المتأمل لنص "لجفرا مقلةُ العينِ" للأديبة اللبنانية الفلسطينية دوريس علَم خوري سيجد نفسه كأنه مع ملحمة شعرية نسجت خيوطها بين الشعر، الذات، والوطن، حيث تتمظهر الكثير من التداخلات العاطفية العميقة تمزج بين التجربة الشخصية والجمعية. تتخذ القصيدة من الحوار الشعري أسلوبًا ديناميكيًا ودراميًا، نرى الصراع بين اللاجئ المنفي الذي يبحث عن مأوى وهوية وسلام، وجفرا التي تمثل الحبيبة والوطن، وتفتح ذراعيها لاحتواء هذا التيه العاطفي والضياع السياسي.
يعتمد النص على العديد من الإشارات الرمزية والتكثيف الشعري البديع ليصور حالة الانتماء المفقود والمنفى القسري، هنا،الشعر يكون وسيلة تعبير، وهو أيضًا صوت الذات الباحثة عن هويتها والطمانينة وسط الفقدان والتشظي المرعب. كما نلمس ثنائية الحلم والواقع، إذ يتحرك اللاجئ في فضاءات التاريخ، الذاكرة، والخيال، بينما تحاول جفرا أن تزرع الأمل والحب والسلام، لتمنحه وطنًا بديلًا داخل قلبها.
يظهر في النص توظيف الصور الشعرية الحسية والتشابيه المستمدة من الطبيعة والتراث، فتخلق دوريس مشهدًا أقرب للسريالية محاولة المزج بين الواقع والأسطورة، حيث تتداخل عناصر الحب، الأرض، والغربة في بناء وجداني عميق. وبذلك، لم يقتصر النص على التعبير عن الحنين للوطن الضائع، ولكن الأكثر أهمية أنه يعيد تعريف مفهوم الوطن في قلب التجربة الإنسانية، بحيث نشعر بأن الحب لغة مقاومة في وجه النفي والضياع.

مقطع من النص
لِجفرا مقلةُ العينِ ” :
( ملحمة شعرية للأديبة دوريس علَم خوري )
قال اللاجيءُ :
ما لكِ يا جفْرا لِلاجِيءٍ مِثلي
يُسابقُ الطيورَ في الصباحِ يُسافرُ مع الريحِ
يجوبُ القِفارَ
يبحثُ عن لقمةِ عيشٍ
يزرعُ بكَفَّيْهِ حبَّاتِ قمحٍ
فتأْتي العصافيرُ أسراباً وجحافلَ
تَنْقُدُ حبَّاتي بِصَمْتٍ فَتَطْرَبُ
وتُغرِّدُ شحاريرُها
يُنْشِدُ الموالَ يعودُ في المساءِ
يَعْتلي قبةَ السماءِ ينامُ بين طياتِ الغيْمِ
يَسْمعُ أنينَ المُتَألِمينَ وخُوَارَ الجائِعينَ
فماذا يفعلُ لاجيءٌ مِثلي في المنْفى لا مكانَ لهُ
ولا مأوىً حتى اللهُ لمْ يقْبَلْهُ في قبةِ سمائِهِ
قالتْ جفرا :
هيَّا أيها المنفيُّ أنْزِلْ شِراعَ سفينَتِكَ
واصْعَدْ فوق كَرْمِلي
واعبُرْ نفَقَ القلبِ
ها كبُرَتْ أنوثةُ مُفْرداتي
وحَرْقةُ الوردِ لِشَمِّ رعشةِ عِطْري
هيَّا ألبِسْكَ ثوبَ مَطري كيْ أُلْغيَ طُفولَتي
واكتَشِفَ فيكَ أبعادَ لُغَّتي وقاموسَ غِوايَتي
هيَّا أُعبُرْ الى منْفاكَ
حيثُ لا عسكرَ ولا بنادقَ سِوى
وصْوَصاتِ مناقيرِ عصافيري تُدَوِيَّ
في جنباتِ قلبِكَ المذبوحِ
هيا اقتَرِبْ وأنزِلْ شِراعَكَ فوق صَدْري
واهجَعْ كالقتيلِ في خليجِكَ كي تنامَ
هنا… تَجِدُ ملاذاً آمِناً !
