انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

قراءة في شعرية الاشتغال التدويني واللعبة الإنتاجية في رواية "سيناريو لم تكتمل قصته: نصف البداية"

د.مراد ترغيني
د.مراد ترغيني

ناقد وأديب جزائري

13 دقائق للقراءة
13 مشاهدة
قراءة في شعرية الاشتغال التدويني واللعبة الإنتاجية في رواية "سيناريو لم تكتمل قصته: نصف البداية"
مشاركة:

تُمثّل رواية "سيناريو لم تكتمل قصته: نصف البداية" للروائي والناقد العراقي علي لفته سعيد، الصادرة عن مركز الرافدين للحوار (2026)، انعطافة نوعية وتجريبية فارقة في مسار المنجز السردي العراقي والعربي الراهن؛ إذ لا تكتفي بتقديم محتوى حكائي يوثق انكسارات الواقع، بل تطرح نموذجا تطبيقيا فريدا يتطابق فيه "المشغل الإبداعي" مع "المشروع النقدي" للكاتب. وتستمد الرواية فرادتها من كونها تمرينا سرديا واعيا يترجم مقولات المؤلف النظرية التي رسخها في مؤلفاته النقدية المرجعية، لا سيما أطروحاته حول "فهم اللعبة الإنتاجية للنص الأدبي" و"الاشتغال التدويني في القصة والرواية". ومن هذا المنطلق، تتحول الكتابة السردية في هذا النص من طور المحاكاة الإنشائية الساكنة إلى طور "الصناعة التدوينية المنتجة" التي تستعين بالفنون المجاورة، وتحديدا الفن السينمائي والدرامي، لإعادة تركيب الوعي العراقي المأزوم في فضاء ما بعد الصدمة والحروب المتراكبة.

تعتمد هذه الدراسة المنهج السردي في ضوء السرديات ما بعد الكلاسيكية والوسائطية؛ بوصفه إطارا علميا قادرا على تفكيك معمار النص واستنطاق التفاعل الدينامي بين البنية الحكائية وشفرات البث البصري. وتتوسل الدراسة بـ المقاربة السينو-سردية كمسلك إجرائي يتقصى آليات 'مسرحة الرواية'، عبر تفكيك تقنيات الديكوباج واللقطات والمونتاج المشهدي، بالتضافر مع مفهوم الكاتب الخاص حول 'الاشتغال التدويني'. كما تتأطر هذه القراءة ضمن المنظور التداولي الإنتاجي، مستندة إلى المرجعيات الإجرائية لـ نظرية جماليات التلقي عند 'فولفغانغ إيزر' في استراتيجية 'ملء الفجوات السردية'، و'أومبرتو إيكو' في أطروحة 'النص المفتوح'، موازاة مع مفهوم 'اللعبة الإنتاجية'؛ حيث تُقارب الرواية بوصفها مسودة لسيناريو وجودي مفتوح يتنازل فيه المؤلف عن الهيمنة الأحادية على الدلالة، ليمنح القارئ سلطة إنتاج المعنى واستشراف مسارات واقع لم تكتمل فصول مأساته بعد.

المعمار التدويني وتسريد الديكوباج السينمائي: من الحكاية إلى المشهدية البصرية

تتأسس البنية الهيكلية للرواية على قطيعة واعية مع التقسيم التقليدي إلى "فصول"، وتستبدل به معمارا بصريا مقسما إلى (خمسة عشر مشهدا تليها عتبة خارج المشهد). إن هذا التدوين الإخراجي يُمثّل جوهر "الاشتغال التدويني" الذي يسعى إلى تحويل اللغة المكتوبة إلى لغة بصرية متلفزة ومرئية؛ حيث تستهل الرواية افتتاحيتها بتقنيات الإرشاد المشهدي واللقطات الاستهلالية الكاشفة: "نهار. تُفتتح اللقطة على غرفة صغيرة شبه معتمة، يسودها الهدوء. الضوء يدخل بخجل من نافذة صغيرة تغطيها ستارة قديمة. في أقصى زاوية الغرفة، يجلس البطل على الأرض، يبدو بعمر يفوق الثلاثين بخمس سنوات، والحقيقة هو بعمر أقلّ بعشر سنوات بالتمام والكمال. يبدو عليه الإجهاد، أمامه مجموعة من الصور المبعثرة. يسحب الصور ببطء ويفرشها بعناية على الأرض. تنعكس في عينيه الذكريات والمشاعر المتداخلة وهو ينظر إليها" (ص 12).

