إلى المجال الشخصي.

وبذلك يتحول الرمز إلى خيط يصل الحاضر بالماضي.

وإذا كان الأثر الحجري يقول: «لقد كنتُ هنا»، فإن الحُليّ تقول شيئًا أكثر حميمية: «إن ما كان هناك قد وصل إليّ».

وهذه النقلة من التاريخ العام إلى الذاكرة الخاصة من أنجح الحركات الرمزية في الرواية.

الزمن: لماذا يعود الماضي؟

تقوم الرواية في جانب من بنائها على الاسترجاع؛ إذ لا يُروى الماضي باعتباره مادة منفصلة، وإنما يُستدعى لكي يفسر الحاضر.

وهذا الاسترجاع ليس مجرد تقنية سردية لتأخير المعلومات، بل هو انعكاس لفكرة الرواية نفسها: الحاضر لا يُفهم إلا إذا أُصغي إلى ما سبقه.

فالماضي هنا ليس زمنًا انتهى، وإنما قوة مستمرة في تشكيل الوعي.

ولذلك فإن العودة إلى الوراء في السرد تؤدي وظيفة معرفية ونفسية في آن واحد؛ فهي تكشف خلفية الشخصية، وتفسر بعض دوافعها، وتعيد ترتيب علاقتها بالمكان وبالأشخاص.

غير أن هذا البناء كان يمكن أن يكون أكثر اقتصادًا في بعض المواضع؛ إذ إن التوسع في استعادة المعلومات التاريخية والوصفية قد يبطئ حركة السرد، ولا سيما حين تُقدَّم بعض الدلالات في صورة مباشرة كان يمكن أن تتولد طبيعيًا من الحدث.

حين يتحول الماضي إلى صوت، ويغدو المكان مرآةً للذات

قراءة نقدية في رواية (شيءٌ من بعيدٍ ناداني)

المكان باعتباره ذاكرة

تتنقل الرواية بين لندن ونيويورك والأقصر والقرى المصرية والمواقع الأثرية والمتاحف، لكن الأمكنة لا تؤدي الوظيفة نفسها.

ثمة أماكن تتحرك فيها الشخصيات، وأماكن تتحرك فيها الذاكرة.

والفرق بين الاثنين مهم.

المكان الذي لا يغير الشخصية يظل مجرد إطار، أما المكان الذي يجعلها تعيد النظر في نفسها فيتحول إلى عنصر من عناصر بناء الشخصية.

ومن هذه الزاوية، تبدو مصر المركز الحقيقي للرحلة، لأن الوصول إليها لا يعني الوصول إلى جغرافيا جديدة فحسب، وإنما الدخول في طبقة أخرى من الوعي.

بين العقل والأسطورة

تشتغل الرواية على منطقة حساسة بين العلم والأسطورة، بين الآثار بوصفها موضوعًا للبحث، والآثار بوصفها حاملةً لرموز تتجاوز التفسير العلمي المباشر.

وهذه المنطقة تمنح النص سحره، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام خطر المبالغة.

فحين يزداد حضور النبوءات والرؤى والتنبؤات، يصبح من الضروري أن يحافظ النص على قدر من التوازن حتى لا يتحول الغموض إلى بديل عن البناء الدرامي.

والرواية، في معظم مساحاتها، تستخدم هذا التوتر لإنتاج التشويق، لكنها تكون أقوى فنيًا حين تترك الرمز مفتوحًا، وأضعف حين تسارع إلى شرحه أو تثبيته في معنى واحد.

فالرمز الأدبي، في جوهره، لا يزداد قوةً بكثرة تفسيره، وإنما بقدرته على احتمال أكثر من قراءة.

الحب ليس مركز الرواية

من الخطأ اختزال الرواية في بعدها العاطفي.

الحب حاضر، لكنه لا يستأثر بمركزها الدلالي.

فثمة حب للمكان، وحب للمعرفة، وحب للإنسان، وحب للجذور، وحب بين شخصيتين؛ وهذه المستويات تتشابك بحيث يصبح الحب وسيلة لاكتشاف العلاقة بين الإنسان والعالم.

وهذا ما يمنح الجانب العاطفي في الرواية شرعيته الفنية؛ لأنه لا يعيش منفصلًا عن السؤال الأكبر المتعلق بالهوية والذاكرة والانتماء.

صورة المرأة بين الذات والرمز

تقدم الرواية المرأة في صورة أكثر تركيبًا من مجرد المحبوبة.

لويزا شخصية متعلمة، واعية، راغبة في المعرفة، وقادرة على اتخاذ القرار؛ وهي لا تنتظر أن يكتشف الرجل العالم نيابةً عنها.

أما الأم فتظهر في مساحة مختلفة، حيث تتقاطع الحنان والحكمة والعطاء والحدس.

ومن الممكن قراءة هذه الثنائية رمزيًا أيضًا: المرأة الخاصة قد تتجاور مع صورة الأم الكبرى؛ الأم التي تحيل إلى الأصل والوطن والجذر.