أُعْطيكَ … إقامةً دائمةً في قلبي
لكَ شجرةُ حُلْمي …لك كلُ ما تتَمَنّاهُ
أنا عُصْفورَةُ المَنْفَى مِنْ شرايينِ قلبي
نَسجْتُ لكَ خَيْمتي
مِنْ أورِدَةِ شراييني حِكْتُ لك ثوباً بنفسجياً
نَصَبْتُ لكَ أُرْجوحَةً لِقَلْبِكَ المُتْعبِ
كي تَعْتَلي عرائِشَ كَرْمَتي
المُطَّلَّهُ خلفَ أسْوارِ حدائِقي
حدائقَ أبْهى مِنْ حدائقِ بابلَ
حدائِقَ تُطِلُ على مرْجِ السُنْبُلِ
تجوعُ فأطْعِمُكَ مِنْ حبَّاتِ سنابلي
هيا اعْتَلي كيْ أُهَدْهِدَ أجفانَكَ مثلَ طفلٍ صغيرٍ
تَعْطَشُ …فأسْقيكَ ذوْبَ أحاسيسي
أرفعُكَ الى قُبةِ هَرَمي
تُطِلُّ على دهاليزي ومع كلِّ رُكْنٍ الفُ حكايةٍ وحكايةُ
اللاجيءُ :
جفرا يا مقلةَ العينِ …
يا وطنَ المنفيينَ
ما لِقلْبِكِ … يعْشَقُ لاجئاً مِثلي
لا مكانَ له … ولا مأوًى
جِئتُكِ بِيَدينِ فارِغَتينِ
جِئْتُكِ بِيَاسمينِ الشامِ
جِئْتُكِ بِشُلوحٍ من أرزِ لبنانَ
أرْسُمُكِ فوقَ السُّطورِ … أخُطُّكِ فوقَ الحروفِ
فوقَ الجَداولِ فوقَ الحدائقِ فوقَ الشِفاهِ
أرسُمُكِ لوحةً سِرْياليَّةً لا يفْهَمُها سِوايَ
أرسُمُكِ فوق نُقَاطِ دهشتي …
فَتَعودينَ مثلَ طفلةٍ صغيرةٍ
تَسْألينَ عن سِرِّ القُبلَةِ الأُولىَ …
عن طَعْمِها عن لَوْنِها …
عنْ قُبْلةٍ تَعْصِفُ بِجَنَباتِ خَيْمتِكِ
تَجْتاحُكِ من مُحيطِكِ لِخليجِكِ
أُعْطيكِ قُبْلةً كيْ يَتَذَكَرَّني
توتُ الجليلِ على شفتيْكِ
قبلةً ما زالتْ ساخِنةً كَرَغيفِ القُبْلَةِ الاُولى
لكِ … جمعتُ أشعاري حبةً حبةً
لكِ ضَمَمْتُ غِماري وأغْلى حَصَادِ سِنيني …
جَفْرا :
أنا عصفورةُ المَنْفى مِنْكَ حَبيبي
عُشُكَ الضَّائِعُ في صدْري
أطْلِقُهُ لكَ ساعةَ تشاءُ
أُرْسِلُ لكَ جناحَيَّ كيْ تنامَ
إفتَحُ لي بابَ سَمَائِكَ السابِعةِ
كيْ تُزْهِرَ رياحيني
وفوقَ صَخْرَتِكَ أَبْني قصيدي
كيْ تُعَشِشَ عصافيري
فتُمْطِرَ السماءُ مِنْ بُخورِ عِشْقي
وما بين سكْرَتي وصَحْوتي
يُبَاغِتُكَ طيفُ بلابلِ نغَماتي