يُظهر هذا المقطع كيف يُوظّف الكاتب عين الكاميرا (Camera Eye) في بناء المشهد الافتتاحي، مُحددا زوايا الإضاءة الخافتة، والعمق الحركي للشخصية، وتوزيع الإكسسوارات المكانية (الصور المبعثرة، الستارة القديمة، والنافذة الضيقة). إن هذا الاشتغال التدويني لا يُعامل السرد بوصفه صوتا لغويا فحسب، بل بوصفه "ديكوباجا بصريا" محكما يُمارس عملية تقطيع المشاهد والمزج والمونتاج بين فضاء الغرفة وحركة الذاكرة الداخلية. وتتحول الأوراق والصور المبعثرة على الأرض إلى لوحة تحكم ميتاسردية، حيث يعيد البطل (سامر) ترتيب شظايا حياته وحياة أسرته والوطن عبر تفريق الصور وجمعها، محولا فعل السرد إلى فعل إخراجي كامل يشترك فيه القارئ عبر استحضار الصور الذهنية وتأطيرها حركيا ونفسيا.

وتتكرر هذه التقنية السينمائية التدوينية في مواضع مفصلية من الرواية لتأكيد الطابع المشهدي، كما في تداخل الصورة التلفزيونية والواقع الخارجي، حيث لا تُروى الأحداث بل "تُعرض" على شاشات متراكبة: "ينفرش المشهد. فتحت غطاء العلبة، دلقت الماء في جوفي لكن عيني على الشاب تتابعانه، بألم مبحوح الصوت. رجله العرجاء، وبنطاله المتسخ، وقميصه الذي قُدّ من كلّ الجهات. تخيلت نفسي مثله أبيع الماء لكي أعيش... أدفن سنواتي الدراسية في قمامة الشوارع المحنطة، منتظرا انفجارا يحوّل جسدي إلى أشلاء كما حصل لأخي الكبير ساجد" (ص 14).

يُجسد هذا الانتقال المونتاجي قدرة "الاشتغال التدويني" على دمج المشهد البصري المادي (بائع الماء المعاق في الشارع) بالمشهد الاستبطاني الداخلي للبطل؛ فالصورة الخارجية تقتحم وعي الشخصية لتتحول إلى لقطة تراجيدية موازية تُعيد استحضار جسد الأخ الممزق في الانفجار. إن الكاتب هنا يستعير تقنية "اللقطة المقربة" (Close-up) على تفاصيل الثياب الممزقة والرجل العرجاء، ليُنتج دلالة رمزية عن عرج الواقع العراقي برمته وتآكل أحالم جيل الشباب، مبرزا كيف تتحول الكتابة التدوينية إلى أداة التقاط بصرية فائقة الحساسية ترفض التقريرية وتنتصر للتجسيد الحركي الصادم.

الكرونوتوب الداخلي وسيميائية "الغرفة / الشاشة": تفكيك الفضاء المحتجز

ينهض الفضاء المكاني في الرواية على تشكيل كرونوتوبي محتجز وبالغ التكثيف الدلالي؛ فالأحداث تكاد تنحصر جغرافيا داخل "الغرفة المستطيلة المعزولة" التي اتخذ منها البطل (سامر) سجنا اختياريا، مستلقيا على سريره في وضعية "المُسجّى" كأنه جثة تنتظر الدفن أو الإفاقة. غير أن هذا الفضاء المغلق، بفضل "اللعبة الإنتاجية"، ينفتح سيميائيا على اتساع كوني غير محدود؛ فالغرفة ليست مكانا فيزيائيا ساكنا، بل هي "حجرة تصوير مظلمة" (Camera Obscura)، ومسرح نفسي تنعكس على جدرانه وأسقفه كوابيس العالم وصراعاته.