وهنا يقترب النص من منطقة رمزية واسعة، يصبح فيها البحث عن المرأة بحثًا عن معنى الأصل، كما يصبح البحث عن المكان بحثًا عن أمكنة الانتماء.

التشويق بوصفه استراتيجية للمعرفة

لا يقوم التشويق في الرواية على المطاردات أو المفاجآت الصاخبة بقدر ما يقوم على تأجيل الإجابة.

تُلقى الإشارة، ثم تُحجب دلالتها؛ يظهر الخيط، ثم لا يُكشف مساره كاملًا؛ وتطرح الشخصية سؤالًا قبل أن يمنح النص القارئ جوابًا نهائيًا.

وهذه تقنية ملائمة لطبيعة الرواية، لأن موضوعها نفسه قائم على البحث.

القارئ هنا لا يتلقى المعرفة جاهزة، وإنما يُدفع إلى المشاركة في إنتاجها.

لكن نجاح هذه التقنية مرتبط بمقدار الاقتصاد في المعلومات. فحين تكثر الشروح، ينخفض منسوب التوتر، لأن القارئ يحصل على ما كان ينبغي أن يكتشفه بنفسه.

اللغة بين الشعرية والتقرير

تميل لغة الرواية إلى الوصف والإيحاء، وتقترب في مواضع من النبرة الشعرية، خصوصًا عند الحديث عن مصر وآثارها والماضي.

وهذه الشعرية مناسبة لطبيعة الموضوع، لأن الحديث عن الحضارة والذاكرة والخرائب والأحلام يحتاج إلى لغة تتجاوز التقرير المباشر.

لكن اللغة الأدبية لا تصبح أكثر شعرية بمجرد تراكم الصفات والصور.

إن الشعرية الحقيقية تنشأ من اقتصاد العبارة، ودقة الصورة، وعمق المفارقة، وقدرة الجملة على ترك صدى بعد انتهائها.

ومن هنا تبدو بعض المواضع بحاجة إلى قدر أكبر من التكثيف، بحيث يُترك للقارئ مجال لاستكمال المعنى بدل تقديمه كاملًا.

الرواية عند تخوم عدة أجناس

يصعب وضع «شيءٌ من بعيدٍ ناداني» في خانة واحدة.

فهي تلامس الرواية التاريخية من خلال حضور الحضارة المصرية، والرواية الرومانسية من خلال علاقة الشخصيات، ورواية الرحلة من خلال انتقالاتها المكانية، والرواية النفسية من خلال الأحلام والهواجس والأسئلة الداخلية.

غير أن قيمتها لا تأتي من اجتماع هذه العناصر فحسب، وإنما من محاولة جعلها تخدم سؤالًا واحدًا: كيف يبحث الإنسان عن ذاته حين يعثر على جزء منها في مكان لم يكن يتوقع أن يجدها فيه؟

وهذا السؤال هو الذي يمنح العناصر المتعددة وحدتها الداخلية.

ملاحظات نقدية: أين يمكن أن تكون الرواية أشد قوة؟

إن الاحتفاء بالرواية لا يعفي القراءة النقدية من مساءلة مواضعها الفنية.

ومن أبرز ما يمكن ملاحظته الاستطراد في بعض المقاطع الوصفية والتاريخية، ولا سيما حين تتكرر المعلومات الأثرية أو تُقدَّم الأفكار الفلسفية في عبارات مباشرة.

والرواية تكون أكثر قوة حين تجعل الفكرة تنبثق من الفعل، لا حين تجعل الشخصية تتحول إلى لسان للمؤلف.

فالفرق بين الأدب والفكر المصرَّح به أن الأدب يمنح القارئ فرصة اكتشاف الفكرة من خلال التجربة.

ومن ثم كان يمكن لبعض المواضع أن تستفيد من الحذف والتكثيف، ومن توزيع المعلومات على المشاهد بدل تجميعها في مقاطع تفسيرية طويلة.

كذلك فإن بعض الرموز، حين تُشرح أكثر مما ينبغي، تفقد جزءًا من غموضها الخلاق.

والقارئ ليس بحاجة دائمًا إلى أن يُقال له ماذا يعني الرمز؛ يكفي أحيانًا أن يوضع أمامه في اللحظة المناسبة، وأن يُترك يتفاعل معه.

وهذا لا ينتقص من قيمة الرواية، بل يشير إلى إمكانات تطوير مشروعها الفني باتجاه مزيد من الاقتصاد السردي، والتلميح، والثقة بذكاء المتلقي.

من الرواية إلى التجربة: مصر التي نقرأها ونعيشها

حين زرت مصر سنة 2023، لم تعد فكرة الرواية بالنسبة إليَّ مجرد مادة للقراءة.

لقد صار المكان نفسه نوعًا من النص.

الأزقة، المتاحف، المقابر، المعابد، الوجوه، الحجارة، النيل، المدن القديمة، كل ذلك جعل السؤال يتخذ صورة حسية:

من هم الأحياء الذين نلتقيهم، ومن هم الموتى الذين نشعر بحضورهم؟

وقد تكون المفارقة أن الإنسان قد يمر أمامنا حيًّا، ثم يختفي دون أن يترك في ذاكرتنا شيئًا؛ بينما يقف تمثال أو نقش أو كتاب أمامنا، فيوقظ فينا أسئلة لا نستطيع التخلص منها.