أُهْديكَ … غرسةً جِئْتُها مِنْ
بساتينِ كُفْرِقانا نَبَتَتْ فوق صدري
وفوقَ شجرَةِ حُلُمي تَهِزُّ مواويلي
أرْضِعُك حنينَ بلادي …
وإنْ عَطِشْتَ … أَسْقيكَ من لبنِ الروحِ
اللأجىء :
جَفْرا دعيني أغفو فوق نَهْدٍ نَبَتَ فوقه
رُمَّانُ كُفرقانا وعِنَبُ الخَليلِ
شَفَتَاكِ شَهْدي … عيناكِ عَسَلي
قامَتُكِ جِدارُ ظَهْري وسُلَّمي العالي
وعرْشُ مَسيحي المصلوبِ في وطَني
هيَّا اجْلِسي فوق سَمَائي
فوقَ عرشِ قلبي
ملاكٌ ذات اليمينِ
ملاكٌ ذات اليسارِ
وكرْمِلٌ عالٍ
يَرْتَجِلُ الموَّالَ
منهُ يَسْتَظِلُ
ويَقْطُفُ الكلِماتِ مِنْ شفتيكِ
لِنَشيدِكِ طقسٌ …
لِعَرْشِكِ صَوْلجانُ …
خلفَهُ يسيرُ البعلُ وموكِبُ الجَانِ
لِوَقْعِ أمْطَارِكِ سيمْفونِيةٌ وإيقَاعاتٌ سِحْرِيَةُ
لِرَبيعِكِ أُقحُوَانُ أدونيسَ
لِنيسانِكِ خمرةُ أوزيريسَ
لأِعْشَاشِكِ بلابِلُ وموْئِلُ الصيَّادينَ
دَعيني أحفُرْ في دهاليزِكِ خنْدقاً
أسِرْ خلفَ إيقاعاتِ نَبْضِكِ أتسلَّلْ مِثلَ الغُزاةِ
أَتسَلَّلْ لِفَضاءِ شَمْسِكِ
أستَرِقْ مِنْ عرْشِكِ المُضيءِ
صَوْلجاًناً يُعيدُ لي مَجْدَ الخُلودِ
جفرا … يا جمْرَةَ القلبِ وشُعْلةَ حنيني
لِبَحْرِكِ الجلِيليِّ مَوْئِلٌ للِحورِياتِ
خلفَ شُطْآنِكِ مُسْتَراحٌ لِلْنوارِسِ البحريةِ
سأنْسى حينَ أصْحو كيْ أُحِبَّكِ مِنْ جديدٍ …
إفسحي لي مجالاً في حديقتِكِ كي أراكِ
إفسَحي لي مجالاً كي أدخُلَ حِجَالَكِ
دعيني أَنْثُرْ شِراعَ قلبي فوق أوراقِ رمانِكِ
علَّ ياسمينَكِ يورقُ بين أضلُعي
دَعيني أحِكْ لكِ شالاً من الوانِ قوسِ قُزَحٍ
وأرتدي قميصَ غيمِكِ الزاحِفِ من أعْلى هامَتِكِ
ما سواكِ سِوى ابتهالاتِ خاشعٍ مُتَعَبِدٍ خلفَ ضبابِكِ
جفرا يا حُلُمي …
يا أنشودةَ العابرينَ
عيونُكِ مَنْ تكونُ ؟
عيونٌ منذُ فجْرِ التاريخِ؟
عيونٌ ترصُدُ التاريخَ تخُطُّ خريطَةَ وطني
عيونُكِ أنشودةً لِمَلائكَةٍ تَتَراقصُ على شَفاهِ الايَّامِ !