تتجلى هذه الهندسة الفضائية المعقدة في توصيف البطل لمكان عزلته وتماهيه مع الموت الاختياري: "المستطيل الذي أعيش فيه صار عالما مكتظا بالمتناقضات، مستطيل ضيق هو ما يشكّل الغرفة التي أغلقتُ بابها عليّ من الداخل وصحت في البيت.. لا أحد يطرق الباب ولا أريد الكلام مع أحد. الشيء الوحيد الذي يتابعني ويتصيّد كلّ ما في الداخل، من ثقب الباب أو من ثقوب النافذة التي تحرّك الستارة القديمة، هي التفاصيل التي تجعلني في حالة من الارتباك معها.. غرفة ليس فيها سوى سرير بفراش قطنيّ قديم عليه وسادة قديمة من تلك التي انمحى تطريز كلمة (تصبحون على خير) من زمن ولى" (ص 23).

يكشف التحليل السيميائي لهذا الفضاء عن تحول "الغرفة" إلى معادل موضوعي للانحباس التاريخي للذات العراقية؛ فالوسادة التي انمحى عنها تطريز "تصبحون على خير" تُمثّل علامة مؤشرية على انقراض زمن الطمأنينة والسلام وبدء عصر الهلع المستدام. وتتوزع في هذا الفضاء المغلق أدوات رصد سيميائية محورية:

ثقب الباب: الذي يمثل عدسة التلصص والرابط الحسي مع عاطفة الأم وصخب الجيران وحركات الفتاة (صفية).

النافذة المتربة: التي تشكل منفذ استقبال الرياح، والغبار، وأصوات المظاهرات، والهتافات، ونباح الكلاب.

السقف والضوء الأبيض: الذي يتحول إلى شاشة ميتافيزيقية تهبط منها الرؤى، وتتصارع فوقها الأسئلة الوجودية، وتتشكل عليها أطياف الموتى.

وتتعاظم وظيفة هذا الفضاء التدويني حين تنكسر حدود العزلة بفعل الشاشات الرقمية والتلفزيونية، لتتحول الغرفة إلى ملتقى لحروب الأرض وتناقضاتها:"أهرب إلى داخلي، وأُبعدُ كلَّ الأشياء. أكتم صرخة كبيرة، وعيني على السقف، لعلَّ شيئا يهبط لي ويُحدّثني، يُناقشني، ويجيب على سؤال اختفى مع اختفاء المشهد. ضممتُ رأسي في صدري، جلست، ألمّ ركبتي، تحتويان رأسي وصدري. داهمتني صورة الطفل الذي أخرجه أبوه من تحت أنقاض وركام تفجير انتحاري بسيارة مفخخة.. أب وحيد حمل ابنه اليتيم وهو يصرخ: اللعنة عليكم.. أتقتلون الأطفال باسم الدين!" (ص 60).

يتحول وضع "التسجي والانكماش الجسدي" فوق السرير إلى موقف احتجاجي يرفض الانخراط في مجازر الخارج؛ فالغرفة تمتص صور التفجيرات المحلية وتدمجها بمشاهد القصف في غزة وفلسطين وجنوب لبنان والسودان (ص 43، 60). إن الكرونوتوب هنا يفقد بعده الإقليمي ليصبح "كرونوتوبا للمأساة الإنسانية الشاملة"؛ حيث تصبح جدران الغرفة شاشات استقبال مفتوحة تدين استغلال الدين في إبادة الطفولة، مؤكدة أن عزلة البطل ليست هروبا بل هي أعلى درجات الاشتباك الواعي والمسؤول مع فظاعة العالم.