عندها يصبح الموت أقل يقينًا مما نظن، والحياة أكثر التباسًا.

فالذين شيدوا تلك الحضارة لم يعودوا بيننا، لكنهم استطاعوا أن يفرضوا حضورهم على حاضرنا.

وهكذا يتأكد المعنى الذي تقترحه الرواية: الزمن لا يمنح الحياة لمن بقي جسده، وإنما قد يمنحها لمن بقي أثره.

خاتمة: النداء الذي يأتي من بعيد

في نهاية المطاف، لا تبدو «شيءٌ من بعيدٍ ناداني» روايةً عن أثر فرعوني أو سر تاريخي أو قصة حب عابرة.

إنها، في جوهرها، رواية عن الانتماء بوصفه سؤالًا.

قد يظن الإنسان أنه يبحث عن مكان، فإذا به يبحث عن نفسه؛ وقد يظن أنه يفتش في الماضي، فإذا بالماضي يفتش فيه؛ وقد يسافر إلى أرض بعيدة، ليكتشف أن المسافة الحقيقية ليست بين مكانين، وإنما بين الإنسان وذاته.

ومن هنا يصبح «الشيء» الذي نادى لويزا من بعيد أوسع من أن يُختزل في تفسير واحد.

إنه يمكن أن يكون التاريخ، والحب، والوطن، والذاكرة، والقدر، والحضارة؛ لكنه، في أعمق طبقاته، ذلك الصوت الخفي الذي يوقظ الإنسان حين يوشك أن يعيش حياةً لا تشبهه.

ولعل هذا هو الخيط الذي يصل هذه الرواية بـ «عيد ميلاد ميت» و«وجه آخر للحياة»: البحث عن الحد الفاصل بين أن يكون الإنسان موجودًا وأن يكون حيًّا.

فالإنسان لا يُقاس بما يستهلكه من أيام، وإنما بما يتركه فيها.

والحضارات العظيمة لا تبقى لأنها قاومت الموت في أجساد أصحابها، بل لأنها استطاعت أن تجعل آثارها قادرة على الكلام بعد غيابهم.

وفي مصر، يصبح الحجر ذاكرة، والذاكرة صوتًا، والصوت نداءً.

وعندما نسمع ذلك النداء، قد نكتشف أن القادم من بعيد لم يكن غريبًا عنا كما ظننا.

ربما كان أقرب الأشياء إلينا:

صوتًا خافتًا من ذواتنا، ظل ينتظر طويلًا حتى نسمعه.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٢ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تصبح الثقافة مختبرًا للتحولات..

 قراءة في العدد الثاني من "آفاق"
قراءات

حين تصبح الثقافة مختبرًا للتحولات..  قراءة في العدد الثاني من "آفاق"

يأتي العدد الثاني، يونيو/حزيران 2026، من "آفاق: المجلة العربية للدراسات الثقافية" محمّلًا بطموح يتجاوز فكرة إصدار دورية أكاديمية جديدة إلى محاولة بناء مساحة عربية تتقاطع فيها المعرفة الاجتماعية مع الأدب والتاريخ والفلسفة والنقد الثقافي. والمجلة دورية علمية محكّمة تصدر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ…

· 10 د
«مَسَلَّة الأحزان السومرية» للقاص علي السباعي: سيميائيات "القناع الأيقوني" ومفارقة تدنيس المقدس الجمالي
قراءات

«مَسَلَّة الأحزان السومرية» للقاص علي السباعي: سيميائيات "القناع الأيقوني" ومفارقة تدنيس المقدس الجمالي

«مَسَلَّة الأحزان السومرية» للقاص علي السباعي: سيميائيات "القناع الأيقوني" ومفارقة تدنيس المقدس الجمالي د.مراد ترغيني تتخلّق عوالم القاص العراقي علي السباعي في نقطة برزخية ملتهبة تلتقي عندها أقدم مراثي الأرض بأحدث فجائع التاريخ المعاصر؛ فالرجل يكتب من رئة "الناصرية" (أور القديمة)، تلك الجغرافيا…

· 15 د
نجمان ياسين:

طفولة المحلّة.. وعالمية الحرف
قراءات

نجمان ياسين: طفولة المحلّة.. وعالمية الحرف

​في المشهد الثقافي العربي، ثمة قامات يغير الأكاديميون ملامحهم حين يرتدون جُبّة الأستاذية، لكن الأستاذ الدكتور نجمان ياسين ظلّ استثناءً نادرا ؛ إذ لم تفلح صرامة المؤرخ ولا هيبة القاص في أن تحجب ذلك "الشاعر الشاب الوسيم" الذي انطلق يوماً من أزقة الموصل ومحلاتها العتيقة، مسكوناً بشغف القراءة والكتابة.…

· 2 د