أسألُكِ بِحَقِ السَّماءِ…. بِحقِ وطَني المذْبوحِ ؟
لِماذا لا يقبلُنا اللهُ في عرشهِ… ولا تحْتَ سَمَائِهِ ؟
لِماذا ختَمَنا الآعداءُ على جِباهِنا مثلَ هُنودٍ حُمْرٍ ؟
يُرسِلُنا لصباحٍ قادمٍ … ومساءٍ ضَاعَ
بينَ حقائِبِ سفَري …
لنتوقف أولاً مع المقطع الأول بداية النص، والتي تضع القارئ أمام مأساة المنفى بطريقة تتجاوز التعبير عن الواقع السياسي أو رسمه لتصل بنا إلى جوهر المعاناة البشرية والقضية الكبرى، السؤال الأكثر تعقيدًا أي البحث عن المعنى والانتماء.
يتسم النص بجمالية شعرية وبنية فنية تصويرية ونشعر بقوة الدراما منذ البداية، يُفتتح النص بصوت اللاجئ، لعل الشاعرة أرادت روح الطابع الملحمي والتأملي منذ اللحظة الأولى. فلا يبدأ اللاجئ بعرض قصته مباشرة ليثير عطفنا نحوه، لكنه يطرح سؤالًا استنكاريًا يحمل في طياته نبرة العتاب والخسارة:
"ما لكِ يا جفْرا لِلاجِيءٍ مِثلي؟"
هذا السؤال يضع القارئ في مواجهة مع قضية الوجود والمنفى وهي من القضايا المعقدة جدًا، وهذا السؤال يُمهّد للحوار الشعري الذي سنكتشف أبعاده العاطفية والإنسانية الأكثر تعقيدًا. فبداية الخطاب ليست الغرض منها مقدمة تمهيدية أو حديث عن معاناة فردية، لكننا مع ملحمة تناجي الوطن الضائع، المتمثل في "جفرا"، والتي تتجاوز كونها مجرد حبيبة أو امرأة، حيث تصبح تجسيدًا للوطن المفقود والأمل المعلق.
تصوير اللاجئ ككائن في حركة دائمة
منذ البداية، تقدّم دوريس هذا اللاجئ على أنه شخص متحرك باستمرار، وغير مستقر، يعيش في التيه:
"يُسابقُ الطيورَ في الصباحِ يُسافرُ مع الريحِ، يجوبُ القفارَ"
هذا التوصيف يُضفي على شخصيته سمات الطائر المهاجر، أو الريح التي لا تستقر، وكأن قدره أن يكون مشتتًا ومبعثرًا، محكومًا بالتيه، يسابق الطيور لكنه لا يملك حتى حريته. فالطيور تمتلك وجهةً وأرضًا تعود إليها، أما اللاجئ فهو مجرد كائن بلا وجهة، بلا وطن، بلا قرار، بلا أرض ولا يعرف مصيره.
ثنائية العمل والخذلان
يبرز في النص تصوير اللاجئ كفلاح محب للحياة والثبات يحاول غرس بذور الأمل والحياة، لكنه يصتطدم بالخذلان والحرمان والمطاردة ومصادرة حقوقه كإنسان:
"يزرعُ بكَفَّيْهِ حبَّاتِ قمحٍ، فتأْتي العصافيرُ أسراباً وجحافلَ، تَنْقُدُ حبَّاتي بِصَمْتٍ فَتَطْرَبُ"
نلمس، هنا مفارقة قاسية وموجعة فاللاجئ يبذل جهدًا شاقًا في محاولة العيش، لكنه لا يجني الثمار، بل تُسرق منه.تُسرق منه الأرض والزرع والذكريات وتُنزع جذوره بقسوة.
العصافير، رغم أنها ترمز إلى الطبيعة والحياة والحرية، لكنها هنا تتحول إلى كيانات تتغذى على تعبه دون أن تمنحه شيئًا، صورة قوية وربما نحن مع إستعارة بارعة مقصودة ومخفية، فالطيور قد تكون دلالة عن بعض الأصوات والشخصيات التي تتظاهر بمناصرة قضايا هذا اللاجئ وهي تحصد الظهور الإعلامي والصفات والتسميات والجوائز لكنها تظل تستثمر مثل هذه القضايا بإستعراضات وشعارات وخطابات مزيفة من أجل ذاتها.