التشكيل البوليفوني وصراع "ثالوث المصائر": تفكيك خطابات المقدس والتمرد والفلسفة

تنهض الرواية، وفق المنظور الحواري البوليفوني، على صراع محتدم بين منظومات قيمية وفكرية متعددة لا تنصهر في صوت واحد، بل تتجابه عبر ما يمكن تسميته بـ "ثالوث الأشقاء"؛ حيث يمثل كل شقيق خيارا وجوديا ومصيرا تراجيديا للإنسان العراقي بعد عام 2003:

خطاب التشدد والأدلجة الدينية (ساجد): يُمثّل ساجد الوعي السلفي المنغلق الذي يختزل الدين في نصوص الفقه التكفيري والامتثال الأعمى، مقدسا فكرة "الشهادة المجانية" والموت في سبيل الفكرة حتى لو دمرت الأسرة، لينتهي به الأمر أشلاء ممزقة في تفجير انتحاري بعد أن كان يرى الدنيا مجرد دار فناء.

خطاب النكوص والبراغماتية المادية (ماهر): يُمثّل ماهر الوعي المتمرد اللاديني الذي يكفر بالقيم الجمعية، ويرفض التضحيات، ويهرب عبر الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليعيش نمط الحياة الاستهلاكي، معتبرا أن "الحرية الفردية وصناعة الرفاهية" أجدى من البقاء في بلد يحكمه تجار الحروب والكهنة.

خطاب القلق الفلسفي والبحث عن الجوهر (سامر/ البطل): يُمثّل سامر المثقف الأكاديمي الحائر، خريج قسم الفلسفة، الذي يرفض عنف ساجد وابتذال ماهر، ويسعى إلى فك الارتباط بين "الخالق الحقيقي" و"فقه المؤسسات الأرضية المستغل للدين"، مفضلا العزلة والتأمل على الانخراط في ثقافة القتل.

يتبدى هذا التصادم البوليفوني في الحوار المشهدي الحاد الذي ينفجر داخل الغرفة بين الأشقاء (كحضور حي أو كأطياف تستدعيها الذاكرة): "قلت له: المشكلة ليست مع الله أو مع الدين، المشكلة كما أراها وأكررها دوما مع فقه الدين. ظهر أخي ماهر يضحك. ظلّه يتحرّك على الجدار الثاني. خلفه عمارات شاهقة وبلاج ومشاهد من حدائق ونساء عاريات. أخبره: الدين ترتيب العقل، وهو مارس علينا إضاعة العقل وتخديره.. ساجد يتحرك نحو النافذة: هذه ما يريده الشيطان من الناس، عري ومثلية وتطبيع. ماهر لا يجد إلا أن يواصل الضحك الهادئ غير المستفز: كلا، ما تقوله صحيح، لكن العقل هو الذي يحكم. في أمريكا آلاف من رجال الدين وملايين من المسلمين المحافظين على دينهم ولكن بطريقة الاحترام للآخر.. هنا يستفز ساجد: ليس هناك نقطة فاصلة بين الحق والباطل. هؤلاء كفرة.. كلهم في نار جهنم خالدين فيها!" (ص 119، 173).

يُفكك هذا الاشتباك الحواري الآليات التي تُنتج الفتنة والتناحر في المجتمع؛ فالرواية لا تُحاكم الشخصيات من الخارج، بل تترك لكل شخصية إبراز حججها وعوالمها؛ فساجد يستند إلى النصوص القطعية والترهيب بالعذاب، بينما يستند ماهر إلى منطق المنفعة والعقلانية الغربية، ويقف سامر في المنتصف ليكشف أن كلا الطرفين يمارسان الإقصاء ذاته ولكن بمرجعيات متباينة.