وهذه صورة رمزية قوية للاستغلال الذي يتعرض له اللاجئون والمنفيون، فهم يعملون، يكافحون، يبنون، لكن الآخرين من جمعيات ومنظمات ونشطاء هم من يجْنون الثمار، بينما يبقى اللاجئ جائعًا ومتعبًا، لا نستغرب عندما نسمع بمنح ومساعدات بالمليارات الدولارات من أجل اللاجئين والمنفين ولكن تذهب أكثر من نصفها كرواتب وبدل سفر لمن يدير هذه المظمات والهيئات.
بعد أن صورت الشاعرة دوريس خوري تيه وضياع هذا اللاجئ على الأرض، تنتقل إلى علاقته بالسماء، حيث تطرح تصورًا ميتافيزيقيًا عميقًا ومربكًا:
"يَعْتلي قبةَ السماءِ ينامُ بين طياتِ الغيْمِ، يَسْمعُ أنينَ المُتَألِمينَ وخُوَارَ الجائِعينَ"
هذا المشهد يصور بقوة المنفى الوجودي لللاجئ،كونه لا ينفصل أبدًا عن أرضه ولا ينساها،وحتى سماء أرضه تكون لها قداسة خاصة في نفسه. أي أننا نلمس تحولات متعددة منها أن هذا المشهد يتحول إلى شاهد على الألم الإنساني الشامل المفجع، يسمع أنين المتألمين وخوار الجائعين وألم المرهقين، وكأن جسد هذا اللاجئ يبحث عن روحه التائهة يعيش في برزخٍ بين الحياة والموت.
الذروة الدرامية في التساؤل الأخير
يصل النص إلى ذروة الشعور باللاجدوى في السؤال الختامي من المقطع الأول:
"فماذا يفعلُ لاجيءٌ مِثلي في المنْفى لا مكانَ لهُ، ولا مأوىً حتى اللهُ لمْ يقْبَلْهُ في قبةِ سمائِهِ؟"
هذا السؤال هو ذروة صارخة تعبر عن الاغتراب الوجودي، حيث يشعر اللاجئ أنه مرفوض حتى من الله، وكأن مصيره ليس فقط النفي على الأرض، بل حتى السماء أغلقت أبوابها في وجهه.
هذا الطرح يعكس الشكوى العميقة والتمرد الوجودي، حيث لا يجد اللاجئ إجابة عن معاناته وآلامه، ولا يرى عدلًا في مصيره. وهنا يطرح النص سؤالًا وجوديًا شجاعًا يتجاوز القضية الفلسطينية أو المنفى الجسدي، ليصل إلى أزمة الوجود نفسها، تفننت دوريس خوري في خلق إفتتاحية قوية مربكة وربما تختصر فكرة النص كاملاً، فهم هذه البداية هي المفتاح المثال لفهم القصيدة/ الملحمة وبعد ذلك يمكن قراتها قراءة تذوقية جمالية واعية، كما أن فهم أي ناقد لها تمكنه بعد ذلك من تفكيك النص والغوص في دهاليزه المتشعبة وربما تفيد أي فنان مسرحي من أجل معالجة النص مسرحيًا أو سينمائيًا، النص غني بالعناصر الدرامية والسينمائية ويستحق المعالجة.
ننتقل إلى المقطع الثاني من افتتاحية هذه القصيدة/ الملحمة
سنجد أن ثمة انتقال من حالة السؤال إلى الاستجابة العاطفية، بعد أن كان المقطع الأول صوت اللاجئ في مناجاته الوجودية وتأملاته في مصيره وقسوة المنفى، تأتي جفرا في المقطع الثاني كصوت مضاد، ولكن ليس نقيضًا و ضد هذا اللاجئ، بل صوتًا يحتوي الألم ويفتح له أفاقًا آخرى ويقرأ المأساة. إذا كان المقطع الأول يمثل الحركة والتيه والتساؤل والضياع، فإن المقطع الثاني، يأتي ليمثل الاستجابة والحضن والاحتواء، لكن بلغة تجمع بين العاطفة والرمزية المتشابكة.
تبدأ جفرا بدعوة مباشرة ذات دلالة تحررية:
"هيَّا أيها المنفيُّ أنْزِلْ شِراعَ سفينَتِكَ، واصْعَدْ فوق كَرْمِلي، واعمُرْ نفَقَ القلبِ"
تبدو هنا كأنها تمنحه بديلاً عن التيه والمصير المجهول، ملاذًا آمنًا في ذاتها وفي أرضها الحلمية وهي أرض غير مادية. تصور لنا الشاعرة مشهد السفينة التي تتلاطم بها أمواج الغربة والقسوة، تبحث عن ميناءً يستقبلها. لكن المفارقة أن هذا الميناء ليست أرضًا مادية، هذه الميناء هي وطن روحي، امرأة، تبشربالعشق، تريد أن تمنح له انتماء أعمق من الجغرافيا والسياسة.
يزج بنا المقطع اثاني إلى عنصرالتحول العاطفي والأنثوي والذي ظهر مبكرًا، كما أننا نلمس قوة إبداعية خلاقة حاولت إعادة تعريف الذات واللغة.
في هذا المقطع، تتغير صورة جفرا، فليست هي فقط الحبيبة أو الوطن، تتحول إلى كيان كلي شامل ذو قدرة فائقة على العطاء والتشكّل، فهي تتحدث بحرية عن تحوّلها، عن نمو أنوثتها ورغباتها وتبدّل مفرداتها ولغتها:
"ها كبُرَتْ أنوثةُ مُفْرداتي، وحَرْقةُ الوردِ لِشَمِّ رعشةِ عِطْري"
وهذه واحدة من أجمل الصور الشعرية في المقطع، حيث تُصبح اللغة كائناً يتطور ويكبر، لكنه متغير، يتجسدًا داخل ذات الراوية. هنا، لا تكون جفرا هنا مصور للألم، بل كيانًا فاعلًا وساحرًا، ينمو ويتحول ليمنح اللاجئ تجربة جديدة في اللغة والذات والانتماء.
ثم تنتقل بنا إلى قضية الوطن البديل بين الرغبة والاحتضان الروحي، في هذا المقطع نرى تصاعد التطور الدرامي منذ البداية، هنا نشعر أنجفرا تمنح اللاجئ "إقامة دائمة في قلبها"، وهي صورة شعرية موازية لفكرة الوطن الحقيقي الذي لا يمكن تعويضه:
"أُعْطيكَ إقامةً دائمةً في قلبي، لكَ شجرةُ حُلْمي، لكَ كلُ ما تتَمَنّاهُ"
هنا، يتحول الوطن من كيان مادي محكوم بالجغرافيا إلى حالة نفسية وحسية وروحية بالكامل. فجفرا لا تمنحه أوراق لجوء ولا تلوح بمساعدات مادية، ولكن تمنحه وطنًا ينمو داخلها وأيضًا داخله. وهذا التحول ربما يكون هو جوهر النص، فالحب يصبح هو الحل الوحيد أمام قسوة الواقع والمنفى والضياع.
تمتزج الطبيعة مع جفرا ومع العطاء الذي تمنحه، تتحول الطبيعة كامتداد للحب والوطن :
"أنا عُصْفورَةُ المَنْفَى مِنْ شرايينِ قلبي، نَسجْتُ لكَ خَيْمتي، مِنْ أورِدَةِ شراييني حِكْتُ لك ثوباً بنفسجياً"
العصافير، الخيم، الأشجار، السنابل، المطر... كلها تتحول إلى استعارات للحب الذي يمنح الأمان والطمانينة ويقاوم الغياب. هذا الاجئ بلا مأوى ولا حياة، لكنه يجد نفسه يتمدد ويتأصل داخل قلب جفرا، وكأنها تعيد خلق وطن على مقاسه.