وتكتمل هذه البوليفونية بصوت "الأم"؛ التي تمثل الوعي الفطري المتسامح والمحاصر بالدموع: "صرخت أمي: البيت مسكون يا إلهي! أسمع الكثير من الأشياء التي لا يصدقها العقل، بتّ أخاف.. تصرخ أمي، أسمعها من خلف دموعها وصوتها المبحوح، تركض على صدى صراخي. تقف خلف الباب، تدق على خشبه الرطب من عرق الباحة.. أسمع تنفّسها، شهيقها وزفيرها، وحتى خفقات قلبها. سمعتها توبّخ حالها وتندب حظها للمرة الألف" (ص 106-107، 160).

إن تكرار تكبيرات الأم وأدعيتها عبر ثقب الباب ليس مجرد طقس تعبدي، بل هو صرخة الأمومة المستلبة التي فقدت زوجها وابنها البكر وتباعد عنها ابنها الثاني، وتخشى أن تفقد ابنها الأصغر في دهاليز الجنون. هذا التعدد في مراكز الوعي والخطابات يُعمّق الطابع الدرامي للرواية، ويجعل من فضاء البيت مصغرا لتشظي الأمة بأسرها.

شعرية التناص والوسائط الرقمية: ميتاسردية "الواتساب" وتناسل الشاشات

تعتمد الرواية على استراتيجية تدوينية حديثة تُدمج "الوسائط الرقمية والتواصل عبر الواتساب" في نسيج السرد بوصفها حوامل لغوية وبصرية بديلة عن الحوار الواقعي المباشر. في ظل انغلاق باب الغرفة وامتناع البطل عن الكلام، تصبح الرسائل النصية المكتوبة، والشاشات الزرقاء، وعلامات القراءة (تحول الصحين إلى اللون الأزرق)، وإشعارات الرنين، عناصر بنائية تُمارس وظيفة درامية حاسمة.

تتجلى هذه التقنية بوضوح في تلقي البطل لرسائل صديقه "حامد" ورسائل "ماهر" من أمريكا عبر شاشة الهاتف، حيث تنقلب الرسالة الرقمية إلى نص ميتاسردي واصف يُعرّي حالة العجز الجمعي: "رنّ الهاتف، رنّته فيها شيء جديد يُموسق الحالة النفسية أكثر من كونها رنة رسالة عبر الواتساب، يظهر اسم حامد على الشاشة.. ركّزت عيني على السطور، وطلبت من مخيلتي ألّا تشرد وتبقى تقرأ: صديقي، وصاحبي، وأخي الذي لم تلده أمي.. أعترف لك أني لم أعد أرغب بالحديث معك؛ صرتَ موسوعة في الوهم والمقارنات التي لا قِبل لي بها.. الصداقة أن نتشارك في الهموم لا أن تنفرد في الجنون.. كل نص تكتبونه يا صديقي هو قبر صغير.. نحن نعيش الانفصام، وقد قالها، كما تعرف، الدكتور علي الوردي" (ص 153، 156، 159).

يتحول "الواتساب" هنا من مجرد أداة اتصال تقنية إلى "فضاء نصي موازٍ" تتصارع فيه الرؤى الفكرية وتستدعي التناص السوسيولوجي مع أطروحات "علي الوردي" حول ازدواجية الشخصية العراقية. إن إدراج الرسالة الطويلة بنصها الكامل داخل المشهد يُحدث تداخلا أجناسيا بين الرسالة والرواية والسيناريو، مما يُعزز مفهوم "الاشتغال التدويني" الذي يدمج الوثيقة الرقمية الحديثة في صناعة المتن التخييلي.