كلما واصلنا القراءة نجد تفجير عناصر وقضايا جديدة هامة، تبدأ جفرا في تقديم صور ترتبط بالأمومة والاحتضان، حيث نراها تطعمه وتسقيه وتهدهده، تمنحه الإدراك والشعور بكل حواسه الطبيعية والتي قد يفقد بعضها اللاجئ في رحلة العذابات المهينة في أرض الشتات.
"تجوعُ فأطْعِمُكَ مِنْ حبَّاتِ سنابلي، تَعْطَشُ … فأسْقيكَ ذوْبَ أحاسيسي، أرفعُكَ الى قُبةِ هَرَمي"
هنا نلمس استدعاءً لصورة الأم الحامية الحنونة والمعطية بكرم ومحبة، لكنها ليست أمًا بالمفهوم البيولوجي، هي أمومة رمزية ذات قداسة ساحرة تمتزج بالحبيبة، بالعاشقة، بالوطن المتقمّص في لغة أنثوية رقيقة مُكثفة بالرمزية.
مع تقدم الحوار بديناميكيةٍ نشطة، يتصاعد الإحساس بالتوحد بين اللاجئ وجفرا، وكأنها لم تعد تقدم له الملجأً فقط، لكنها تصبح امتدادًا له ولحلمه المفقود. هنا، تتحول جفرا من مجرد صوت أنثوي إلى فكرة ميتافيزيقية معقدة تحمل أبعادًا أسطورية عريقة مستمدة من هذه الأرض، فحين تقول:
"أُهْديكَ … غرسةً جِئْتُها مِنْ بساتينِ كُفْرِقانا، نَبَتَتْ فوق صدري"
فهي هنا، تعيد إحياء وخلق الأرض في داخلها، كأنها الوطن بكل بهجته وسحره. وتستمر هذه الرمزية عندما تربط بين المنفى وبين الطبيعة الأنثوية:
"وإنْ عَطِشْتَ … أَسْقيكَ من لبنِ الروحِ"
وهذه واحدة من أقوى الاستعارات في المقطع، نشعر أن جفرا تتحول سريعًا إلى مصدر للحياة المطمئنة بمعناها العاطفي والروحي أيضًا. فاللاجئ هنا لا يبحث فقط عن بيت وأمان، بل عن الكرامة وحياة كاملة مليئة بالحب والتجدد.
ختامًا : فإن قصيدة "لجفرا مُقلةُ العين" تشكل ملحمة شعرية، حاولت الشاعرة أن تجمع بين المنفى والحب، الوطن والذات، حيث سنشعر بعد قراءة النص كاملاً أن اللجوء يتحول من تجربة مادية إلى اغتراب وجودي معقد، ويتحول الوطن من حدود جغرافية إلى ما يشبه الملاذ الروحي داخل الحبيبة. الحوار بين اللاجئ وجفرا كشف الكثير من من هذه التوترات العاطفية والسياسية العميقة، نشعر أن الحب أصبح لغة مقاومة شجاعة ضد النفي والضياع. النص يزخر بالكثير من الصور الرمزية والتكثيف الشعري والبعد الأسطوري، منحتنا الشاعرة دوريس خوري تجربة شعرية أصيلة تنغرس وتنمو في الذاكرة والهوية، وحاولت أن تخلق من جفرا وطنًا مفقودًا ولكن يمكن استعادته لو حل الحب والسلام في هذا الكون.
دوريس خوري
لها ٨ إصدارات شعرية ونثرية وقصص للأطفال ومسرحية :
عودة الآلهة ٢٠٠١
جلباب العبودية ٢٠٠٢
أجنحة الغد ٢٠٠٢
نسائم لبنانية ٢٠٠٣
اشتقتلك يا بلدنا ٢٠٠٣
وعانقتني شمسها ٢٠١١
لنشيدك طقس ٢٠١٣
في ظلال القداسة ٢٠٢٢
من أهمّ انجازاتها :
افتتحت صالونها الأدبي و لقد أسست جمعية ناردين للثقافة، توفيت في شهر مارس 2026







التعليقات