ويتسع هذا التناص الرقمي والبصري ليشتبك مع التناص الأسطوري والتاريخي حين تقتحم "شهرزاد" و"عشتار" و"تموز" فضاء الغرفة عبر الهلوسة والذاكرة:

"في تلك الإغفاءة رأيت ما لم يَرَه النائم. خرجت لي شهرزاد، بملابس لامعة وهي تضع التفاحة في فم شهريار.. تركت شهرزاد طاغيها لتهمس لي عن رؤياها، صارت ليس عرّافة بلا أحجار. تقول لي: إياك والعبث بما يمدك.. كن ما تريد ولا تكن ما يُراد من فهمك.. يتسرب لي نغم الحياة، يوقظني من تلك الإغفاءة، فأجد شهرزاد من ثقب الباب، تقول لأمي: كلّنا تائهون يا خالة في بلادنا، ولكننا سنجد مسقط أقدامنا، ونبري من جديد أقلامنا، ونكتب على الصحائف أحلامنا" (ص 182).

يُمارس النص هنا تحويلا سيميائيا لرمز "شهرزاد" من دورها الكلاسيكي (استجداء البقاء بالحكاية أمام السيف) إلى دور تحرري معاصر يُحرّض على استعادة الفاعلية وبري الأقلام لكتابة التاريخ بأيدي الضحايا لا بأيدي الطغاة. وتتكامل شهرزاد أسطوريا مع شخصية "صفية" الواقعية، التي تدخل فضاء البيت حاملة صينية الطعام وثوبها الأحمر وعطرها الفواح (ص 175-177)، لتُمثل النقيض الحي لثقافة الموت؛ فالأنوثة والحب والبياض هي القوى المضادة الوحيدة القادرة على كسر حصار الغرفة وإعادة إشعال الرغبة في الحياة.

جماليات التلقي وتفكيك الخاتمة: سيمياء علامة (ليست النهاية)

تصل "اللعبة الإنتاجية" في الرواية إلى ذروتها البنائية والجمالية في المشهد الأخير الموسوم بـ "خارج المشهد" (ص 187)؛ حيث يكسر الكاتب بصورة نهائية وفاضحة كل مواضعات الخاتمة الروائية التقليدية، مستعيرا شارة النهاية السينمائية (End Credits) ليُسلّم النص إلى القارئ بوصفه المنتج الأخير للحقيقة.

يصوغ الكاتب هذا الختام البصري المفتوح بلغة إخراجية دقيقة ومكثفة: "تظهر أسماء الشخوص، تنزل من الأعلى إلى الأسفل. ثمة طريق طويل، طويلٌ جدّا. تبدو فيه عمارات مهدّمة وأنقاض حروب مشتعلة في العالم. يظهر في الصورة رجل متكدّس تحت الأنقاض، وثمة من يريد إنقاذه. يظهر مشهد، كطفلة في عمر التاسعة من العمر، تحمل طفلة جريحة بعمر الرابعة من العمر، تهرب من القصف. تظهر وجوه حكّام ينددون بالقتل، ويطالبون بوقف إطلاق النار. تقترب الصورة، ثمة حقائب كثيرة مليئة بالمال، وأوراق مليئة بالكراهية. في آخر السيناريو، تظهر كلمة صغيرة، ثم تكبر حتى تملأ الشاشة: (ليست النهاية)" (ص 187).

يُشكّل هذا المونتاج الختامي تلخيصا بصريا وفكريا للرواية برمتها؛ فنزول أسماء الشخوص بمحاذاة مشاهد الدمار، والأطفال الجرحى، ونفاق الحكام، وحقائب الأموال المشبوهة، وأوراق الكراهية، يُمثّل إدانة صريحة للنظام العالمي ولتجار الحروب الذين يُعيدون إنتاج المأساة ذاتها في كل مكان.

إن ظهور عبارة (ليست النهاية) وتمددها لتملأ الشاشة بالكامل ليس مجرد إعلان عن جزء ثانٍ للرواية (كما قد يوحي العنوان الفرعي "نصف البداية")، بل هو تشفير سيميائي وفلسفي عميق الدلالة؛ فالنص يرفض إغلاق الدائرة الحكائية، لأن الحرب في الواقع لم تنتهِ، والأسئلة الوجودية لم تجد إجاباتها بعد، والانشطار الفكري والاجتماعي لا يزال قائما. إن الكاتب عبر هذه العلامة يُمارس قمة "اللعبة الإنتاجية"؛ إذ يلقي بمسؤولية استكمال السيناريو على كاهل المتلقي، محولا القارئ من مستهلك سلبي للمأساة إلى فاعل نقدي مُلزم بالبحث عن مسقط قدمه، وبري قلمه، ومواجهة أوراق الكراهية بمداد الوعي والحرية.

خاتمة

تُبين القراءة التحليلية المعمقة لرواية "سيناريو لم تكتمل قصته: نصف البداية" للكاتب علي لفته سعيد أن هذا المنجز الروائي يُشكّل حقلا تطبيقيا عالي الخصوبة لمفاهيم "الاشتغال التدويني" و"اللعبة الإنتاجية"؛ حيث نجح المؤلف في تحويل الكتابة الروائية إلى مختبر سينو-سردي هجين تتكامل فيه تقنيات اللقطة والمشهد مع أعماق المونولوج الداخلي والاسترجاع النفسي.

تتجلى القيمة الجمالية والإبستيمولوجية للعمل في قدرته على تجاوز الرصد التوثيقي المباشر للخراب العراقي بعد عام 2003، وصهره داخل بنية بوليفونية متعددة الأصوات؛ حيث تجابهت خطابات الأدلجة والتطرف مع خطابات التمرد الاستهلاكي، لتبرز العزلة الفلسفية والتأمل بوصفهما محاولة أخيرة لإنقاذ الوعي الإنساني والانتصار لقيم الحب والتنوير والبراءة في مواجهة ثقافة القتل واستغلال المقدس.

ومن منظور نقدي، يُسجل للرواية جرأتها المعمارية في هدم الفواصل الأجناسية بين النص السردي والسيناريو السينمائي، وتوظيفها البارع لوسائط التواصل الحديثة كأدوات لبناء الصراع الدرامي. ورغم ما قد يتبدى في بعض المقاطع من كثافة عالية للمناجاة الذهنية والتجريد الفلسفي الذي قد يبطئ من وتيرة التدفق الحدثي، فإن التقطيع المشهدي، والتوتر البصري الناتج عن ثنائية (الداخل المحتجز/ الخارج المنفجر)، وانفتاح الخاتمة على علامة (ليست النهاية)، قد منح الرواية تماسكا عضويا جعل منها نصا إنتاجيا بامتياز، يستفز فاعلية القارئ ويضعه في قلب المساءلة التاريخية والأخلاقية الراهنة.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٢:٥٣ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

 من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟
اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:
قراءات

من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:

اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ حميد عقبي فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، الصادرة بعنوان «مكتبة رقيب الكتب»، بجائزة «إنسايد الأدبية» الأميركية لعام 2026. وقد اختارها نحو مئتي قارئ من نزلاء السجون…

· 6 د
الدكتور حامد الظالمي..

باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة
قراءات

الدكتور حامد الظالمي.. باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة

إن دراسة تاريخ الأمة الحضاري بصورة عميقة وشاملة تتطلب البدء بدراسة تاريخ المدن التي أسهمت بنشأة تلك الحضارة لأنها كانت بمثابة المراكز التي نمت في داخلها بذور الحضارة وترعرعت على يد أبنائها قيمها وأشكالها المختلفة، فللمكان رائحة مثلما للبشر وللمكان المدينة والقرية والدربونة والزقاق جسد يمتد ويتسع…

· 10 د

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار 

قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين
قراءات

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار  قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين

رواية (عالم زي... زو) للاديب مهدي علي أزبين، صوت يناهض الواقع القائم في عصر محو القيم الإنسانية ، وموت المشاعر والأحاسيس التي تعبر عن روح الإسان ، بمعى آخر هو عالم قتل الروح الاإسانية ، وتحول دماغ الاإسان الى مجرد آلة بدون إحساس وشعور ... حيث يحضر الروبوت أكس كشخصية محورية في العالم الرقمي لحل…

· 4 د